واشنطن تريد من إيران أن تفهم أن رفع العقوبات والعودة إلى المسار الاقتصادى العالمى أكثر قيمة من فرض رسوم على الملاحة أو تهديد السفن.
أما إيران فترد، صراحة أو ضمنا، بأن المال وحده لا يكفى إذا لم يقترن باعتراف بدورها.
بالنسبة لها، مضيق هرمز ليس مجرد مصدر محتمل للدخل، بل رمز للسيادة والهيبة والسيطرة على المجال الحيوى.
هى لا تريد أن تبيع الهدوء فقط، بل تريد أن تجعل أمن الخليج يمر عبر الاعتراف بأنها طرف لا يمكن تجاوزه.
الأمر لم يعد مجرد ضغوط، لكنه لم يتحول بعد إلى حرب مفتوحة.
نحن أمام حرب محدودة داخل مسار تفاوضى متهاوٍ.
الضربات موجودة، والردود موجودة، لكن بنك الأهداف لا يزال مضبوطًا نسبيًا.
كل طرف يحاول إيذاء الآخر دون دفعه إلى رد لا يمكن احتواؤه.
هذه ليست طمأنة، بل تحذير.
لأن الحروب الكبرى كثيرًا ما تبدأ من اعتقاد الأطراف أنها قادرة على إدارة الحرب الصغيرة.
الخطر هنا لا يكمن فقط فى نوايا واشنطن أو طهران، بل فى هامش الخطأ.
ضربة تصيب هدفًا أكثر حساسية من المتوقع، سقوط عدد كبير من القتلى الأمريكيين، استهداف منشأة نفطية كبرى، احتكاك بحرى فى هرمز، أو دخول إسرائيلى مباشر على الخط؛ كل ذلك يمكن أن ينقل الأزمة من تفاوض بالنار إلى حرب أوسع.
التصعيد المحسوب يظل محسوبًا إلى أن يقع الخطأ الأول الذى لا يستطيع أحد تجاهله.
والأخطر أن كل طرف يملك جمهورا داخليا لا يسمح له بالتراجع السهل.
ترامب لا يريد أن يظهر بمظهر من أعلن نهاية الاتفاق ثم عاد إليه دون مكسب واضح.
وإيران لا تستطيع أن تظهر كمن تلقى ضربات ثم عاد إلى التفاوض بلا ثمن.
هنا تصبح الوساطة أصعب، لأن المطلوب ليس فقط وقف النار، بل صناعة مخرج يحفظ ماء وجه الطرفين.
قطر أو عمان أو أى وسيط آخر لا يحتاج فقط إلى صيغة تقنية، بل إلى صيغة سياسية تسمح لكل طرف بأن يقول إنه لم يخسر.
من هذه الزاوية، فإن إعلان نهاية الاتفاق قد يكون نهاية لنسخة محددة من مذكرة التفاهم، لكنه ليس بالضرورة نهاية الدبلوماسية.
ربما تكون واشنطن تريد اتفاقًا أشد، وربما تريد إيران اتفاقًا أوضح فى المكاسب.
لكن المسافة بين «تعديل الاتفاق» و«دفن الاتفاق» تضيق كلما استمرت الضربات.
الدبلوماسية لا تموت فجأة، تموت عندما تتآكل الثقة إلى حد يصبح فيه كل اتصال مجرد غطاء لجولة قصف جديدة.
مذكرة التفاهم كانت تحمل قدرًا من الالتباس سمح لكل طرف بأن يبيعها لجمهوره بطريقته.
واشنطن تحدثت عن تهدئة وضبط للنووى والملاحة.
وطهران تحدثت عن أموال وحقوق وسيادة.
لكن الغموض الذى يساعد أحيانًا على توقيع الاتفاقات يصبح خطر عند التنفيذ.
لأنه يسمح لكل طرف بأن يتهم الآخر بالخيانة، حتى لو كان كل منهما يقرأ النص بالطريقة التى تناسبه.
نحن أمام لحظة تحاول فيها واشنطن وطهران تحسين شروط التفاوض باستخدام أدوات الحرب.
وهذا النوع من الدبلوماسية هو الأخطر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك