شهد العالم العربي خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة أعادت تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الأيديولوجيا والواقع، وبين المشروعات العابرة للحدود ومقتضيات الأمن القومي الوطني.
وإذا كان النصف الثاني من القرن العشرين قد شهد صعوداً لافتاً للتنظيمات العقائدية العابرة للحدود، سواء ذات الطابع القومي أو الديني أو الثوري، فإن العقدين الأخيرين شهدا مساراً معاكساً تمثل في تراجع جاذبية تلك التنظيمات وصعود الدولة الوطنية، باعتبارها الإطار الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار وحماية المصالح الوطنية وإدارة التحديات المعاصرة.
وتُعد جماعة الإخوان المسلمين النموذج الأبرز للتنظيمات العقائدية العابرة للحدود في المجال العربي والإسلامي، حيث قامت فلسفتها التنظيمية على فكرة تتجاوز حدود الدولة الوطنية، وتنطلق من مفهوم «الأمة»، بوصفها وحدة سياسية وحضارية تتقدم على الانتماء الوطني.
وقد نجحت الجماعة لعقود طويلة في بناء شبكات تنظيمية ممتدة عبر عدد كبير من الدول، مستفيدة من عوامل سياسية واجتماعية متعددة، ومن حالة الضعف التي أصابت بعض مؤسسات الدولة في مراحل تاريخية مختلفة.
غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن تحولات استراتيجية عميقة أدت إلى تراجع تأثير التنظيمات العقائدية العابرة للحدود، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، بالتوازي مع صعود متجدد لفكرة الدولة الوطنية واستعادة أولويات الأمن القومي والتنمية والاستقرار.
الدولة الوطنية بوصفها إطاراً للشرعية والاستقرار أحد أهم أسباب هذا التحول يتمثل في أن الدولة الوطنية أثبتت عملياً أنّها الإطار الأكثر قدرة على إنتاج الشرعية السياسية وتقديم الخدمات العامة وحماية الحدود وإدارة الاقتصاد وضمان الأمن المجتمعى.
فبينما اعتمدت التنظيمات العقائدية على الخطاب الأيديولوجي والوعود الفكرية، واجهت الدول تحديات واقعية تتعلق بإدارة السكان والموارد والأزمات.
ومع تزايد الأزمات الإقليمية منذ عام 2011، أدركت قطاعات واسعة من المجتمعات العربية أن البديل الحقيقي للفوضى ليس التنظيم العقائدي، وإنما الدولة القادرة والمؤسسات الفاعلة.
فقد أظهرت التجارب أن انهيار مؤسسات الدولة أو إضعافها يفتح المجال أمام الصراعات الأهلية والتدخلات الخارجية وتصاعد التهديدات الأمنية، بينما يمثل الحفاظ على الدولة شرطاً أساسياً لأي عملية إصلاح أو تنمية.
لقد تحولت الدولة الوطنية من مجرد إطار إداري إلى ضرورة وجودية في بيئة إقليمية تتسم بالتنافس الجيوسياسي وتصاعد المخاطر العابرة للحدود، بما في ذلك الإرهاب والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة والتهديدات السيبرانية والأزمات الاقتصادية.
أزمة المشروع العقائدي العابر للحدودتعرضت التنظيمات العقائدية العابرة للحدود خلال السنوات الماضية لأزمة بنيوية عميقة، تمثلت في اتساع الفجوة بين خطابها النظري وممارساتها الواقعية.
فقد قامت هذه التنظيمات على فرضية إمكانية تجاوز الدولة الوطنية أو إعادة تعريفها وفقاً لمشروع أيديولوجي شامل، إلا أن الواقع السياسي أثبت أن إدارة المجتمعات الحديثة تتطلب مؤسسات وطنية مستقرة وقواعد قانونية واضحة وتوافقات اجتماعية واسعة.
وفي حالة جماعة الإخوان المسلمين تحديداً، كشفت التجارب السياسية التي شاركت فيها الجماعة في عدد من الدول عن صعوبات كبيرة فى الانتقال من منطق التنظيم إلى منطق الدولة، ومن الولاء التنظيمى إلى مفهوم المواطنة الشاملة.
كما أثارت الطبيعة العابرة للحدود للتنظيم تساؤلات مستمرة حول أولويات الانتماء وحدود العلاقة بين مقتضيات الدولة الوطنية والارتباطات التنظيمية الدولية.
وقد أدى ذلك إلى تراجع الثقة الشعبية في قدرة التنظيمات العقائدية على تقديم نموذج ناجح للحكم أو إدارة التنوع المجتمعي أو تحقيق التنمية الاقتصادية المطلوبة، خاصة في ظل التحديات المعقدة التي تواجهها دول المنطقة.
الأمن القومي يعود إلى صدارة الأولوياتساهمت التحولات الإقليمية والدولية في إعادة الاعتبار لمفهوم الأمن القومي، باعتباره أولوية استراتيجية للدول العربية.
فمع تصاعد النزاعات المسلحة وانتشار التنظيمات المتطرفة وتزايد التدخلات الخارجية، أصبحت مسألة الحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها قضية مركزية في السياسات الوطنية.
وقد أدى هذا التحول إلى مراجعة شاملة للمخاطر التي تواجه الدول، حيث لم تعد التهديدات العسكرية التقليدية وحدها هي مصدر القلق، بل برزت تحديات جديدة تشمل الحروب المعلوماتية، والتأثيرات الأيديولوجية العابرة للحدود، ومحاولات اختراق المجتمعات عبر الفضاء الرقمي، واستغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق أهداف سياسية.
وفي هذا السياق، أصبحت الدول أكثر حساسية تجاه التنظيمات التي تمتلك هياكل دولية أو ارتباطات عابرة للحدود، خاصة عندما تتعارض أجنداتها مع أولويات الأمن القومي أو الاستقرار الوطني.
التنمية الاقتصادية كعامل حاسممن العوامل المهمة في صعود الدولة الوطنية أيضاً إدراك الحكومات العربية أنّ الشرعية الحديثة لم تعد تُبنى فقط على الخطاب السياسي أو الأيديولوجي، بل على القدرة على تحقيق التنمية وتحسين جودة الحياة وتوفير فرص العمل وتعزيز الخدمات العامة.
وقد شهدت العديد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة إطلاق مشروعات تنموية واستراتيجيات اقتصادية طويلة المدى، تستهدف تنويع الاقتصاد وتطوير البنية التحتية وتعزيز التحول الرقمي، وبناء اقتصادات أكثر قدرة على المنافسة.
وأدت هذه التوجهات إلى تعزيز مركزية الدولة بوصفها القائد الرئيسي لعمليات التنمية والتحديث.
في المقابل، بدت التنظيمات العقائدية أقل قدرة على تقديم رؤى اقتصادية واقعية تتناسب مع متطلبات الاقتصاد العالمي الحديث، الأمر الذي أسهم في تراجع جاذبيتها لدى قطاعات واسعة من الشباب والنخب الاقتصادية والمهنية.
التحولات الاجتماعية وتغير الأجياللا يمكن فهم تراجع التنظيمات العقائدية دون التوقف عند التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها المجتمعات العربية خلال العقدين الأخيرين.
فقد أسهمت الثورة الرقمية والانفتاح الإعلامي واتساع فرص التعليم والتواصل العالمي في تشكيل أجيال جديدة تختلف أولوياتها عن الأجيال السابقة.
أصبحت قضايا مثل التعليم والوظائف وريادة الأعمال والتكنولوجيا والابتكار وجودة الحياة أكثر حضوراً فى اهتمامات الشباب، بينما تراجعت جاذبية الخطابات الأيديولوجية الكبرى التي كانت تستقطب قطاعات واسعة خلال فترات سابقة.
كما ساهمت وسائل التواصل الحديثة في كشف التناقضات الداخلية لبعض التنظيمات وإضعاف قدرتها على احتكار الخطاب أو السيطرة على تدفق المعلومات، وهو ما انعكس على قدرتها التعبوية والتنظيمية.
من الأيديولوجيا إلى البراجماتية السياسيةمن أبرز ملامح المرحلة الراهنة انتقال العديد من الدول العربية نحو مقاربات أكثر براجماتية في إدارة شئونها الداخلية والخارجية.
فبدلاً من الانشغال بالمشروعات الأيديولوجية الكبرى، أصبحت الأولوية لتعزيز الاستقرار وتحقيق التنمية وجذب الاستثمارات وتطوير القدرات الوطنية.
وقد انعكس ذلك على طبيعة العلاقات الإقليمية، حيث برزت مفاهيم جديدة تقوم على المصالح المشتركة والشراكات الاقتصادية والتعاون التنموي والأمني.
وفي ظل هذه البيئة الجديدة، تراجعت قدرة التنظيمات العقائدية العابرة للحدود على التأثير في مسارات السياسات العامة أو تشكيل بدائل استراتيجية مقنعة.
مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربيلا يعنى تراجع التنظيمات العقائدية العابرة للحدود نهاية الأفكار الأيديولوجية أو اختفاء التحديات المرتبطة بها، فهذه التنظيمات ما زالت تمتلك شبكات وعناصر وأدوات تأثير بدرجات متفاوتة.
إلا أن الاتجاه العام يشير إلى أن الدولة الوطنية استعادت موقعها بوصفها الفاعل الرئيسي في المجال السياسي والأمني والتنموي.
ويبدو أن مستقبل المنطقة العربية سيتحدد بدرجة كبيرة وفق قدرة الدول على تعزيز مؤسساتها، وتحقيق التوازن بين الأمن والتنمية، وترسيخ مفهوم المواطنة، ورفع كفاءة الحوكمة، والاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة.
فكلما نجحت الدولة في أداء وظائفها الأساسية وتلبية احتياجات مواطنيها، تراجعت المساحات التي يمكن أن تستغلها التنظيمات العقائدية أو المشروعات العابرة للحدود.
إن انتصار الدولة الوطنية في المرحلة الراهنة ليس مجرد انتصار سياسي على تنظيم أو تيار بعينه، بل هو تعبير عن تحوّل أعمق فى إدراك المجتمعات العربية لطبيعة التحديات التي تواجهها وللأدوات الأكثر فاعلية في التعامل معها.
فبعد سنوات من الاضطراب وعدم اليقين، باتت معادلة الأمن والاستقرار والتنمية واستمرارية الدولة تمثل القاعدة التي تُبنى عليها السياسات الوطنية، وأصبح الحفاظ على الدولة الوطنية وتعزيز قدراتها شرطاً أساسياً لمواجهة تحديات الحاضر والاستعداد لتحولات المستقبل.
** عضو مجلس الشيوخ السابق، ومتخصص في الإنذار المبكر وإدارة الأزمات الدولية** مجلة الوطن العربي - العدد التاسع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك