بعد مفاوضات طويلة ودخول أطراف متعددة كوسطاء بين الولايات المتحدة الأميركية، أو على الأصح بين إدارة ترامب وإيران توصل الفريقان الأميركي والإيراني إلى مذكرة التفاهم، والتي أشار الجميع إلى ما فيها من غموض وإلى ما تحمله من تأويلات قابلة لفتح باب الحرب للمرة الثالثة.
هذا وقد اشتعل الصراع من جديد حين تدخلت السفن الحربية الأميركية لتدفع البواخر عبر مضيق هرمز إلى المسار الذي تريد هي لا المسار الذي تريده إيران.
فوجهت أميركا نيرانها المدمرة نحو تسعين هدفا حيويا في إيران فردت هذه بتوجيه ضرباتها دون مبرر الى دول عربية في الخليج وإلينا في الأردن علما أننا ودول الخليج لسنا أطرافا في النزاع.
اضافة اعلانومع هذا فالمفاوضات الفنية بين الطرفين ما تزال، رغم التهديدات المتبادلة، مستمرة.
وهذا النمط مألوف في التاريخ السياسي الأميركي.
وحين نتحدث عن الحرب الأميركية على إيران، فإن حربا غير مباشرة تعم المنطقة العربية شرق المتوسط بأسرها من البحر الى الخليج.
فدول الخليج العربي يكاد يتوقف تصديرها للنفط والغاز وتصبح ساحة لضربات إيرانية غير مبررة، وترتفع أسعار النفط والغاز في العالم بشكل عام، وترتفع أسعار الأسمدة والأغذية وتكاليف الشحن والتأمين، وتتراجع السياحة الى معظم دول المنطقة إن لم يكن كلها.
وبالتالي ومنذ جاءت إدارة ترامب وبدسائس وتحريضات نتنياهو غدت المنطقة ساحة سجال ونزال بين أميركا وبين الآخرين خارج المنطقة العربية.
ومع هذا، حين يهدأ مزاج الرئيس ترامب ويغلق أذنيه مؤقتاً عن وشوشات نتنياهو التدميرية التي تفيض بالحقد والكراهية للجميع، يطلق ترامب التصريحات الهادئة التي توحي وكأن النزاع في طريقه إلى الانتهاء، وأنه سوف يجعل من «إيران دولة عظيمة» كما قال.
وبعد ساعتين فقط يصرح بأن أي حركة من إيران ستتلقى مقابلها ضربات تعادل عشرين ضعفاً من الضربة الإيرانية.
وتعود المنطقة لتتحرك على صفيح ساخن.
هذا في حين يعلن نتنياهو أن جيشه على استعداد لاستئناف الحرب ضد إيران متهربا من التزامه بالانسحاب من لبنان، ومتغولاً في القتل والتدمير ومحاولات التهويد ضد الفلسطينيين في كل الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك قطاع غزة الذي يشهد إبادة جماعية مغطى عليها بالنزاع الإيراني الأميركي، ومسكوت عنها للانشغال الإعلامي والسياسي بما تقترفه إسرائيل في لبنان.
وهنا لا بد من التأكيد على نقاط سياسية على النحو التالي:أولاً: إن تبادل الضربات العسكرية بين أميركا وإيران سوف يستمر دون أن تتوقف المفاوضات، او تتراجع جهود الوسطاء، انطلاقاً من النمط الأميركي التقليدي «التفاوض في ظل النيران لتحقيق مكاسب أكبر».
ثانياً: إن المنطقة العربية شرق المتوسط بما فيها مصر إذا استمرت دون تكتل امني ولوجستي واقتصادي حقيقي فيما بينها ستبقى ورقة ضعيفة تستخدمها القوى الأجنبية، بما فيها إسرائيل، لتحقيق مصالحها دون الالتفاف الى المصالح العربية على الإطلاق.
ثالثاً: إن مثل هذا التكتل إذا تحقق سوف يساعد على معالجة نقاط الضعف في جغرافية المنطقة مثل مضيق هرمز وباب المندب إذا نجح التكتل العربي بإنشاء خطوط نقل وتواصل لوجستي من الخليج إلى البحر المتوسط عبر الأردن وسورية.
وتساعد التكنولوجيا اليوم على تحقيق مثل هذه المشاريع من سكك حديد وأنابيب نفط وغاز خلال سنوات قليلة لن تتجاوز الخمس سنوات إذا توفرت الإرادة والإدارة.
رابعاً: إن على دول المنطقة أان تدرك من منظور إستراتيجي مستقبلي بأن إسرائيل ترى في قوة أي دولة عربية تهديداً لها، وأن اليمين الإسرائيلي، وإسرائيل كلها اندفعت نحو اليمين، سيعمل دائماً على إذكاء النزاعات العرقية والدينية والجهوية والثقافية والسياسية في المنطقة لتغطية برامج التوسع الاحتلالي الذي تعمل عليها إسرائيل في سورية ولبنان إضافة إلى فلسطين وأحلام اليمين بتهجير الفلسطينيين من وطنهم.
خامساً: إن الجانب الأميركي يضع مصالحه فوق مصالح حلفائه حتى لو كانوا أوروبيين كما نشاهد في علاقات ترامب مع دول إوروبا وإعلانه قطع جميع العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية مع أسبانيا بسبب موقفها من الحرب على إيران وموقفها من حروب الإبادة الإسرائيلية في فلسطين.
سادساً: مع أن الحرب الأميركية الإيرانية سوف تهدأ ثم تتوقف بعد فترة الا انه من الواضح ان الامور لن تعود الى السلام الكامل وانتهاء العقوبات الأميركية وفرص إعادة الإعمار إلاّ بعد سنوات تمتد الى ما قبل نهاية عهد الرئيس ترامب عام 2029.
وهذا يتطلب الاستعداد الوطني لمواجهة نتائج عدم الاستقرار في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والمائية والسياحية والطاقة.
سابعاً: علينا أن نتذكر أن مبدأ السلام بالقوة لا زال يسيطر على عقل ترامب وإسرائيل في نفس الوقت.
وما يهدفه نتنياهو من القوة أن تكون ضد خصوم إسرائيل وأولهم الدول العربية التي يطمح إلى احتلال أجزاء من أراضيها، وهو يريد القوة ضد إيران حتى لا تكون هناك قوة اقليمية منافسة.
وقد فبرك قبل أيام قصة خطة إيران لإغتيال ترامب، حتى يدفعه إلى الاستمرار في الحرب خدمة لمصالح نتنياهو السياسية.
ثامناً: إن حلم ترامب ان يسيطر على دولة في الشرق الأوسط وخاصة اذا كانت دولة نفطية لازال قائماً، وقد أوهمه نتنياهو قبيل الحرب على إيران انه يمكن ان يسيطر على إيران ونفطها كما في فنزويلا.
ولمّا لم تتحقق أحلامه راح يبحث عن بلد آخر في المنطقة الأمر الذي يستدعي اليقظة والحكمة من جميع الدول العربية والعمل على زيادة منعتها من خلال تحالفات حقيقية وليس مجرد توافقات دبلوماسية وإعلامية.
وأخيراً فإن المنطقة لن تهدأ إلاّ بعد سنوات مما سوف يعيق من عمليات التنمية والنهوض.
الأمر الذي يستدعي زيادة القوة الأردنية بجميع أشكالها وأبعادها ابتداء من الاقتصاد والبرمجة العلمية الحصيفة لزيادة معدلات النمو وتخفيض معدلات البطالة، مروراً بتعزيز المؤسسية السياسية والإدارية وانتهاء المشاركة المجتمعية حتى يبقى الأردن دولة منيعة البنيان، قوتها نابعة من ذاتها، مع مواصلة العمل الدؤوب باتجاه التشبيك مع الاشقاء العرب، والذكاء والحكمة في تجاوز كل المكائد الإسرائيلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك