تشهد شواطئ اللاذقية في سورية ازدحاماً غير مسبوق، خصوصاً في المواقع المجانية التي تستقبل عائلات ذات دخل محدود، لكن صور النفايات المتراكمة على الرمال وفي محيط أماكن الجلوس تثير انتقادات.
مع بداية الموسم السياحي وارتفاع درجات الحرارة، عادت شواطئ اللاذقية غربي سورية لتستقطب آلاف الزوار القادمين من المحافظات، إذ يعتبر الساحل متنفساً طبيعياً بعد سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية والمعيشية.
لكن هذا الحضور الكثيف يترافق مع شكاوى متزايدة من تراجع مستوى النظافة في بعض الشواطئ العامة، وظهور سلوكيات يصفها الأهالي بأنها تهدّد سلامة المصطافين وتؤثر على صورة المدينة الساحلية.
ولا تقتصر الشكاوى على ملف النظافة، إذ تحدث زوار عن دخول دراجات نارية ومركبات إلى مناطق قريبة من أماكن السباحة والتنزه، ما يشكل خطراً على الأطفال والعائلات، ولا ينسجم مع طبيعة المواقع السياحية المخصّصة للاستجمام.
يقول أحمد صابوني، وهو موظف قدِم مع عائلته من مدينة حماة لقضاء عطلة قصيرة في اللاذقية لـ" العربي الجديد": " يشكل الشاطئ الخيار الأقل كلفة بالنسبة إلى كثير من الأسر، لكن بعض المظاهر السلبية تقلل متعة الزيارة.
جئنا إلى البحر بحثاً عن الراحة، لكنّنا فوجئنا بازدحام شديد وتناثر أكياس وعبوات بلاستيكية على الرمال، والمشكلة لا تنحصر في الخدمات، بل تمتد إلى تصرفات بعض الزوار الذين يتركون مخلفاتهم بعد المغادرة".
ويعتبر شاطئ الرمل الجنوبي الأشهر في اللاذقية والأكثر ارتباطاً بالذاكرة الاجتماعية لسكان المدينة، لكن أجزاءً منه تحوّلت إلى مساحات تتراكم فيها النفايات بشكل متكرر، ما أدى إلى تراجع جاذبيته السياحية.
ورغم حملات التنظيف المتعدّدة التي نُفذت في فترات مختلفة، تتكرر المشكلة مع ارتفاع أعداد الزوار خلال العطل والمواسم الصيفية.
وتسعى الجهات المحلية اليوم إلى تغيير هذه الصورة عبر تنفيذ خطة تدريجية لإعادة تأهيل الموقع وتحسين خدماته، ومحاولة تحويله إلى وجهة أكثر ملاءمة للسكان والزوار.
ويأمل كثير من أبناء المدينة أن تنجح هذه الجهود في استعادة المكانة التي كان يتمتع بها الشاطئ في الماضي.
ويقول عبد الرحيم جانودي لـ" العربي الجديد": " كان المظهر معيباً جداً بعد أيام عيد الأضحى.
كانت القمامة متناثرة على طول الشاطئ، وهذه ليست مسؤولية البلديات وحدها، بل يجب أن تكون ثقافة عامة لجميع الزوار.
وقد وضعت البلدية العديد من مكبات النفايات قرب الشاطئ، لكن الالتزام كان ضعيفاً، وهذه مشكلة كبيرة يجب حلّها لأن الصيف في بدايته، كما ينعكس هذا الأمر على سكان المنطقة وليس المصطافين فحسب".
وتضم محافظة اللاذقية أكثر من مئة منشأة سياحية متنوعة، من بينها منتجعات وفنادق ذات مستويات مختلفة، كما يوجد في عموم الساحل السوري نحو 32 منتجعاً خاصاً بطاقة استيعابية تقارب سبعة آلاف شخص، في وقت تشهد فيه السياحة الداخلية نمواً تدريجياً مع تحسّن الظروف الأمنية في عدد من المناطق.
ويرى المهندس أحمد طوقتلي أن" تطوير البنى السياحية لا يقتصر على إنشاء الفنادق والمنتجعات، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحفاظ على الشواطئ باعتبارها مناطق عامة"، ويقول لـ" العربي الجديد": " تخلّف النفايات البلاستيكية التي تُترك على الرمال أو تُرمى في البحر آثاراً بيئية طويلة الأمد، وتؤثر على الحياة البحرية وجودة المواقع السياحية نفسها".
من جهته، يقول رستم صلاح من المكتب الإعلامي لمجلس مدينة اللاذقية لـ" العربي الجديد": " أدى الازدحام الكبير الذي شهدته الشواطئ خلال عطلة عيد الأضحى إلى تراكم كميات من النفايات في بعض المواقع الساحلية نتيجة الأعداد الكبيرة للزوار القادمين من مختلف المحافظات السورية.
وقد نفذت مديرية النظافة في مجلس المدينة حملة شاملة لإزالة المكبات العشوائية المنتشرة على امتداد الشريط الساحلي داخل المدينة، كما تستمر أعمال النظافة يومياً، وجرى تزويد عدد من الشواطئ بحاويات إضافية بهدف الحدّ من تراكم النفايات، وتحسين الواقع الخدماتي، والحفاظ على المظهر الحضاري للمدينة خلال الموسم السياحي".
ورغم هذه الإجراءات، يرى عدد من الأهالي أن نجاح أي خطة للحفاظ على نظافة الشواطئ يتطلب شراكة بين المؤسسات المحلية والزوار أنفسهم، فالمشكلة لا تتعلق بعدد عمال النظافة أو الحاويات المتوفرة فحسب، بل أيضاً بمدى التزام رواد الشواطئ بالسلوكيات البيئية السليمة.
ومع دخول فصل الصيف وزيادة عدد المصطافين خلال الأسابيع المقبلة، تبدو شواطئ اللاذقية أمام اختبار حقيقي لإنجاح الجهود الحالية في تقديم صورة أكثر تنظيماً ونظافة عن المدينة الساحلية الأبرز في سورية، أو استمرار الشكاوى ذاتها التي تتكرر مع كل موسم، ما يبقي النفايات والتجاوزات السلوكية عقبات أمام الإفادة الكاملة من الإمكانات السياحية في الساحل السوري.
ويبلغ طول الساحل السوري 183 كيلومتراً، ويمتد على كامل الجهة الغربية من محافظتَي طرطوس واللاذقية.
لكنّ معظم السوريين كانوا محرومين من هذا البحر بسبب تحويل النظام السابق كل الشواطئ إلى منتجعات أدارها أشخاص محسوبون عليه، كما حُرم ملايين السكان في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد من الشواطئ لسنوات عدة خشية الاعتقال أو الاختطاف أو التصفية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك