ليست أخطر وسائل السيطرة تلك التي تُمارس بالقوّة وحدها، وإنّما تلك التي تُمارس عبر تشكيل الوعي.
فحين ينجح نظام فكري أو ديني أو سياسي في إقناع الإنسان بأنّ ضعفه فضيلة، وأنّ فقره شرف، وأنّ خضوعه طاعة، وأنّ احتجاجه معصية، فإنّه لا يحتاج بعد ذلك إلى السجون ولا إلى الجيوش، لأنّ الإنسان نفسه يتحوّل إلى حارسٍ لقيوده.
لقد شهد التاريخ أشكالًا مُتعدّدة من هذا الاستغلال، حيث جرى توظيف قيم أخلاقية سامية مثل العفة، والكرامة، والأنفة، والقناعة، والرضا، والصبر، لإنتاج نتائج تُناقض جوهرها.
فالعفّة تحوّلت إلى دعوة لقبول الحرمان، والقناعة إلى رفض الطموح، والرضا إلى الاستسلام، والصبر إلى تبرير استمرار الظلم، حتى بدا الفقر وكأنّه قدرٌ مُقدّس لا يجوز الاعتراض عليه.
إنّ المشكلة ليست في هذه القيم نفسها، فهي في أصلها قيم إنسانية راقية تُهذّب النفس وتحمي المجتمع من الجشع والطغيان.
غير أنّ الخطورة تبدأ عندما تُفرغ من سياقها الأخلاقي، وتُعاد صياغتها داخل خطاب يخدم بقاء علاقات القوّة كما هي.
عندئذ لا يعود المقصود من القناعة مقاومة الاستهلاك المُفرط، بل مقاومة الرغبة في تحسين شروط الحياة.
ولا يصبح الرضا سلامًا نفسيًّا، بل استسلامًا سياسيًّا واجتماعيًّا.
إنّ أخطر أشكال التفقير ليست تلك التي تُفرغ الجيوب، وإنما تلك التي تُفرغ العقول من إرادة التغييرلقد أدركت كثير من السلطات عبر التاريخ أنّ الإنسان الجائع قد يتمرّد، أمّا الإنسان الذي يعتقد أنّ جوعه إرادة إلهية وفضيلة أخلاقية، فإنّه غالبًا لن يطالب بحقّه، بل قد يشعر بالذنب إذا فعل.
وهنا تبلغ صناعة الوعي ذروتها؛ إذ يتحوّل المظلوم إلى مدافع عن النظام الذي يظلمه، ويصبح الاحتجاج خروجًا على القدر، بينما يصبح السكوت عبادة.
ولعلّ أخطر ما في هذا الخطاب هو ربط الأوضاع الاجتماعية بإرادة الله ربطًا يلغي مسؤولية الإنسان.
فالقدر في هذا التصوّر لا يفسّر ما يقع فحسب، بل يمنع التفكير في تغييره.
والفقر لا يُقدَّم باعتباره نتيجة لسياسات أو اختلالات اقتصادية أو فساد أو احتكار، بل باعتباره امتحانًا إلهيًّا لا تجوز مقاومته إلّا بالصبر.
وهكذا تنتقل المشكلة من مجال السياسة والاقتصاد إلى مجال العقيدة، فيصبح إصلاح الواقع أشبه بالاعتراض على السماء.
إنّ هذا النوع من التفكير ينتج ما يمكن تسميته بـ" أخلاق الخضوع"، وهي منظومة قيمية تجعل الإنسان يقبل موقعه الاجتماعي باعتباره موقعًا نهائيًّا، وتدفعه إلى محاسبة نفسه بدل محاسبة البنية التي أنتجت معاناته.
فيتوقّف عن السؤال: لماذا يوجد الفقر؟ ومن يستفيد منه؟ وكيف يمكن تغييره؟ ويبدأ في سؤال نفسه: هل أنا غير صابر؟ هل طموحي دليل على ضعف إيماني؟ هل المطالبة بحقّي تعني قلّة الرضا؟وُجدت الفضائل الأخلاقية لتحرير الإنسان من عبودية الشهوة والطغيان، لا لتحويله إلى أسير للفقر، ولا لتبرير الظلموبذلك يتحوّل الصراع من صراع ضدّ الظلم إلى صراع ضدّ الذات، وتتحوّل الطاقة التي كان يمكن أن تُوجَّه إلى الإصلاح والبناء إلى طاقة تُستهلك في جلد النفس وتأنيبها.
واللافت أنّ هذا الخطاب كثيرًا ما يهاجم كلّ مشروع للتقدّم والتنمية، لأنّه ينظر إلى الرغبة في تحسين الحياة باعتبارها تعلّقًا بالدنيا، بينما يغفل أنّ الحضارة الإنسانية لم تُبنَ بالاستسلام، وإنّما بفضيلة العمل والإبداع والاكتشاف.
فالأمم لم تتقدّم لأنّها مجّدت الفقر، بل لأنّها حاربته.
ولم تنهض لأنّها قدّست الحرمان، بل لأنّها اعتبرت القضاء عليه مسؤولية أخلاقية وسياسية.
إنّ أخطر أشكال التفقير ليست تلك التي تُفرغ الجيوب، وإنما تلك التي تُفرغ العقول من إرادة التغيير.
فالفقر الاقتصادي يمكن تجاوزه بالتنمية، أمّا الفقر الفكري الذي يقنع الإنسان بأنّ الفقر فضيلة أبدية، فإنّه يعيد إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل.
تحوّلت العفّة دعوةً إلى قبول الحرمان، والقناعة رفضاً للطموح، والرضا استسلاماًولهذا يبدأ تحرير الإنسان بتحرير وعيه.
يبدأ حين يدرك أنّ الكرامة لا تعني قبول المهانة، وأنّ القناعة لا تعني قتل الطموح، وأنّ الرضا لا يعني تعطيل العقل، وأنّ الإيمان لا يتعارض مع السعي إلى العدالة، بل يحمّل الإنسان مسؤولية العمل لإقامتها.
إنّ المجتمعات التي تريد أن تنهض لا تحتاج إلى تمجيد الفقر، وإنّما إلى تمجيد العمل.
لا تحتاج إلى تربية الناس على الخضوع، وإنّما على المسؤولية.
ولا تحتاج إلى خطاب يصالح الإنسان مع الحرمان، وإنّما إلى خطاب يدفعه إلى إزالة أسبابه.
فالفضائل الأخلاقية وُجدت لتحرير الإنسان من عبودية الشهوة والطغيان، لا لتحويله إلى أسير للفقر، ولا لتبرير الظلم، ولا لإضفاء القداسة على الاختلالات التي يصنعها البشر ثم ينسبونها إلى إرادة السماء.
إنّ أخطر أشكال الاستبداد هو ذلك الذي لا يفرض الصمت بالقوّة، بل يجعل الناس يؤمنون بأنّ الصمت فضيلة، وأنّ المطالبة بالكرامة خطيئة، وأنّ تغيير الواقع خروج على القدر.
وعندما تبلغ الهيمنة هذا المستوى، يصبح تحرير العقول شرطًا أولًا لتحرير المجتمعات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك