القدس العربي - كيف لا تحسن الولايات المتحدة توظيف مصادر قوتها؟ الجزيرة نت - 3 شهداء و15 مصابا بنيران الاحتلال في غزة قناة الجزيرة مباشر - ترمب: مذكرة التفاهم مع إيران كانت اختبارا ولم يلتزموا بها CNN بالعربية - إليك أبرز ما حدث في حفل تكريم لاعبي منتخب مصر باستاد القاهرة الليوان - اللحظة اللي كانت تنتظرها غنيمة لنهاية زوجها القدس العربي - لترامب: من يستسلم في هرمز يدفع الثمن مضاعفاً في “النووي” العربية نت - ترامب: سنوجه ضربات قوية لإيران مساء الاثنين والثلاثاء قناة الجزيرة مباشر - The Decline of the Left and the Rise of the Right Redraw the Geopolitical Map of Latin America القدس العربي - قراءة في الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي؟ القدس العربي - حول بعض نتائج قمة أنقرة
عامة

يريدون حرية الرأي.. ما دام الرأي رأيهم

الوطن
الوطن منذ 4 ساعات
2

هناك كلمات تولد بريئة، ثم يعبث بها الناس حتى تفقد براءتها، وكلمة «الوطن» واحدة من هذه الكلمات، كانت يوماً تعني البيت الكبير الذي يضم الجميع، فإذا بها عند البعض تتحول إلى ساحة اختبار، وكأن الوطن لم يعد...

هناك كلمات تولد بريئة، ثم يعبث بها الناس حتى تفقد براءتها، وكلمة «الوطن» واحدة من هذه الكلمات، كانت يوماً تعني البيت الكبير الذي يضم الجميع، فإذا بها عند البعض تتحول إلى ساحة اختبار، وكأن الوطن لم يعد يتسع إلا لصوت واحد، أو لرأي واحد، أو لمزاج واحد.

ولا أدري متى أصبح الاعتراف بالحقيقة يحتاج إلى اعتذار، ومتى صار الفرح بإنجاز في بلدك تهمة تستوجب الدفاع عن النفس، فكلما كتب أحدهم كلمة طيبة عن مشروع جديد، أو طريق اختصر المسافات، أو مدينة قامت من الصحراء، أو تطوير لمس مكاناً كان الناس يشتكون منه، وجد من يسارع إلى تعليق جاهز «يفتقد للياقة»، وكأن الحقيقة لا تصبح حقيقة إلا إذا كانت سوداء، وكأن الأخبار الجيدة لا تستحق أن تُروى.

الغريب أننا جميعاً نطالب بالحرية، وهذا حق لا خلاف عليه، لكن الحرية الحقيقية ليست أن تسمع من يشبهك فقط، وإنما أن تحتمل أيضاً من يرى الصورة من زاوية أخرى، فإن كنت تؤمن بحرية التعبير، فمن الأولى أن تقبل أن يعبر شخص عن سعادته بإنجاز يراه بعينيه، تماماً كما تقبل أن يعبر آخر عن انتقاده لما يراه خطأ، أما أن تتحول الحرية إلى حق حصري لفريق دون آخر، فهذه ليست حرية، وإنما انتقائية في توزيع الحقوق.

إن مصر ليست فكرة معلقة في الهواء، وليست عنواناً في صحيفة، ولا «بوست» على مواقع التواصل الاجتماعي، مصر ملايين البشر الذين يستيقظون كل صباح ليذهبوا إلى أعمالهم، ويبحثون عن حياة أفضل لأولادهم، ويفرحون عندما يجدون طريقاً أصبح أسهل، أو خدمة أصبحت أسرع، أو مشروعاً وفّر فرصة عمل، أو مدينة جديدة تفتح أبوابها للحياة، هؤلاء لا ينظرون إلى الإنجاز باعتباره شعاراً، وإنما باعتباره شيئاً يلمس تفاصيل يومهم.

وليس معنى ذلك أن كل شيء كامل، أو أن الأخطاء غير موجودة، أو أن الطريق بلا عقبات، فلا توجد دولة على وجه الأرض تخلو من المشكلات، ولا حكومة نجحت في كل شيء، لكن الفرق كبير بين من ينتقد لأنه يريد الإصلاح، وبين من يرفض الاعتراف بأي نجاح مهما كان واضحاً، الأول شريك في البناء، أما الثاني فيعيش أسير فكرة واحدة وهي أن كل شيء يجب أن يكون فاشلاً حتى تظل روايته متماسكة.

المؤسف أن بعض الناس أصبحوا يتعاملون مع الأخبار كما يتعامل مشجعو كرة القدم مع المباريات، إذا كان الخبر يخدم موقفهم صفقوا له، وإذا خالف قناعاتهم أنكروه، حتى لو كان يراه الجميع أمام أعينهم، لم يعد المقياس هو الحقيقة، وإنما مدى توافقها مع الموقف المسبق، ولذلك قد تجد خبراً عن مشروع أو إنجاز حقق فائدة حقيقية، فلا يلقى إلا السخرية والتقليل، بينما ينتشر خبر سلبي بسرعة البرق، وتتزاحم التعليقات والإعجابات وكأنهم وجدوا ما كانوا ينتظرونه.

هذه ليست مشكلة مصر وحدها، بل هي إحدى نتائج عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تكافئ الغضب أكثر مما تكافئ العقل، وتمنح الانتشار لما يثير الانفعال أكثر مما تمنحه لما يدعو إلى التفكير، فالخبر السلبي يركض أسرع، والاتهام يجد جمهوراً أكبر، أما الكلمات الهادئة فتسير على مهل، لأنها لا تستفز أحداً.

والأعجب من ذلك أن كثيراً ممن يعيشون في دول متقدمة يلاحظون بأعينهم كيف يختلف تعامل شعوب تلك الدول مع أوطانهم.

فهناك ينتقد المواطن حكومته إذا أخطأت، وقد يعارض سياساتها بكل وضوح، لكنه لا يعتبر الإساءة إلى وطنه بطولة، ولا يتعامل مع نجاح بلده باعتباره هزيمة شخصية، يعرف أن الحكومات تتغير، أما الأوطان فتبقى، وأن الخلاف السياسي شيء، والانتماء شيء آخر.

أما نحن، فقد اختلطت عند البعض الأوراق، حتى أصبح حب الوطن عندهم مرادفاً للتأييد المطلق، وأصبح النقد عند آخرين مرادفاً للهدم الكامل، وبين هذين الطرفين تضيع الحقيقة، ويضيع معها صوت العقل الذي يقول إن الإنسان يستطيع أن يحب بلده بصدق، وأن ينتقد أخطاءها بصدق أيضاً، دون أن يتخلى عن أحد الأمرين.

ليس المطلوب أن نصفق لكل شيء، وليس المطلوب أيضاً أن ننكر كل شيء، المطلوب فقط أن نكون منصفين، فإذا رأينا نجاحاً قلنا إنه نجاح، وإذا رأينا تقصيراً قلنا إنه تقصير، فالإنصاف لا ينتقص من الكرامة، بل يرفعها، والعدل في الحكم على الأشياء فضيلة لا ينبغي أن نخجل منها.

إن مصر مرت بسنوات صعبة، ولا تزال أمامها تحديات كبيرة، وهذا أمر لا ينكره عاقل، لكنها في الوقت نفسه شهدت تغيرات ومشروعات يراها الناس في الطرق، والمدن، والبنية الأساسية، والخدمات، وغيرها من المجالات.

وقد يختلف الناس في تقييم حجم هذه الإنجازات أو أولوياتها أو آثارها الاقتصادية، وهذا اختلاف طبيعي، لكن وجود الاختلاف لا يعني إنكار الواقع، كما أن الاعتراف بالواقع لا يعني إلغاء حق الاختلاف.

أحب وطنك كما تحب بيتك، قد ترى في جدرانه شقوقاً تحتاج إلى إصلاح، لكنك لا تتمنى سقوطه فوق رؤوس ساكنيه، وقد تغضب من ترتيب غرفه، لكنك لا تفرح إذا اشتعلت فيه النار، هذه هي المعادلة البسيطة التي يبدو أننا نسيناها وسط ضجيج السياسة وضوضاء المنصات الإلكترونية.

فإذا كتبت يوماً كلمة في حب مصر، لأنك رأيت فيها ما يستحق الحب، فلا تنشغل بمن يصفق لك أو بمن يهاجمك.

يكفي أن تكون صادقاً مع نفسك، ومنصفاً مع وطنك.

فحب الأوطان ليس تهمة، والاعتراف بالإنجاز ليس تطبيلاً، كما أن النقد المسؤول ليس خيانة، وبين هذه المعاني الثلاثة تعيش الأمم الكبيرة، وتكتب تاريخها بثقة، لا بصوت الضجيج.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك