فوق ما تبقى من أقمشة إحدى الخيام الصغيرة والبالية في منطقة مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، كانت أكوام اللحم البشري المحترق والأشلاء المتلاصقة متناثرة على طول الطريق، فقبل دقائق قليلة كانت الشقيقات الأربع «تقوى ويقين وإحسان وإيمان محمد شبانة»، يجلسن إلى جوار بعضهن يتبادلن أطراف الحديث، إلاّ أنّه في ثوان معدودة باغتتهم قنبلة ألقتها طائرة «إف-16» إسرائيلية فوق مكان نزوحهم، لتتمزق أجسادهن وتلتحم ببعضها بفعل شدة الانفجار، يروي المشهد المأساوي حكاية أسرة كاملة انتهت في لحظة واحدة، قبل أن تجمع طواقم الإسعاف التي هرعت إلى المكان رغم خطر القصف مرة أخرى بقاياهن في كفن واحد بعد تعذر فصلهن وتُدفن في قبر واحد إلى جوار والدتهن وأخيهن عز الدين الذين استشهدوا في الاستهداف ذاته.
تعود تفاصيل المجزرة التي ارتكبتها مقاتلات الاحتلال الإسرائيلي إلى السابع عشر من مارس 2025، أي بعد نحو 5 أشهر من تطبيق قرار وقف إطلاق النار، حيث انتهت رحلة النزوح التي بدأت من مدينة رفح، أقصى جنوب قطاع غزة، إلى خيمة ظنت عائلة الفتيات الأربع أنها ستكون أكثر أمانًا من منازلهم التي ابتلعتها الحرب، لكن الخيمة تحولت إلى هدف مباشر، لتنضم الشقيقات الأربع إلى آلاف الضحايا الذين لم تنجح الخيام في حمايتهم من القصف.
يقول محمد شبانة، الشاب الثلاثيني، أحد أفراد العائلة، في تصريحات خاصة لـ«الوطن»، إنهم لم يرو الفتيات منذ بداية العدوان الإسرائيلي، بعدما فرّقت العمليات العسكرية أفراد الأسرة وقطعت وسائل التواصل بينهم: «عرفنا خبر استشهادهن كما عرفه كل الشعب الفلسطيني، عبر وسائل الإعلام، منذ بداية الحرب لم نكن نعرف عنهن شيئًا، حتى جاء خبراستهدافهن».
ومنذ سنوات بعيدة سبقت العدوان الأخير عاشت الشقيقات الأربع حياة مختلفة عن أقرانهن، فبحسب «شبانة» كانت الظروف الأمنية التي أحاطت بالعائلة تجعل حياتهن شديدة السرية والحذر، بسبب مكانة والدهن في المقاومة قبل أن يتم اغتياله، وهو ما جعلهن دائمات الابتعاد عن الظهور العلني، فلا حسابات لهن على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا حياة اجتماعية تشبه حياة بقية الفتيات، ورغم تلك الحياة المقيدة احتفظت كل واحدة منهن بحلمها: «الشهيدات كلهن متفوقات، كانت تقوى قد تخرجت في كلية العلاج الطبيعي، بينما أنهت يقين دراسة الهندسة المعمارية، في حين كانت إحسان وإيمان لا تزالان طالبتين في المرحلة الثانوية»، ويصفهن الشاب الثلاثيني بأنهن كن هادئات، طموحات ومحبات للحياة، كما أنهن كن يحفظن القرآن الكريم، ويضرب بهن المثل في الأخلاق والاجتهاد، فيما لم يكن الخوف من الاستهداف غائبًا عن العائلة، ويقول «شبانة» إن الجميع كان يتوقع أن تطالهم الغارات في الحرب والسلم، إلا أن انتظار الخطر شيء، ورؤية أربعة أحلام تُدفن في قبر واحد شيء آخر.
محو عائلات كاملة من السجل المدنيمن جهته قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الدكتور إسماعيل الثوابتة، إن الاحتلال الإسرائيلي محا 2700 عائلة بالكامل من السجل المدني الفلسطيني، موضحًا أن مصطلح «العائلات التي مُسحت من السجل المدني» لا يصف مجرد أرقام، وإنما يشير إلى عائلات أُبيدت بالكامل تحت القصف الإسرائيلي، دون أن ينجو منها فرد واحد.
وأكد «الثوابتة» أن هذا النمط من الاستهداف يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ويرقى إلى جريمة إبادة جماعية ممنهجة تستهدف المجتمع الفلسطيني وبنيته الأسرية، مشيرًا إلى أن الاحتلال يستهدف العائلات الفلسطينية بصورة ممنهجة ومدروسة بهدف القضاء عليها واقتلاعها من جذورها ومحوها بالكامل من السجل المدني الفلسطيني، ضمن حرب الإبادة الجماعية التي يشنها على قطاع غزة منذ أكثر من عام.
وأضاف أن هذا السيناريو تكرر مع العديد من العائلات في مختلف أنحاء القطاع، من شماله إلى جنوبه، مستشهدًا بالمجزرة التي ارتكبتها طائرات الاحتلال أواخر شهر أكتوبر الماضي بحق عائلة أبونصر، بعدما قصفت بالقنابل والصواريخ المدمرة والمخصصة لاختراق التحصينات مبنى مكونًا من خمسة طوابق فوق رؤوس أكثر من 300 شخص من مختلف الفئات العمرية، بينهم رجال ونساء وأطفال، واختتم «الثوابتة» حديثه بالقول: «رغم كل هذه الأهوال والقتل وسفك الدماء، إلا أن الفلسطيني، والغزاوي على وجه الخصوص، لا يزال متمسكًا بأرضه في مواجهة المحتل».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك