تثير حملة الاعتقالات التي تنفذها السلطات الباكستانية بحق الأفغان موجة استنكار شديد، وخصوصاً أنّها تطاول أطباء وأكاديميين وطالبات، حيث يُعتقلون بطرقٍ مهينة ومن داخل أماكن عملهم أو دراستهم، بحجة عدم قانونية إقامتهم.
كان الجرّاح الأفغاني نور الحق خان يستعدّ لإجراء عملية جراحية لأحد المرضى الباكستانيين داخل مستشفى حكومي بمدينة ساهيوال في إقليم البنجاب (شمال شرق)، دون أن يدري أنّه سيكون خلف القضبان بعد ساعةٍ من الزمن، بذريعة أنه لاجئ أفغاني يقيم في البلاد بناءً على بطاقة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي تعتبرها الحكومة الباكستانية منتهية الصلاحية.
وفي التفاصيل، اعتُقل الجراح الأفغاني من داخل غرفة العمليات، وهو يرتدي ثوبه الجراحي، قبل أن يُنقل إلى السجن في السابع من يوليو/ تموز الجاري، حيث نشرت إدارة الشرطة صوره داخل الزنزانة، وهو يرتدي الملابس الجراحية.
الأمر الذي أثار غضب الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويكشف الناشط الأفغاني زاهد الله محمد، أنّ الاعتقالات طاولت كذلك عدداً آخر من طلاب الطب الأفغان، إذ اعتقلت الشرطة في إقليم البنجاب وحده، وفي غضون أسبوع واحد، عشرة أفغان كانوا يتابعون تخصصاتهم في مجالات طبية مختلفة، في الجامعة الإسلامية في بهاولبور وجامعة" قائد أعظم".
ويقول لـ" العربي الجديد": " إنّ هؤلاء تابعوا تخصصاتهم نتيجة منحة تعليمية باكستانية، وكانوا يقيمون في البلاد وفقاً لتأشيرات رسمية، إلا أن حكومة باكستان توقفت عن تجديد تأشيراتهم، وأعلنت في الوقت ذاته أنّ بطاقة المفوضية الأممية لم تعد مُعتبرة، ما جعلهم في حالة ضياع تام".
ويوضح أنّ" اعتقال الطبيب خان وآخرين كُثر بهذه الطريقة المُهينة، إن دلّ على شيء، فإنّه يدلّ على أنّ باكستان تتعمّد جعل كلّ أفغاني قصة، تُثبت من خلالها أنّها تستطيع التلاعب بهم كما تشاء".
ويرى زاهد الله أنّ" السلطات في باكستان كان بإمكانها اعتقال الطبيب الأفغاني من منزله أو بعد خروجه من غرفة العملية، كما كان بإمكان عناصر الشرطة أن تطلب منه تغيير ملابس الجراحة قبل نقله إلى السجن، ولكنّها لم تفعل ذلك عمداً، كي تُثبت أنّها تتعامل مع الأفغان بصورة قاسية ومُهينة".
لا تقتصر هذه الإشكالية على الرجال فحسب، إذ بدأت الشرطة الباكستانية أخيراً باعتقال طالبات أفغانيات من داخل حرم الجامعات، وحتى من داخل السكن الجامعي، ومن بينهنّ طالبتان في" الجامعة الإسلامية العالمية" في إسلام أباد، حيث دَهَمت قوات الأمن السكن الجامعي بحجة أنّ الطالبتَين تعيشان في البلاد بطريقة غير قانونية، بعد أن انتهت صلاحية تأشيرتَيهما.
وقد أثارت هذه الاعتقالات موجة غضب في باكستان، وتحديداً في مناطق شمال وجنوب غربي باكستان، حيث يرتبط سكان تلك المناطق بأواصر قبلية وثقافية واجتماعية ودينية مع الأفغان، لكونهم من قبائل البشتون التي تنتشر كذلك في جنوب أفغانستان وشرقها.
وفي حديثٍ صحافي في التاسع من يوليو الجاري، أكّد القيادي السابق في الجماعة الإسلامية وعضو مجلس الشيوخ الباكستاني سابقاً، مشتاق أحمد خان، أنّ" ما يحدث بحقّ اللاجئين الأفغان عموماً أمرٌ مؤسف جدّاً، وما يحدث بحقّ الأطباء الأفغان الذين يخدمون مجتمعنا مؤسف بدوره، وعلى السلطات الباكستانية أن تُعيد النظر في هذا التعامل الذي يؤدّي إلى شحن النفوس وخلق البغضاء بين شعوب متجاورة، وهو ما يُلحق الضرر بالمنطقة ككلّ".
ويقول الزعيم القبلي من مديرية خيبر القبلية في شمال غرب باكستان سيد أحمد شينواري لـ" العربي الجديد" إنّ" الحكومة الباكستانية وصنّاع القرار يركّزون على حساباتٍ وتجاذباتٍ سياسية، بينما يتناسون كلّ الأعراف الإنسانية والدينية.
مع العلم أنّ القبائل البشتونية على طرفَي الحدود تتحلّى بقيمٍ وأخلاقياتٍ تَعتبر أنّ التطاول على النساء أو الضيوف بمثابة العار".
ويتابع: " لكن مع الأسف يحدث ذلك في بلادنا، حيث تعتقل قوات الأمن الطالبات الأفغانيات من داخل الحرم الجامعي، وتبثّ صورهنّ مرفقةً بمشاهد المداهمة، وهو ما يُعتبر عيباً كبيراً في مفهوم القبائل البشتونية.
كذلك إنّ إهانة الضيف واعتقاله بهذه الطريقة، كلّها عوامل تولّد عداءً وغضباً بين الشعوب، وهي ليست في مصلحة بلادنا على المدى البعيد".
أمّا في أفغانستان، فحدّث ولا حرج، إذ إنّ الغضب الناجم عن عمليات القصف الجوي التي نفّذتها أخيراً الطائرات الحربية الباكستانية، لا يوازي حجم غضب بعض الأفغان من مشاهد اعتقال طالباتٍ داخل الحرم الجامعي وطبيبٍ داخل غرفة العمليات الجراحية.
ويؤكد الناشط الاجتماعي محمد أبرار خان لـ" العربي الجديد" أنّ" سياسات السلطات الباكستانية بحقّ هذه الشريحة المثقفة من الأطباء والجامعيين والأكاديميين، تُعدّ انتهاكاتٍ مؤسفة، قد تتسبّب بشرخٍ بين شعبَي البلدين اللّذين تربطهما علاقات دينية واجتماعية واقتصادية".
ويلفت إلى أنّ الحكومة الباكستانية تُولي الأهمية للمصالح السياسية، علماً أنّها مصالح آنية، فيما تُركّز الشعوب عادةً على علاقاتٍ طويلة الأمد.
غير أنّ الحكومة الباكستانية لا تستمع لشكاوى شعبها، خصوصاً لسكان إقليمَي بلوشستان (جنوب غرب) وخيبر بختونخوا (شمال غرب)، الذين أبدوا استياءهم الشديد ممّا ترتكبه حكومة بلادهم في حقّ الأفغان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك