كثيرًا ما شاهدتُ شركات ناشئة وُلدت بأفكار ملهمة، بعضها شقّ طريقه نحو النجاح، وبعضها الآخر تعثر وانطفأ سريعًا.
اللافت أن أغلب من فشلوا كانوا يعلّقون أسباب إخفاقهم على شماعة واحدة.
غياب التمويل الكافي.
كنت أستمع إلى تبريراتهم فأتعاطف أحيانًا، وأتساءل أحيانًا أخرى: هل حقًا المال المبكر هو ما ينقذ الشركات؟ حتى وقعت بين يدي دراسة لفتت انتباهي، وأجابت عن هذا السؤال من زاوية غير مألوفة، بل صادمة أحيانًا.
الدراسة حملت عنوان: الدمج من أجل اللا مألوف: كيف يمكن لندرة الموارد أن تعزّز قدرات الابتكار، أعدّها الباحثان هارش كيتكار من جامعة تكساس وماريا روش من جامعة هارفرد عام 2025.
ومنذ أن قرأتها تغيّر فهمي تمامًا للعلاقة بين المال والابتكار.
تأملت قصة تطبيق Color Labs التي أوردها الباحثان، وهي خير مثال على مأساة الوفرة المبكرة.
ففي عام 2011 جمعت الشركة واحدًا وأربعين مليون دولار قبل أن تطلق منتجها، وقفز عدد تحميلاته سريعًا إلى مليون مستخدم.
لكن سرعان ما بدأ النزيف: شكاوى متزايدة من ضعف المزايا وسوء التجربة التقنية، فيما كان الفريق يركّز على حصد أعداد أكبر من المشتركين بدل تحسين الخدمة.
النتيجة كانت انهيارًا مدوّيًا خلال عام واحد، رغم بقاء خمسة وعشرين مليون دولار في الخزينة لم تُصرف.
هكذا تحولت الوفرة إلى فخّ، والمال المبكر إلى عبء بدلاً من أن يكون وسيلة للنهوض.
الدراسة اعتمدت على بيانات شملت أكثر من 11,800 شركة تقنية أمريكية تأسست بين عامي 2010 و2019، وحلّلت توقيت أول جولة تمويل وحجمها، وتأثير ذلك على قدرة الشركات على ابتكار منتجات فريدة.
ولأن براءات الاختراع لا تعبّر دائمًا عن جوهر الابتكار، اختار الباحثان معيارًا أعمق: مدى غرابة التركيبات التقنية التي تستخدمها الشركات مقارنة بمنافسيها.
فالابتكار في جوهره ليس في اختراع العجلة من جديد، بل في دمج تقنيات قائمة بطرق غير مألوفة، كما حدث مع الآيفون الذي غيّر شكل الصناعة.
النتائج جاءت صادمة لكل من يظن أن المال هو البداية والنهاية: كلما تأخر التمويل الأوّل زادت قدرة الشركات على التجريب والمجازفة بعد الحصول عليه، وكلما كان التمويل مبكرًا وضخمًا انشغلت الشركات باستخدام أدوات أكثر ولكن بطرق تقليدية لا تبتكر جديدًا.
كما أنّ هوية المستثمرين أثّرت مباشرة على مصير الشركات؛ فالمستثمر الباحث عن اكتتاب سريع أو صفقة استحواذ يضغط نحو نتائج عاجلة، بينما المستثمر المتمرّس في التقنية يزرع ثقافة الصبر والتجريب.
هنا أدركت معنى أن تكون ندرة الموارد محفّزًا للابتكار لا عائقًا له.
إنّ الشركة التي تُجبر على شق طريقها بخطوات متواضعة وتتعلم من المحاولة والخطأ، تبني داخليًا قدرة لا تقدّر بثمن: المرونة الذهنية وروح الاكتشاف.
بينما الشركة التي يغمرها المال منذ اللحظة الأولى قد تفقد هذه الروح، وتتحول إلى كيان مقيّد بأهداف قصيرة الأجل يرسمها رأس المال الكبير.
ما أستخلصه من هذه التجربة الفكرية والبحثية أنّ على روّاد الأعمال ألّا يتسرعوا في طلب المال الكبير، وأن يوازنوا بين حاجتهم إلى التمويل وبين حاجتهم الأعمق إلى بناء ثقافة تجريبية تُرسّخ الابتكار في صميم أعمالهم.
فالمال حين يأتي في وقته يكون وقودًا للانطلاق، لكنه إذا جاء مبكرًا قد يخنق الشرارة قبل أن تصبح نارًا مضيئة.
هذه ليست مجرد نظرية أكاديمية، بل درس عملي أراه في كل شركة ناشئة: من يتأنَّ، يجني ثمرة أعمق، ومن يتعجّل قد يخسر كل شيء.
الابتكار لا يُشترى بالمال، بل يُصنع بالصبر والشغف والجرأة على التجريب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك