بأصابع مرتعشة يمسك الطبيب نصر المناوب في قسم العناية المركزة بمستشفى" شهداء الأقصى" نموذج فحص طبي فارغاً، يلتفت نحو سرير الطفل أمير الذي يصارع قصوراً حاداً في الجهاز التنفسي، ثم يعيد الورقة البيضاء إلى درج المكتب مغلقاً إياه بيأس.
يحتاج أمير إلى فحص" غازات الدم" لمعرفة كمية الأوكسجين المتبقية في جسده الصغير وضبط جهاز التنفس الاصطناعي لتفادي توقف عضلة القلب، وهنا تتبدى المفارقة الأكثر قسوة في غزة.
يقول الطبيب نصر" الطفل الذي نجت أطرافه النحيلة من تحت ركام منزله الذي استهدفته الطائرات الإسرائيلية، يواجه الآن خطر الموت لمجرد غياب كاشف كيماوي في مختبرات التحاليل الطبية".
في مستشفيات القطاع تشهد خدمات المختبرات والتحاليل الطبية أزمة خانقة، مهددة إياها بالشلل التام نتيجة نفاد خطر في مستلزمات الفحص الأساسية.
يقول الطبيب نصر" نقترب من التوقف الكامل للمختبرات بسبب نقص حاد في مواد فحص الدم، الفحوصات الكيماوية الضرورية تهدد حياة المرضى والجرحى، العجز طال ركائز العمل، مع تعطل الأجهزة ونقص مواد فحص وحدات الدم".
للمرة الأولى منذ 30 عاماً تتوقف مختبرات التحاليل الطبية والفحوصات المخبرية في غزة، ولهذا أثر كبير في طبيعة عمل الكوادر الطبية وقدرتها على اتخاذ قرارات حيوية منقذة للحياة، مما يضع آلاف الجرحى ومرضى الأورام والفشل الكلوي أمام مصير مجهول.
بحسب التقرير الأخير لوزارة الصحة حول واقع المختبرات، فإن المنظومة التشخيصية دخلت مرحلة العجز العملي عن تقديم الخدمة.
ووفقاً للبيانات فإن نسبة العجز في الكواشف الكيماوية ومواد الفحص الأساسية بلغت 87 في المئة، هذا الرقم الصادم يعني بلغة الواقع الميداني أن من بين كل 10 مرضى يصلون المستشفيات هناك تسعة أشخاص لا يجدون فحصاً طبياً يؤمن لهم التشخيص الصحيح.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود المواد الكيماوية، إذ يشير تقرير وزارة الصحة إلى أن النقص في المستهلكات الطبية وصل إلى 74 في المئة، ويطاول أدوات لوجيستية دقيقة مثل أنابيب جمع العينات والمواد اللازمة لفصل مكونات الدم وكواشف مطابقة الفصائل الحيوية التي تعد ركيزة أساسية لضمان سلامة عمليات نقل الدم للجرحى.
بحسب إحصاءات وحدة المختبرات الرسمية خرجت ثمانية مختبرات حكومية رئيسة عن الخدمة بالكامل من أصل 12 مختبراً مركزياً كانت تشكل العمود الفقري للقطاع الصحي.
وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن أربعة مختبرات متهالكة فقط هي التي تصارع للبقاء في الخدمة حالياً على امتداد القطاع وتعاني انعدام قطع الغيار وأزمة كهرباء خانقة تجعل استمرارية عمل الأجهزة المتبقية أمراً غير مضمون بين ساعة وأخرى.
تقول مديرة وحدة المختبرات بوزارة الصحة سحر غانم" الوضع يقترب من نقطة الشلل الشامل، الأزمة الحالية تجاوزت حدود النقص التقليدي لتطاول ركائز العمل المخبري والتشخيصي بأسره، الأطباء والفرق الفنية في الأقسام الطبية الحيوية باتوا يقفون عاجزين أمام تعطل الفحوصات الكيماوية الضرورية لإنقاذ الجرحى والمرضى"، وتضيف المسؤولة الطبية" نفاد الكواشف والمستلزمات الطبية أدى بالفعل إلى توقف فحوصات غازات الدم بالكامل في مختلف المستشفيات، وهي ضربة مباشرة لقدرة غرف العناية المركزة وحضانات الأطفال الخدج على الطوارئ، في حين تواجه فحوصات الدم الكاملة خطر التوقف التام خلال أيام معدودة لغياب المحاليل المشغلة".
وتتابع" بقاء معدلات النقص في المستهلكات الأساسية عند مستوى 74 في المئة يهدد مباشرة بوقف عمل بنوك الدم وعجزها عن مطابقة وفحص الوحدات قبل نقلها، مما يضع أرواح آلاف المصابين أمام أخطار مميتة لا يمكن تداركها".
لكن على أرض الواقع، ماذا يعني عملياً ألا يجد المريض فحصاً مخبرياً؟ ميدانياً الأمر لا يتوقف عند تأخر ورقة التحليل، بل يمس مباشرة الخطوط الحيوية التي تبقي المرضى والجرحى على قيد الحياة.
في السياق يقول فني المختبرات الطبية أحمد أبو دلال" تعتمد غرف العناية المركزة وحضانات الأطفال الخدج بصورة كاملة على جهاز فحص غازات الدم، هذا الفحص يقيس بدقة متناهية مستويات الأوكسجين وثاني أكسيد الكربون، ودرجة حموضة الدم".
ويضيف" عند نفاد هذا الفحص يضطر الأطباء لضبط أجهزة التنفس الاصطناعي قسرياً بصورة تخمينية، إذا زادت نسبة الأوكسجين من دون قراءة دقيقة، يصاب الرضيع بالعمى أو تلف خلايا الدماغ، وإذا نقصت تنهار الرئتان ويتوقف القلب فجأة".
ويتابع" في ظل تدفق الجرحى، توقفت عمليات الفحص الطبي الذي لا يقتصر على معرفة فصيلة الدم، بل يحتاج إلى كواشف المطابقة الفرعية وكواشف الفحص الفيروسي للتأكد من خلو الدم من التهاب الكبد الوبائي.
انعدام هذه المواد يعني أن الطبيب يغامر بنقل دم قد يحمل فيروسات، أو قد يتسبب في حدوث تفاعل تحللي حاد يهاجم فيه كلى المصاب ويقتله فوراً بدلاً من إنقاذه من النزف".
ويوضح أن الأطباء اضطروا إلى تغيير بروتوكول العلاج لمريض السرطان الذي يحتاج قبل كل جرعة كيماوي إلى فحص وظائف الكبد والكلى والدم لضمان أن جسده سيتحمل السموم، و" مع غياب هذه الكواشف يصف الأطباء الجرعات بصورة تقديرية، مما قد يؤدي لفشل كلوي مفاجئ"، ويلفت إلى أن مئات المرضى يواجهون خطراً داهماً بسبب نفاد مستلزمات أساسية و" عدم توفر الفحوصات الدورية لنسب البوتاسيوم والسموم في الدم أجبر العيادات على تقليص جلسات الغسيل الكلوي من ثلاث جلسات أسبوعياً إلى جلسة واحدة ما يؤدي لتراكم السوائل في رئتي المريض وإصابة الجسد بالتسمم البطيء".
أزمة التحاليل الطبية وتوقف خدمات المختبرات أحد تداعيات الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة وتحكم تل أبيب بالمعابر الحدودية، حيث تفرض إسرائيل رقابة صارمة على كل ما يدخل غزة وتتحكم في وتيرة ونوعية ما يسمح بدخوله من إمدادات حيوية، وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن الأزمة الحالية لم تعد تقتصر على إغلاق المعابر أو تقليص طاقتها الاستيعابية، بل تكمن في فرض جدار من القيود المعقدة والتراخيص التعجيزية.
يقول ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية ريتشارد بيبركورن" السلطات الإسرائيلية تصنف الكواشف والمحاليل الكيماوية والمواد المخصصة لحفظ خلايا الدم ضمن قوائم المواد مزدوجة الاستخدام التي تزعم إمكان توظيفها في أغراض غير طبية، هذا التصنيف البيروقراطي يعني احتجاز الشاحنات أشهراً طويلة في مخازن التفتيش تحت ظروف تخزين غير ملائمة تتلف المواد الحساسة، أو رفض دخولها تماماً من دون إبداء أسباب، ما يجعل وصول مادة لفحص فصائل الدم أمراً أشبه بالمعجزة اللوجيستية".
أما منظمة" أطباء بلا حدود" فجاء في تقرير لها أن" المنظومة الصحية في غزة لا يتم تدميرها بالقصف المباشر للأبنية والمستشفيات فحسب، بل يتم تفكيكها وتجريدها من مقومات الحياة ببطء وعبر سياسة تنقيط طبي شديدة القسوة".
في السياق الحقوقي يقول مدير المرصد الأورومتوسطي عمر العجلوتي" تعمد حظر دخول الكواشف الطبية الأساسية عبر المعابر المطبق حصارها، لا يقع تحت بند الضرورات الأمنية، بل هو أداة واضحة من أدوات العقاب الجماعي الممنهج ضد المدنيين، ويقترب بصورة حثيثة من كونه جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية بنص القانون الدولي الإنساني".
تبريرات الاستخدام المزدوجفي المقابل، تؤسس السلطات الإسرائيلية سياستها الرقابية على المعابر الحدودية مع غزة بناءً على اعتبارات أمنية صارمة، إذ تصر الإدارة الإسرائيلية على أن إجراءات الفحص والتدقيق المشددة تعد ضرورة دفاعية حتمية لمنع الفصائل الفلسطينية المسلحة من تحويل مستلزمات المدنيين لخدمة البنية التحتية العسكرية.
يقول منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية يورام هليفي" تشديد الرقابة على محاليل المختبرات الطبية والكواشف الكيماوية ينطلق من كون هذه المواد تقع تقنياً ضمن تصنيفات المواد مزدوجة الاستخدام".
ويضيف" التقارير الإسرائيلية تؤكد أن عديداً من المركبات الكيماوية والمحاليل المستخدمة في فحص الدم والأنابيب البلاستيكية المتطورة وأجهزة الطرد المركزي، تحوي مكونات أو تقنيات يمكن للفصائل في غزة إعادة تدويرها أو استخلاصها لاستخدامها في تصنيع العبوات المتفجرة أو تطوير أنظمة الوقود الصاروخي".
ويؤكد هليفي أن وحدة التنسيق الإسرائيلية لا تمنع دخول المساعدات الإنسانية والطبية بالمطلق، بل تعمل على فحصها لضمان وصولها إلى الجهات المستحقة مباشرة من دون وقوعها في يد الفصائل.
داخل مختبر مستشفى" شهداء الأقصى"، يقف مشرف مختبر الطوارئ أمجد شعبان أمام جهاز فحص الدم المتوقف قائلاً" المسألة بالنسبة إلينا ليست أرقاماً مزدوجة الاستخدام، بل هي أنبوب فحص بسيط كلفته لا تتجاوز السنتات لكن غيابه يمنعنا من فحص عينة دم لجريح ينزف أمام أعيننا".
ويضيف" نحن لسنا عسكريين، نحن فنيون نحاول مطابقة فصيلة دم لإنقاذ حياة، والبدائل التي يتحدثون عنها لا تصل، وما يصل إلينا أحياناً يكون تالفاً بسبب احتجازه أسابيع طويلة تحت الشمس في نقاط التفتيش".
أما في ساحة انتظار النتائج فتقول خلود حبيب" إسرائيل تتحدث عن الأمن، ونحن نتحدث عن حياة أولادنا، ابني يحتاج لتحليل أسبوعي لمعرفة نسبة البوتاسيوم في دمه كي لا تتوقف عضلة قلبه فجأة".
وتضيف" يقولون لنا في المختبر لا توجد مواد، والعلاج أصبح بالبركة، ابني نجا من القصف، والآن أخشى أن يموت ببطء أمام عيني لمجرد أنهم يمنعون مادة كيماوية صغيرة من العبور".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك