بني كنانة- في بلدة المخيبة الفوقا التابعة للواء بني كنانة في محافظة إربد، لم تعد الطبيعة مجرد مشهد يزيّن المكان، بل أصبحت بالنسبة لعشرات النساء وسيلة لمواجهة الفقر وشح فرص العمل.
فمن القش وأوراق الموز والزهور البرية، إلى الأعشاب الطبيعية والمواقع السياحية، نجحت نساء في استثمار ما توفره البيئة المحلية لتأمين مصدر دخل يساعد أسرهن على مواجهة أعباء الحياة، رغم محدودية الإمكانات وغياب الدعم الكافي.
اضافة اعلانوتعكس هذه المبادرات الفردية قدرة النساء على تحويل الموارد المتاحة إلى مشاريع صغيرة، إلا أن ضعف التسويق، وغياب الأسواق الدائمة، وقلة التمويل، ما تزال تحد من نموها وتحول دون تحولها إلى مشاريع إنتاجية مستدامة، بحسب مختصين وسكان في المنطقة.
ومن بين هذه النماذج تبرز قصة أم صابر، التي لم يكن أمامها سوى هاتفها المحمول وجمال الطبيعة المحيطة بقريتها لتصنع فرصة عمل تعينها على مواجهة ظروف معيشية قاسية.
في منزل متواضع يخلو من أبسط مقومات الحياة الكريمة، تعيش ربيعة، المعروفة بـ" أم صابر"، مع زوجها المصاب بمرض الصرع وابنتها التي فقدت القدرة على الحركة، فيما تعتمد الأسرة على معونة شهرية بالكاد تغطي جزءًا من احتياجاتها الأساسية.
ورغم قسوة الظروف، رفضت الاستسلام، وأنشأت صفحة عبر موقع" فيسبوك" للتعريف بالمواقع الطبيعية التي تشتهر بها المخيبة، مثل الوديان والبساتين والمناطق المطلة على الأغوار الشمالية، ثم بدأت تقدم خدمة مرافقة الزوار وإرشادهم إلى مواقع التنزه مقابل أجر رمزي يساعدها على إعالة أسرتها.
وتقول أم صابر إن الطبيعة أصبحت مصدر دخلها الوحيد، مضيفة: " كنت أفكر كيف أستفيد من شيء موجود حولي ولا يحتاج إلى رأس مال.
فبدأت أنشر صورا للمنطقة، ثم أصبح الزوار يتواصلون معي لأرشدهم إلى الأماكن المناسبة للتنزه".
وتؤكد أن ما تجنيه لا يكفي لتغيير واقعها المعيشي، لكنه يخفف من أعباء الحياة اليومية، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والكهرباء والمياه، مطالبة بإقامة مشاريع تنموية تستثمر المقومات السياحية التي تتمتع بها المنطقة.
ولم تكن أم صابر الوحيدة التي وجدت في الطبيعة فرصة للرزق، فالأربعينية وفاء حسن (اسم مستعار) خاضت تجربة مشابهة، لكن من بوابة الصناعات اليدوية، وذلك بعد تراكم الديون على زوجها ودخوله السجن، تاركا 5 أبناء بحاجة إلى إعالة.
وتقول وفاء إنها لجأت إلى استثمار الموارد الطبيعية المتوافرة في قريتها، فبدأت بجمع القش لصناعة السلال والأدوات التراثية، كما تستخدم أوراق أشجار الموز لإنتاج لوحات وتحف يدوية، إضافة إلى جمع الزهور البرية خلال فصل الربيع لصناعة العقود والأساور التي تبيعها للمتنزهين بأسعار بسيطة.
وتشير إلى أن أبناءها يساعدونها في بيع هذه المنتجات على الطريق المؤدي إلى مواقع التنزه، موضحة أن سعر القطعة الواحدة لا يتجاوز في كثير من الأحيان بضعة دنانير، إلا أن مجموع المبيعات يوفر أحيانا ثمن الخبز وبعض الاحتياجات الأساسية.
وتضيف: " لا نبحث عن الثراء، وإنما عن حياة كريمة تحفظ لنا كرامتنا.
فالمساعدات وحدها لا تكفي، والعمل، مهما كان بسيطا، أفضل من انتظار المعونة".
في جانب آخر من استثمار الموارد الطبيعية، اختارت وعد براهمة طريقا مختلفا، مستفيدة من الأعشاب البرية التي تشتهر بها المنطقة، لتتمكن من تسويقها والمساهمة في تأمين أقساط الدراسة الجامعية لأبنائها.
وأكدت أن بعض تلك الأعشاب يتميز بخصائص علاجية ويستخدم في بعض الوصفات الشعبية الخاصة بعلاج الأمراض الجلدية والصدرية، إضافة إلى استخدامه في إعداد أطعمة شعبية.
وتوضح أنها تمكنت من تسويق هذه الأعشاب، ما ساعدها على توفير أقساط الدراسة الجامعية لأبنائها، مطالبة بتنظيم بازارات ومعارض داخل المنطقة لتمكين السيدات من تسويق منتجاتهن، خاصة أن ظروف كثير منهن لا تسمح بمغادرة البلدة بسبب المسؤوليات الأسرية.
ولا تقتصر هذه النماذج على هؤلاء السيدات، إذ يؤكد سكان أن عددا من النساء بدأن خلال السنوات الأخيرة بإنتاج المخللات، والأعشاب المجففة، والأطعمة الشعبية، والمشغولات اليدوية، مستفيدات من الحركة السياحية التي تشهدها المنطقة خلال عطلات الربيع والصيف، إلا أن ضعف التسويق وغياب الأسواق الدائمة يحدان من تطور هذه المشاريع.
ويقول السكان إن المخيبة تمتلك ثروة طبيعية وسياحية كبيرة، لكنها ما تزال بحاجة إلى مشاريع استثمارية توفر فرص عمل للشباب والنساء، بدلا من استمرار الاعتماد على المساعدات الحكومية والمبادرات الفردية المحدودة.
ولفتوا إلى أن المناطق الريفية، ومنها المخيبة، تمتلك إمكانات كبيرة في مجالي السياحة البيئية والحرف التقليدية، إلا أن غياب الخطط التسويقية وضعف التمويل يحولان دون تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع اقتصادية ناجحة.
كما أضافوا أن تمكين المرأة اقتصاديا يعد من أهم أدوات مكافحة الفقر، إذ يسهم في تحسين دخل الأسرة، ويعزز الاستقرار الاجتماعي، ويحد من الاعتماد على المساعدات، خاصة إذا ترافق مع التدريب والإرشاد وتوفير منافذ لتسويق المنتجات، مطالبين في الوقت ذاته، بإنشاء سوق دائم للمنتجات الريفية، ودعم الجمعيات التعاونية النسائية، وإطلاق برامج لتدريب السيدات على تطوير منتجاتهن وتسويقها، إلى جانب تحسين البنية التحتية للمواقع السياحية واستثمارها بما ينعكس إيجابًا على أبناء المنطقة.
كما دعوا إلى تشجيع المستثمرين على إقامة مشاريع سياحية وزراعية وصناعات غذائية صغيرة تستفيد من الموارد الطبيعية التي تتميز بها المخيبة، وتسهم في توفير فرص عمل للشباب والنساء، والحد من الهجرة الداخلية بحثًا عن العمل.
ومن وجهة نظر الناشط الاجتماعي خالد العربي، فإن الفقر في المخيبة ليس وليد اليوم، وإنما هو نتيجة تراكمات طويلة من غياب المشاريع الاستثمارية والتنموية، وضعف استثمار المقومات الطبيعية التي تتمتع بها المنطقة.
وقال إن اعتماد نسبة كبيرة من الأسر على المساعدات النقدية يعكس الحاجة إلى الانتقال من مفهوم الإغاثة إلى مفهوم التنمية المستدامة، عبر دعم المشاريع الصغيرة، وتشجيع الصناعات المنزلية، وتطوير السياحة البيئية، وفتح أسواق لتسويق المنتجات المحلية.
وأضاف العربي، أن النساء أثبتن قدرة لافتة على الابتكار رغم محدودية الإمكانات، إذ نجحن في تحويل القش وأوراق الموز والزهور البرية إلى منتجات تلقى إقبالًا من الزوار، إلا أن استدامة هذه المبادرات تتطلب توفير التدريب، والتغليف، والتسويق، والتمويل، حتى تتحول إلى مشاريع إنتاجية توفر دخلًا ثابتًا للأسر.
من جهته، يؤكد عضو بلدية خالد بن الوليد السابق حسن حردان أن بلدة المخيبة الفوقا ما تزال بحاجة إلى مشاريع تنموية حقيقية، مبينا أن المنطقة لم تحظ خلال السنوات الماضية بالمستوى المطلوب من المشاريع الخدمية والاستثمارية، الأمر الذي انعكس على فرص التشغيل ومستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وأشار إلى أن مشروع الحمة الأردنية، الذي كان في السابق من أبرز المشاريع السياحية في المنطقة، ما يزال يمثل فرصة واعدة إذا ما أعيد تأهيله وتشغيله، لما يمكن أن يوفره من فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وتشجيع الاستثمار المحلي.
بدوره، يؤكد مصدر في مديرية التنمية الاجتماعية في لواء بني كنانة أن عددا كبيرا من الأسر في المنطقة يستفيد من برامج صندوق المعونة الوطنية، مشيرا إلى أن الوزارة تنفذ برامج للحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي تستهدف الأسر القادرة على الإنتاج، من خلال التدريب والتأهيل وربطها ببرامج التمويل، بما يساعدها على تحسين مستوى دخلها وتعزيز اعتمادها على الذات.
وأضاف أن التحدي الحقيقي يتمثل في توفير فرص عمل مستدامة داخل المناطق الريفية، خاصة للنساء والشباب، لافتا إلى أن نجاح أي مشروع تنموي يحتاج إلى تكامل الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك