يشكو السودانيون العائدون إلى الخرطوم من مخاطر وشيكة تهدّد حياة الآلاف، إذ إنّ معظم المباني تحتاج إلى معاينة هندسية وفنية لتقييم الأضرار وإمكانية الصيانة والترميم، غير أنهم فوجئوا برسومٍ وتكاليف تفوق قدرتهم، ما يجبرهم على النزوح مجدداً أو العيش تحت سقفٍ قد ينهار في أيّ لحظة.
خلّفت المعارك الحربية التي دارت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في العاصمة السودانية، آثاراً مدمّرة على المباني ومنازل المواطنين، بعد أن تعرّضت للقصف المباشر بالطائرات الحربية المقاتلة والدبابات الثقيلة والمدافع والراجمات.
فكان أن تشقّقت جدرانها، وانهارت أسقفها، وتكسّرت أبوابها ونوافذها، فيما تحوّل بعضها إلى هياكل خالية بعد أن طاولتها أعمال النهب والتخريب الممنهجة.
وكانت أحياء الخرطوم قد شهدت عمليات قتالية عنيفة منذ بدء الحرب في منتصف إبريل/نيسان 2023 وحتى توقف المواجهات المباشرة في مايو/أيار 2025، بسبب تمركز طرفَي الحرب داخل الأحياء السكنية، ما أدّى إلى استهداف مباني المدنيين بأنواع الأسلحة الثقيلة، وهو ما جعل معظمها آيلة إلى السقوط، نتيجة التصدعات العميقة في الجدران والأضرار البالغة التي طاولت قواعد المباني وأعمدتها الخرسانية، فضلاً عن التواءاتٍ طاولت عدداً من المباني المكوّنة من طبقات عدّة.
وبينما تزداد أعداد العائدين إلى العاصمة تدريجياً عقب انحسار العمليات العسكرية، يكتشف كثيرٌ منهم أنّ العودة لا تعني بالضرورة نهاية رحلة النزوح واللجوء، والوصول إلى المنزل المهجور، واستعادة الحياة التي توقفت مع اندلاع الحرب، بل تمثّل بداية مرحلة شاقّة من المعاناة، إذ يحتاج كل مواطن عائد إلى موارد مالية ضخمة وجهود كبيرة لإصلاح ما خلّفه الصراع، وإلا تحوّلت المساكن إلى مصيدة قاتلة قد تنهار في أيّ لحظة.
وقد ظلّ حلم العودة مرهوناً بعمليات ترميم واسعة لتلك المنازل، في حين ارتفعت تكاليف مواد البناء، وتحوّلت عملية الصيانة والترميم إلى واحدة من أبرز التحديات التي تواجه آلاف العائدين بعد أن استنزفت حياة اللجوء والنزوح شتّى مدّخراتهم.
يقول إبراهيم عمر، أحد سكان الخرطوم، لـ" العربي الجديد": " لحقت بالمباني أضرار بالغة جعلت معظمها غير مناسب للسكن، بل ويشكّل خطراً على الحياة، إلا أنّ بعض المواطنين يضطرّون إلى السكن في هذه المباني المهدّدة بالانهيار".
ويتابع المواطن الذي أرهقه النزوح لنحو عامَين: " حين أردنا العودة إلى منزلنا في الخرطوم عقب خروج قوات الدعم السريع، وجدنا أنّه تشقق بفعل القصف العنيف، وأظنّ أنّه كان يُستخدم مركزاً عسكرياً أو منصة لإطلاق الصواريخ من أحد طرفَي الحرب.
وبسبب قصفه بشدّة، لم يعد صالحاً للسكن نهائياً، فاضطررنا إلى النزوح مرة أخرى، واستأجرنا منزلاً في مدينة أم درمان بولاية الخرطوم، في انتظار ما ستُسفر عنه المرحلة المقبلة"، ويضيف إبراهيم: " تحتاج معظم المباني إلى المعاينة الهندسية المتخصصة من أجل تقييم الأضرار وتحديد المخاطر، ولكن هذا العمل لم يبدأ بعد، ولا أعتقد أنه سيبدأ قريباً، وفي حال بدأ سيكون بتكلفة مالية قد تفوق قدرة العائدين".
وشملت الأضرار مناطق واسعة بولاية الخرطوم منها منطقة وسط العاصمة التي تقع على مقربة من القيادة العامة للجيش والقصر الجمهوري، إذ شهدت أخطر وأعنف المعارك العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
ويقول المواطن الطيب فضل إنّه كان يقيم في شقة مستأجرة ضمن عقار في وسط الخرطوم، إلا أن العقار لم يعد صالحاً للسكن بعد التواء قواعده الأرضية، ما دفع المواطنين إلى نقل أغراضهم وإخلائه، من دون أن تُنفَّذ حتى الساعة أيّ دراسة هندسية للعقار.
ويضيف الطيب لـ" العربي الجديد": " تعرّض المبنى لقصفٍ بسيط، لكنّ الضرر الأكبر نتج على ما يبدو من كثرة القصف في المناطق المحيطة، ومن الاهتزازات الأرضية والارتجاجات اللاحقة، خصوصاً أنّ عمليات القصف كانت تعتمد على الأسلحة الثقيلة والطيران في كثير من الأوقات"، ويتابع: " لا يمكن ترميم تلك المباني إلا وفقاً لدراسات هندسية جادّة تحدّد مدى الأضرار وكيفية معالجتها، وخلاف ذلك سينعكس بشكلٍ مأساوي على المواطنين الذين لا يملكون سوى خيار العودة إلى تلك المباني حتى قبل ترميمها".
وكانت عشرات الأحياء بمدينة الخرطوم قد تضرّرت بسبب استخدامها ارتكازاتٍ عسكرية متقدمة، ينطلق منها الهجوم العسكري، وهو ما جعلها هدفاً للقصف المستمر والهجوم المُضاد، كما تعرّض حيّ جبرة في جنوب الخرطوم لأضرارٍ كبيرة، وأُصيبت مبانيه بتصدعاتٍ عميقة، نظراً لوقوعه بالقرب من سلاح المدرّعات، إذ دارت معارك عنيفة خلال الحرب، أثناء محاولة قوات الدعم السريع السيطرة عليه، باعتباره أهم أسلحة الجيش السوداني.
يقول أحد سكان حيّ جبرة، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية: " أُصيب منزلي المؤلّف من خمس طبقات بتشققاتٍ عميقة، بعد تعرّضه للقصف بواسطة الطيران الحربي"، مؤكداً الحاجة إلى دراسة فنية دقيقة تحدّد إمكانية ترميمه أو خيار هدمه بالكامل، ويضيف صاحب العقار لـ" العربي الجديد": " تفتقر الخرطوم حالياً إلى الخبراء والمهندسين الأكفّاء من أجل إنجاز دراسات ميدانية تحدّد حجم الأضرار والمخاطر التي خلّفتها الحرب، لأنّ معظم هؤلاء لاجئون خارج السودان، وقد ينتظر أصحاب العقارات والمنازل فترات طويلة كي يتمكنوا من تقييم الأضرار، ومن غير المُستبعد انهيار منازل متصدعة قد يذهب ضحيتها مواطنون أبرياء".
وبعد سيطرة الجيش السوداني على العاصمة، منعت ولاية الخرطوم إعادة بناء المباني المتضرّرة أو ترميمها، واشترطت وزارة التخطيط العمراني في الولاية الرجوع إلى الإدارة العامة للمباني قبل الشروع في تأهيل المباني وصيانتها.
وأفادت الوزارة عقب خروج قوات الدعم السريع بأنه" على المواطنين وجميع العاملين في قطاع التشييد والبناء، من شركات ومهندسين ومقاولين، الامتناع عن الشروع في أيّ أعمال تتعلق بهدم أو إزالة أو صيانة أو ترميم أو إعادة تأهيل المباني الخاصة أو العامة المتأثرة، من دون الرجوع أولاً إلى الإدارة لإجراء التقييم الفني المطلوب"، مشيرةً إلى أنّ الإجراء يأتي حرصاً على السلامة العامة، وعلى ضمان تنفيذ الأعمال الإنشائية وفق الضوابط الفنية والقانونية المعمول بها".
بالمقابل، يعتبر عدد من المواطنين أنّ إجراءات الوزارة تهدف إلى فرض مزيد من الجبايات والرسوم على المواطنين الذين خسروا ممتلكاتهم وأموالهم بسبب الحرب التي خلّفت خسائر جسيمة في المنازل، بحيث صارت تحتاج إلى مبالغ طائلة من أجل ترميمها ولو جزئياً.
ويقول أحمد عبد الله المقيم في حيّ الرياض الذي سيطرت عليه قوات الدعم السريع، وحوّلته إلى ثكنة عسكرية هاجمت منه القيادة العامة للجيش السوداني: " تحاول الوزارة عبر قراراتها تحصيل الأموال من المواطنين الذين تضرّروا بفعل الحرب، أكثر منها معالجة التصدعات والخسائر التي لحقت بالمنازل"، ويضيف لـ" العربي الجديد": " تعرّض منزلي المؤلف من ثلاث طبقات لأضرار بالغة بسبب القصف، وبات غير ملائمٍ للسكن.
ولكن عوض أن تبادر الوزارة إلى حصر عدد المباني المتضرّرة وإنجاز الدراسات الفنية والهندسية المطلوبة، وتعويض المواطنين المتضررين، يجد أولئك أنفسهم مُجبرين على دفع رسوم مالية من أجل تقييم أضرار منازلهم، ما دفع بعضهم إلى النزوح مجدّداً، فيما اضطرّ الباقون إلى البحث عن إيجار منازل رغم ضائقتهم المادية".
وفي حديثه لـ" العربي الجديد" يؤكد مهندس المساحة عبد الكريم الأمين حاجة المباني إلى مسح هندسي دقيق وتقييم تقني، ولا سيّما تلك التي تعرّضت للقصف أو الحريق، وهما أكثر الأضرار التي خلّفتها الحرب.
ويقول: " هناك مبانٍ قُصفت بالدانات المختلفة، وأخرى تعرّضت للحريق، أو للاهتزاز نتيجة القصف العنيف المحيط بها.
أمّا المباني التي نُصبت عليها المدافع ومضادات الطيران وغيرها، فهي تحتاج إلى ثلاث خطوات للتأكّد من صلاحيتها.
وتبدأ الخطوات بقياس الإزاحة والاستقامة والحالة الخرسانية".
ويوضح الأمين أن" قواعد المبنى تتحرك من أماكنها الحقيقية في بعض الأوقات، بسبب الاهتزاز القوي الناتج عن القصف وسقوط الدانات الثقيلة، وهنا تُقاس نسبة الإزاحة في المبنى.
وفي حال التأكد من عدم وجود أيّ مَيل تُقاس الاستقامة، وفي حال حدوث حريقٍ تُفحص الخرسانة، لأنّه يؤدي إلى التأثير في تماسكها، وبالتالي لا بدّ من فحصها عبر المعامل المتخصّصة".
ويأسف عبد الكريم كون" معظم مباني الخرطوم تفتقر إلى خرائط توضح تفاصيل المبنى عند تشييده، وتحدّد أثر الاهتزاز من جراء الصدمات التي تعرّض لها، ما يحتّم تنفيذ دراسات وفحوص دقيقة وجادّة لمعرفة الأضرار الحقيقية".
ويشدّد مهندس الإنشاءات المدنية دياب حسن دياب على ضرورة تنفيذ مسوحات هندسية وفنية لفحص كلّ المباني المتأثرة بالحرب، وتحديد الأضرار، ويقول دياب لـ" العربي الجديد": " المباني المؤلفة من أكثر من أربع طبقات تحتاج إلى فحص كامل ودقيق أكثر من باقي المباني.
ومن الضروري أن يكون الفحص مجانياً، لأنّ إلزام المواطنين برسومٍ، سوف يدفعهم إلى تفادي الكشف الحكومي على المبنى أو المنزل، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعانيها أغلب الأسر التي خسرت ممتلكاتها ومدّخراتها في فترة الحرب".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك