فى كل حي وقرية هناك طفل يرى نفسه فى صورة محمد صلاح النجم العالمي، أو يحلم بأن يكون الحارس الذي ينقذ منتخب بلاده، أو اللاعب الذي يصنع الفارق، حتى أولياء الأمور بدأوا ينتبهون كثيرًا إلى ذلك ويسعون إلى تنمية المواهب فى عالم كرة القدم.
هذه الأحلام بسيطة وليست رفاهية، بل هي ثروة قومية حقيقية، لكنها للأسف تضيع في الطريق وتصطدم بواقع صعب يفتقد إلى التنظيم والرؤية، والسبب ليس نقص الموهبة، بل غياب المنظومة، فاليوم تحولت أغلب الأكاديميات إلى مشاريع تجارية، تبحث عن الاشتراكات أكثر مما تبحث عن المواهب.
النتيجة أن آلاف الأطفال يدفعون، وقليل جدًا منهم يجد طريقه الحقيقي نحو الاحتراف، ومرارًا وتكرارًا تحدثنا عن هذا الملف، لكن نجد أن هناك معوقات كثيرة تقف أمام ظهور هذا الحلم إلى النور، قد يكون بسبب التكلفة العالية لإمكانية إنتاج مواهب حقيقية كثيرة على طريقة محمد صلاح، أو بسبب المحسوبية والمجاملات وغيرها من هذا القبيل.
قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة سابقة: " لازم نهتم بالرياضة في كل أنحاء الجمهورية، مش معقول يكون عددنا أكثر من 100 مليون، ومفيش عندنا زي محمد صلاح كتير".
بالفعل ظهرت محاولات كثيرة في الفترة الماضية، ومنها تجربة ملهمة ومهمة مثل برنامج" كابتيانو مصر" لاكتشاف المواهب الكروية في القرى والنجوع والحواري، وهي تجربة ناجحة بكل المقاييس.
لكني أرى أنها ليست كافية، فالأمر هنا لا يجب أن يتوقف على محاولات فردية، مثلما تتجه وتحاول الشركة المتحدة، بل يجب أن يكون منهجًا أو مقررًا في جميع الاتحادات الكروية ومديريات الشباب والرياضة في جميع أنحاء المحروسة.
هو ما عاد وكرره الرئيس السيسي مرة أخرى خلال استقباله وتكريمه لبعثة منتخب مصر الأول لكرة القدم بقيادة حسام حسن بعد إنجازه التاريخي في كأس العالم 2026، حيث قال: " هقولها تاني مش معقول أكثر من 100 مليون مصري، مفيهوش مئات زي محمد صلاح ومصطفى شوبير".
الحل لا يمكن أن يكون جزئيًا، هنا يجب أن يتغير التفكير بالكامل، فنحن نحتاج إلى مشروع وطني متكامل يعيد بناء كرة القدم من القاعدة، ويحول الشغف الشعبي إلى قوة حقيقية قادرة على إنتاج أجيال من اللاعبين المحترفين.
الفكرة تقوم على إنشاء منظومة أكاديميات وطنية تعتمد على الجودة لا العدد، من خلال توزيع مدروس يغطي جميع المحافظات، مع إشراف فني وإداري موحد.
روشتة التنفيذ يجب أن تحتوي على أمور مهمة مثل:-تأسيس أكاديميات وطنية عبر تطوير مراكز الشباب وتحويلها إلى بيئة احترافية لصناعة اللاعبين.
-توفير تمويل مستدام من خلال دعم حكومي ومشاركة رجال الأعمال والشركات الكبرى والقطاع الخاص.
-الاستعانة بخبرات دولية في تطوير الناشئين لضمان نقل المعرفة وتطبيق أحدث الأساليب التدريبية.
-اختيار المدربين وفق معايير دقيقة وتأهيلهم علميًا وعمليًا لضمان جودة العمل الفني.
-تطبيق نظام عادل وشفاف لاختيار المواهب بعيدًا عن أي تدخلات، مع دعم غير القادرين ماديًا.
-إنشاء دوري قوي بين الأكاديميات يمنح اللاعبين فرصة الاحتكاك والتقييم المستمر.
-تكوين مجموعة نخبة من أفضل العناصر والعمل على تطويرهم بشكل شامل فنيًا وذهنيًا وثقافيًا.
-الاهتمام ببناء شخصية اللاعب من خلال التعليم، وعلى رأسه اللغات، بالإضافة إلى التغذية والإعداد النفسي والتأهيل للاحتراف.
-فتح قنوات احتراف خارجي عبر شراكات مع أندية ومؤسسات كروية دولية.
-العمل برؤية طويلة المدى تهدف إلى إنتاج قاعدة كبيرة من اللاعبين القادرين على المنافسة عالميًا.
الروشتة التي وضعتها أعلاه مجرد نقاط صغيرة في بحر كبير يحتاج إلى الاهتمام عبر حوار مجتمعي ولجان متخصصة برعاية وزارة الشباب والرياضة، من أجل الاتفاق على نظام صارم لتعميمه لصناعة أبطال رياضيين يرفعون اسم مصر عاليًا.
يجب أن يكون المشهد الحالي ليس مجرد لحظة فرح عابرة، بل فرصة حقيقية قد لا تتكرر كثيرًا، خصوصًا بعد أن وجدنا الشغف عاد بقوة، وليس هناك حجج، فالمواهب موجودة في كل شارع وقرية، لكن الفارق بين الحلم والواقع سيظل قائمًا إذا لم تتحول هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق حقيقية.
ما حدث فى كأس العالم لم يكن صدفة، بل إشارة واضحة إلى ما يمكن أن نكون عليه إذا توفرت الرؤية والإرادة والاستثمار، فهذه المرة لا يجب أن نكتفي بالاحتفال أو الفخر فقط، بل علينا أن نتمسك بهذه الفرصة بكل قوة.
الأطفال الذين امتلأت عيونهم بالحلم يستحقون طريقًا واضحًا يقودهم إلى تحقيقه، وليس مجرد أمنيات مؤجلة، فما صنعه المنتخب من أمل يجب أن يتحول إلى مشروع حقيقي يفتح الأبواب أمام جيل كامل يرى في كرة القدم مستقبلًا وليس مجرد هواية.
مصر تمتلك كل المقومات لتكون قوة كروية كبرى، لكن النجاح لن يأتي إلا بخطوات مدروسة تبدأ من القاعدة وتستمر حتى القمة، فإذا أحسنا استغلال هذه اللحظة، لن يكون لدينا نجم أو اثنان أو فريق، بل أجيال متتالية قادرة على كتابة التاريخ ورفع اسم مصر في أكبر ملاعب العالم، لتتحول الحكاية من إنجاز عابر إلى مسيرة مستمرة من المجد.
مصلحة مصر من وراء القصد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك