تتنوع اتجاهات وميول الأفراد في الحياة ويكافح أكثرهم للوصول إلى تحقيق الذات بمرتبة علمية أو سياسية أو اجتماعية مرموقة، وإذا به يفاجأ بمطبات تحاصره من كل جانب نفسيا ومعنويا لم يكن يحسب لها حسابا تأخذه غيلة، تحطم كل إنجازاته وتعزله وتبعده عن المشهد الذي عاشه ومنّى النفس بالوصل إليه، وتُعرف الغيلة في المعاجم العربية بمعنى الاغتيال أو الخديعة أو الاستغفال، ويتم استخدام مفهوم الاغتيال في إطار أدبي مجازي لوصف حالة من الظلم والقهر مثل: اغتيال الفكر، أو البراءة، أو اغتيال الشخصية.
بعيدا عن جريمة القتل الفعلي.
اضافة اعلانومفهوم الاغتيال المجرّد يستخدم لوصف عملية قتل منظّمة ومتعمدة عن سبق إصرار وترصد تستهدف شخصية ذات قيمة استثنائية وتأثير فكري، أو علمي، أو سياسي، أو عسكري أو ديني، أو اجتماعي.
يعتبرها منظمو الاغتيال عائقا أمامهم لأفكارهم أو أهدافهم.
وتتم عملية الاغتيال بطريقة مباغتة وغادرة من حيث لا تدري الضحية؛ لضمان عدم إعطاء فرصة للمقاومة أو النجاة.
ومفهوم الاغتيال في المعاجم العربية يشير إلى: القتل خِفية وغدرا على حين غِرّة، ومن الناحية الفقهية يتم تغليظ عقوبة القاتل ليعامل معاملة" الحرابة" ولا يُعفى عنه القتل لشدة بشاعة هذه الجريمة.
كما أن مصطلح اغتيال الشخصية (Character assassination) يشير إلى عملية تدمير مصداقية وسمعة شخص أو مؤسسة بشكل متعمّد ومستمر، عبر نشر معلومات مضللة، أو أخبار زائفة، أو التلاعب بالحقائق لتشويه الصورة العامة، وتكون موجهة لأشخاص بشكل شخصي، أو مؤسسات أو جماعات في إطار الحروب النفسية أو النزاعات السياسية والمهنيّة، من خلال ممارسات وأساليب رخيصة لا تمت إلى الأخلاق بصلة باستخدام أساليب الدعاية السوداء، كنشر الإشاعات باختلاق قصص غير حقيقية للتأثير على النظرة العامة، وتضخيم العيوب والزلّات بشكل مبالغ فيه، والتشكيك في النوايا وقلب الحقيقة بتزويرها، والهدف العام من وراء ذلك القضاء معنويا على الشخصية المستهدفة وعزلها اجتماعيا، وإبعادها قدر الإمكان عن المشهد العام، مما يؤدّي إلى تدمير السمعة والأذى النفسي الكبير، وفقدان المصداقية والثقة، وقد يمتد ليشمل خسارة الوظيفة أو التعرّض للعزلة، ويعدّ اغتيال الشخصية من أسهل وأنجح وسائل التخلص من الناجحين في المجالات كافة، ومن أكبر دوافعها: الغيرة والحسد والشعور بالنقص، والانتقام والصراع على المنصب والسلطة والمكانة الاجتماعية، وتصفية الحسابات، والصراعات السياسية وغيرها.
اغتيال الشخصية في العصر الرقمي: اختلفت صورة اغتيال الشخصية في عصر الذكاء الاصطناعي عنها قبل ذلك، فقد كانت وسائل التواصل الاجتماعي محدودة للغاية ويمكن التأكّد من المعلومة بسهولة، وفي الفضاء الرقمي اتسعت هذه الوسائل وأصبح لها انتشار سريع ومنصات وصياغة صور ذهنية سلبية من خلال برمجيات في متناول اليد، بإمكانها التلاعب بالصوت والصورة والمشهد بأكمله، بل وأكثر من ذلك من خلال القرصنة الإلكترونية والوصول إلى معلومات شخصية حساسة، وبرامج التجسس، والمراقبة وتتبع التحركات والمكالمات الهاتفية والأنشطة الأخرى والاستيلاء على الحسابات، وزرع الفيروسات الخبيثة.
ولمواجهة ظاهرة اغتيال الشخصية في عصر الذكاء الاصطناعي فقد أصبح العديد من الدول يجرّم هذه الظاهرة بوضع قوانين صارمة (قوانين الجرائم الإلكترونية) وتعدّ مثل هذه السلوكيات شكلا من أشكال التشهير والقدح والذمّ يعاقب عليها القانون كل من ثبت تورطه بالإضرار بسمعة الآخرين.
من صور اغتيال الشخصية: تلفيق الاتهامات الكاذبة من خلال الدعاية السوداء وإسناد أفعال خادشة للحياء كالتحرش الجنسي والاغتصاب، أو نسب أفعال أو جرائم غير صحيحة للضحية دون وجود أي دليل مادي ملموس، وبث أخبار مغلوطة وتضخيمها عبر منصات التواصل الاجتماعي لتشويه السمعة، والتلاعب بالحقائق واجتزاء التصريحات من سياقها، أو تحريف المعلومات الصحيحة لتقديم صورة مشوّهة، والتشهير والابتزاز الإلكتروني، والانتقاد الهدّام والمفرط، والسخرية والتهكم الرقمي، والنبذ والتحريض الاجتماعي وعزلة الضحية كعنصر فاسد أو خارج عن قيم المجتمع.
وحرص القانون الأردني على صون كرامة مواطنيه، فقد تمّ وصف اغتيال الشخصية بالجريمة وتشمل: الذم، والقدح، ونشر الإشاعات، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وغرامة مالية تتراوح بين (5000) و(20000) دينار أردني، أو بكلتا العقوبتين معا، وذلك وفقا لأحكام المادة (16) من قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة (2023م) وتشمل هذه الجريمة كل من قام عبر الشبكة المعلوماتية بإشاعة أو نسبة أو عزا قصدا ودون وجه حق لأي شخص أفعالا من شأنها اغتيال شخصيته والنيل من هيبته وسمعته، وبالرغم من أن المجتمع الأردني مجتمع محافظ فقد بلغ حجم البلاغات وشكاوى الجرائم الإلكترونية قرابة (24000) قضية وبلاغ سنويا، أبرزها جرائم القدح والذم والتحقير عبر منصات التواصل الاجتماعي.
إن دور الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام كبير ومهم للغاية من التحذير في الوقوع في مثل هذه الجريمة، ومن الأجدر أن يتعرّف كل فرد على قانون الجرائم الإلكترونية وبث ثقافة احترام الآخر وتقدير مشاعر الآخرين، ومدى بشاعة جريمة اغتيال الشخصية، وأن النفس الإنسانية مكرّمة ومصونة ويعدّ حفظ النفس من ركائز الضرورات الخمس وهي مقاصد الشريعة الإسلامية التي لا تستقيم حياة البشر مهما اختلفوا بدونها، وتتمثّل بحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وفي حال اغتيال الشخصية تهدر كرامة النفس ويضيع المال ويشوّه الإنجاز ويقدح بالعرض وتضيع المكانة والمنصب، فهي تعادل جريمة القتل الفعلي وقد تتعداه في بعض الحالات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك