قناه الحدث - إعصار "بافي" يجبر مليوني شخص على إخلاء منازلهم بالصي قناة الغد - خطط انسحاب ومناورات سياسية.. أي مستقبل ينتظر جنوب لبنان بعد الهدنة؟ العربي الجديد - اليمين المتطرف الألماني يتعهد بطرد جميع المهاجرين غير النظاميين DW عربية - حماس ـ تخلٍ عن السلطة أم حسابات سياسية؟ العربي الجديد - 44 قتيلاً بفيضانات بنغلادش وتقطع السبل بأكثر من مليون روسيا اليوم - الضفة الغربية.. إصابة عدد من الفلسطينيين نتيجة اعتداء القوات الإسرائيلية على منزل في قرية المغيّر روسيا اليوم - واشنطن وطهران.. التفاوض أو حرب كبرى قناة العالم الإيرانية - شاهد.. الإعصار بافي يخلّف دماراً واسعاً وإجلاءً جماعياً في آسيا قناة الغد - المرصد : 15 توغلا إسرائيليا داخل سوريا خلال 10 أيام Independent عربية - مختبرات غزة بلا كواشف لإجراء تحاليل طبية منقذة للحياة
عامة

حين تغدو الإقالة بديلاً عن المُساءلة

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

في الجنوب العالمي، وكلّما أُثيرت قضية تتعلّق بأحد المسؤولين، يكاد المشهد يتكرّر بصورة مُتطابقة؛ يتصاعد الجدل، يتدخّل صانع القرار لاحتواء الأزمة بشعبوية، يغادر المسؤول موقعه باستقالة أو إقالة، ثم تنطفئ...

في الجنوب العالمي، وكلّما أُثيرت قضية تتعلّق بأحد المسؤولين، يكاد المشهد يتكرّر بصورة مُتطابقة؛ يتصاعد الجدل، يتدخّل صانع القرار لاحتواء الأزمة بشعبوية، يغادر المسؤول موقعه باستقالة أو إقالة، ثم تنطفئ القضية تدريجياً، وكأنّ المشكلة كانت في الشخص لا في المنظومة التي أتاحت لها أن تنشأ.

وبعد أشهر أو سنوات، تظهر قضية جديدة، ونعود إلى المشهد ذاته، بالأدوات ذاتها، وبالنتائج ذاتها.

هذه الدائرة المُغلقة تكشف حقيقة أكثر عمقاً من أيّ قضية مُنفردة؛ فالأزمة لم تعد في وقوع الأخطاء، إذ لا توجد دولة تستطيع منع الخطأ البشري بصورة مطلقة، وإنما في الطريقة التي تُدار بها هذه الأخطاء.

فحين تتحول الاستقالة إلى نهاية القصة، بدلاً من أن تكون بدايتها، تصبح الدولة مُنشغلة بإدارة الأزمات أكثر من انشغالها ببناء منظومة تمنع تكرارها.

لقد اعتدنا في العالم العربي اختزال مفاهيم النزاهة والحوكمة في أخلاق المسؤول الشخصية، وكأنّ الدولة تُدار بحسن النيّات.

غير أنّ الفكر المؤسّسي الحديث يقوم على مبدأ مختلف تماماً؛ فالنزاهة ليست فضيلة فردية، وإنما خاصية في تصميم النظام نفسه.

ولهذا لا تُبنى الدول الحديثة على الثقة بالأشخاص، بل على منظومات من الضوابط والتوازنات تجعل إساءة استخدام السلطة مرتفعة الكلفة، بغضّ النظر عن هُويّة من يشغل المنصب.

النزاهة ليست فضيلة فردية، وإنما خاصية في تصميم النظام نفسهوفي هذا السياق، كثيراً ما يُساء فهم مفهوم تضارب المصالح.

فلا يعني تضارب المصالح بالضرورة وقوع فساد، وإنّما يعني وجود مصلحة خاصة يمكن أن تؤثّر، أو يُنظر إليها على أنّها تؤثّر، في حيادية القرار العام.

ولهذا لا تنتظر الأنظمة المُتقدّمة إثبات الجريمة حتى تتدخّل، بل تعتبر مجرّد وجود التعارض سبباً كافياً لإبعاده عن دائرة اتخاذ القرار.

لكن المشكلة لا تقف عند تضارب المصالح بالمعنى التقليدي، ولا عند استفادة المسؤول من منصبه بصورة مباشرة.

فالأخطر هو ما يمكن تسميته باقتصاد العلاقات، حيث لا تمرّ المنفعة عبر الحساب البنكي للمسؤول، وإنّما عبر شبكة من الأقارب، والشركاء السابقين، والأصدقاء، والمُقرّبين، والمُوالين.

فكم من وظيفة عامة لم تذهب إلى الأكفأ، وإنّما إلى الأقرب؟ وكم من عطاء أو استشارة أو فرصة استثمارية انتهت إلى دائرة ضيّقة تدور في فلك صاحب القرار؟ وكم من امتيازات وبدلات ومواقع إدارية أُعيد توزيعها على أساس الولاء الشخصي لا الكفاءة المؤسسية؟هنا لا يعود الحديث عن فساد بالمعنى الجنائي الضيق، بل عن إعادة توجيه موارد الدولة وفرصها لخدمة شبكات النفوذ.

وهذه الممارسات قد تكون، في بعض الأحيان، أكثر ضرراً من الرشوة التقليدية، لأنّها تقتل المنافسة، وتضعف تكافؤ الفرص، وتخلق شعوراً عاماً بأنّ النجاح لا يصنعه الاجتهاد بقدر ما تصنعه العلاقات.

التحدي الحقيقي لا يبدو في نقص المؤسسات، بل في محدودية أثرها الردعي عندما يتعلّق الأمر بالنفوذ السياسي أو الإداريولعلّ أكثر ما يدعو إلى القلق أنّ كثيراً من هذه القضايا لا تكتشفها المنظومة الرقابية ابتداءً، وإنّما يكتشفها الرأي العام، أو وسائل الإعلام، أو منصّات التواصل الاجتماعي.

وكأنّ الرقابة المُجتمعية أصبحت أسرع من الرقابة المؤسسية، وأقدر على تحريك المُساءلة.

وهذه ليست علامة على قوّة المجتمع فحسب، بل مؤشّر على وجود فجوة في قدرة المؤسسات على الاكتشاف المُبكّر، وإدارة المخاطر قبل أن تتحوّل إلى أزمات سياسية وإعلامية.

ورغم ما تمتلكه الدول المعاصرة من هيئات رقابية وتشريعات ذات صلة، لا يبدو التحدي الحقيقي في نقص المؤسسات، بل في محدودية أثرها الردعي عندما يتعلّق الأمر بالنفوذ السياسي أو الإداري.

فغالباً ما تنتهي القصة عند حدود الاستقالة أو الإقالة، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية بلا إجابة: هل جرى التحقيق؟ وهل استُردّت أيّ منافع غير مشروعة إن وجدت؟ وهل مُنع من استغل موقعه من العودة إلى موقع مشابه؟ وهل عولج الخلل المؤسسي الذي سمح بحدوث الواقعة أصلاً؟إنّ الاستقالة إجراء إداري، لكنّها ليست عقوبة قانونية.

وهي قد تكون خطوة ضرورية لحماية المرفق العام، لكنها لا يمكن أن تصبح بديلاً عن المُساءلة.

فحين يغادر المسؤول منصبه من دون استكمال دورة العدالة، فإنّ الرسالة التي تصل إلى المجتمع هي أنّ أعلى كلفة لإساءة استخدام السلطة قد تكون خسارة المنصب ولربما مؤقتاً فقط، لا تحمل المسؤولية القانونية أو المدنية أو المالية.

إنّ مشاريع التحديث الوطنية لا تحتاج فقط إلى تشريعات اقتصادية جديدة أو إصلاحات إدارية، بل تحتاج قبل ذلك إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمصلحة الخاصة.

فالدولة التي تسعى إلى جذب الاستثمار، وتعزيز التنافسية، وترسيخ سيادة القانون، لا تستطيع أن تكتفي بالاستجابة للأزمات، بل عليها أن تجعل وقوعها أقلّ احتمالاً، وأن تجعل كلفة إساءة استخدام المنصب أعلى بكثير من أيّ منفعة يمكن تحقيقها، عبر إطار تشريعي مُتكامل لإدارة تضارب المصالح لا يقتصر على المسؤول نفسه، بل يمتدّ إلى الأقارب من الدرجات المؤثّرة، والشركاء، والواجهات التجارية، ويضع قواعد واضحة للتعيينات، والعطاءات، والإفصاح، وفترات الحظر عند الانتقال بين القطاعين العام والخاص، مع منح الجهات الرقابية صلاحيات فعلية للتحقيق والإحالة واسترداد المنافع غير المشروعة متى ثبتت، من دون أن تكون الاستقالة سبباً لإغلاق الملف.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك