تتصاعد حدة الجدل السياسي والشعبي في العراق إثر إعلان السلطة القضائية إمكانية استرداد الأموال العامة من المتورطين بالفساد، مقابل تخفيف العقوبات ضدهم، وسط مخاوف من أن تتحول" حملة مكافحة الفساد" إلى مفاوضات مع المتهمين، ولا سيما من الشخصيات المتنفذة، بدلاً من أن تكون مساراً قضائياً قائماً على المحاسبة الصارمة.
وكان مجلس القضاء الأعلى العراقي، قد كشف، أول أمس الجمعة، عن تبنيه مساراً قضائياً في التعامل مع ملفات الفساد الكبرى، يقوم بالأساس على استرداد الأموال مقابل تخفيف الإجراءات القانونية بحق المتورطين بها.
وأعاد هذا الإعلان فتح نقاش واسع بشأن العدالة القانونية في ملفات الفساد، التي أرهقت البلد وأوصلته إلى حافة الانهيار الاقتصادي، بين من اعتبر أن استعادة مليارات الدولارات المنهوبة تمثل أولوية وطنية، حتى وإن تطلّب الأمر تسويات قانونية، وبين من رأى أنّ تخفيف العقوبات والتفاوض مع الفاسدين يمثل رسالة سلبية تشجع على تكرار الفساد وتضعف هيبة الدولة وسلطة القانون.
ويؤشر الطرح القضائي على حجم ملفات الفساد في العراق وتعقيداتها، إذ إنّ كثيراً من القضايا ترتبط بشخصيات ذات نفوذ سياسي وارتباط بجهات مسلحة، ما يصعّب الوصول إلى الأموال المنهوبة أو تطبيق القانون على المتورطين، وهو ما دفع باتجاه البحث عن حلول تحقق الحد الأدنى من استرداد حقوق الدولة، رغم أنّ ذلك لا يخلو من تنازلات وامتيازات يحصل عليها الفاسدون.
وقال النائب السابق ظافر العاني، في بيان، إنّ السياسيين" متحيرون بين إنقاذ الدولة أو الحفاظ على النظام السياسي"، مضيفاً أنّ" محاسبة الفاسدين، كل الفاسدين، قد يقوّض النظام السياسي، لأنّ المشمولين بالمحاسبة ليسوا أفراداً عاديين، بل هم عدد من أقطابه، الأمر الذي يجرّدهم من التفويض الشعبي لأنه يكشف للجماهير حقيقة بعض رعاة النظام القائمين كما يفترض على حماية مصالحهم الوطنية بالنيابة عنهم، وربما تمتد سلسة الحساب السياسي بدوافع الثأر لما لا يمكن التنبؤ بنهاياته".
وتابع: " أما التغاضي عن الحساب، أو الانتقائية فيه، فإنه يقوّض الدولة، بمؤسساتها الدستورية وقوانينها والنظام العام فيها، بل وفي أصل وجودها حارسةً للقيم العليا"، مشيراً إلى أنه" لكي تمضي الأمور بأقل حدود السلامة لا بد من التضحية بأحدهما، إما الدولة وإما النظام السياسي".
وتصاعدت في العراق الدعوات الرافضة إلى أي تسويات مع الفاسدين، إذ دعا المتحدث باسم حزب أمارجي الليبرالي، محمد المطلبي، إلى" تغليظ العقوبات على الفاسدين، واعتبار الاستيلاء على المال العام جريمة تُعادل الإرهاب"، مؤكداً في تصريح متلفز" ضرورة استثناء جرائم الفساد والمال العام من أي عفو عام، وعدم إسقاط العقوبة الجنائية بالتسويات المالية".
وشدد على ضرورة" إقرار تأييد إعدام سارقي المال العام كعقوبة رادعة ومستثناة تفرضها المرحلة الحالية، وتشبيه سارق المال العام بالهارب من الجيش وقت الحرب، ما يستوجب تطبيق أقصى العقوبات دون مساواة".
أما الناشط في التيار المدني، مصطفى الربيعي، فقد عدّ التفاوض مع المتورطين بالفساد، " تنازلاً خطيراً عن حقوق العراقيين"، معتبراً، في حديث مع" العربي الجديد"، أن" اعتماد التفاوض مؤشر على صعوبة محاسبة الشخصيات المتنفذة ويفتح الباب أمام تكريس الفساد بأن يصبح جريمة قابلة للتفاوض، وهو ما يشكل سابقة قد تشجع مسؤولين آخرين على ارتكاب المخالفات مع إمكانية تسوية أوضاعهم مستقبلاً".
قانونياً، رأى المختص بالشأن القانوني بلال الفتلاوي، في حديث لـ" العربي الجديد"، أنّ هناك إمكانية للتسوية القضائية إذا كان الهدف تحقيق منفعة للبلاد أو دفع مشكلة، مبيناً أنّ" هذا الخيار ممكن طبقاً للقانون، على ألا يعتمد إلا في حال استنفاد جميع الوسائل الأخرى لاستعادة المال العام، أو عندما تصبح فرص استرجاعها صعبة للغاية بسبب تعقيدات معينة".
وشدد على أنّ" تخفيف العقوبة لا يعني قانونياً إسقاط المسؤولية الجنائية، وإنما وسيلة لتقليل حجم الضرر مع بقاء القرار النهائي بيد القضاء ضمن الضوابط والمواد القانونية".
ويترقب الشارع العراقي ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية مع الموقوفين المتورطين بالفساد، وسط مطالب بأن تتحول العملية إلى مسار مؤسسي دائم يخضع لسلطة القانون، بعيداً عن الانتقائية أو التوظيف السياسي، بما يعزز ثقة الرأي العام بقدرة الدولة على المحاسبة، بغض النظر عن مواقع المتورطين أو انتماءاتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك