في الحادي عشر من يوليو عام 1857، أسدل الستار على واحدة من أبرز صفحات المقاومة الشعبية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، بعدما نجحت القوات الفرنسية في إنهاء ما عُرف بـ" حملة جرجرة" وألقت القبض على المناضلة لالة فاطمة نسومر، التي تحولت إلى رمز للنضال الوطني، بعدما قادت رجال القبائل في مواجهة أحد أقوى جيوش القرن التاسع عشر.
ورغم أن اسم جميلة بوحيرد ارتبط في الذاكرة العربية بالمقاومة الجزائرية، فإن لالة فاطمة نسومر سبقتها بنحو قرن، لتؤكد أن المرأة الجزائرية كانت حاضرة في ميادين القتال منذ بدايات الاحتلال الفرنسي.
ولدت فاطمة سيد أحمد عام 1830 في منطقة ورجة قرب عين الحمام بولاية تيزي وزو، بينما تعني كلمة" لالة" في اللغة الأمازيغية" السيدة" أو" صاحبة المقام".
نشأت في أسرة دينية، وتلقت علوم الفقه والقرآن، وعُرفت بالتقوى والزهد، لكن حياتها تغيرت مع اتساع رقعة الاحتلال الفرنسي للجزائر.
فمع تصاعد الهجمات على منطقة القبائل، رأت أن مقاومة الاحتلال واجب ديني ووطني، فانخرطت في دعم المجاهدين، قبل أن تتحول إلى إحدى أبرز قيادات المقاومة الشعبية.
قيادة المقاومة في جبال جرجرةبرز اسم لالة فاطمة خلال المعارك التي خاضها سكان منطقة القبائل ضد القوات الفرنسية، خاصة بعد تعاونها مع القائد المجاهد الشريف بوبغلة، حيث لعبت دورًا مهمًا في تنظيم المقاتلين، وحشد القبائل، ورفع الروح المعنوية للمقاومة.
وعندما تعرض بوبغلة لهجوم فرنسي، تمكنت من إنقاذه بعد إحدى المعارك، واستمرت في قيادة المقاومة حتى بعد استشهاده، لتؤكد أن الكفاح ضد الاحتلال لم يكن حكرًا على الرجال.
في صيف عام 1857، أطلق الماريشال الفرنسي جاك لويس راندون حملة عسكرية واسعة لإخضاع منطقة جرجرة، مستخدمًا آلاف الجنود والمدفعية الثقيلة في مواجهة مقاتلي القبائل.
ورغم المقاومة العنيفة التي أبداها الجزائريون، فإن التفوق العسكري الفرنسي حسم المعركة، وأسفرت المواجهات عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من الجانبين، قبل أن يلجأ الفرنسيون إلى التفاوض.
لكن المفاوضات انتهت بالخديعة، إذ أمر راندون باعتقال الوفد الجزائري فور خروجه من المعسكر، ثم أرسل قوة خاصة للقبض على لالة فاطمة نسومر، لتُؤسر مع عدد من النساء في 11 يوليو 1857.
بعد أسرها، نقلتها السلطات الفرنسية إلى منطقة بني سليمان، حيث وضعت تحت الإقامة الجبرية والمراقبة المشددة، وبقيت هناك حتى وفاتها في سبتمبر 1863، وهي لم تتجاوز الثالثة والثلاثين من عمرها.
كما صادرت القوات الفرنسية عقب الحملة أسلحة المقاومين، ونهبت ممتلكات السكان، واستولت على عشرات المخطوطات والكتب العلمية والدينية، في محاولة لطمس الهوية الثقافية للمنطقة.
رمز خالد في تاريخ الجزائرحظيت لالة فاطمة نسومر بمكانة كبيرة في الذاكرة الوطنية الجزائرية، حتى إن المؤرخ الفرنسي لويس ماسينيون وصفها بـ" جان دارك جرجرة"، تشبيهًا لها بالبطلة الفرنسية جان دارك، إلا أن الجزائريين فضلوا تشبيهها بالمجاهدة الإسلامية خولة بنت الأزور، لما عُرف عنها من شجاعة وقيادة في ميادين القتال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك