منذ نهاية الحرب الباردة، ظلت الولايات المتحدة القوة الخارجية الأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب تفوقها العسكري، وإنما أيضًا بفضل ما تمتلكه من شبكة واسعة من أدوات القوة الاقتصادية والتجارية والدبلوماسية والسياسية.
فالوجود العسكري الأمريكي الممتد في الخليج العربي وشرق المتوسط والبحر الأحمر، والعلاقات الاستراتيجية مع غالبية دول المنطقة، وحجم الاستثمارات والتبادل التجاري، والدور المركزي للدولار والمؤسسات المالية الدولية، فضلًا عن القدرة على بناء التحالفات الدولية وقيادة المبادرات الدبلوماسية، جميعها تجعل من واشنطن في مقدمة القوى العالمية المتنافسة على النفوذ في الشرق الأوسط، حتى مع صعود أدوار قوى أخرى مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي والهند.
غير أن امتلاك مصادر القوة لا يعني بالضرورة حسن توظيفها.
فالمفارقة التي تكشف عنها خبرة العقود الماضية هي أن الولايات المتحدة كثيرًا ما أضرت بمصالحها الاستراتيجية وبصورتها في الشرق الأوسط نتيجة اعتمادها المفرط على القوة العسكرية باعتبارها الأداة الرئيسية لإدارة الأزمات والصراعات، مقابل تراجع الاهتمام بالدبلوماسية الوقائية، والعمل متعدد الأطراف، والبحث عن حلول سياسية مستدامة للقضايا المزمنة التي تعاني منها المنطقة.
لقد أصبح الاستخدام المتكرر للقوة العسكرية، سواء بصورة مباشرة أو عبر التحالفات الأمنية، سمة بارزة للسياسة الأمريكية، في حين تراجعت المكانة النسبية للدبلوماسية التقليدية وللقدرة على بناء التوافقات الإقليمية والدولية.
ولا يمكن إنكار أن القوة العسكرية الأمريكية توفر للدول العربية الخليجية وغيرها مظلة ردع مهمة في مواجهة التهديدات الإقليمية، كما تؤمن حرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، وتحافظ على توازنات استراتيجية يصعب الاستغناء عنها في المدى المنظور.
إلا أن تحويل هذه القوة إلى الأداة الأولى، وأحيانًا الوحيدة، في إدارة ملفات الشرق الأوسط أدى إلى نتائج عكسية عديدة.
فقد أظهرت تجارب العراق وأفغانستان، وكذلك العديد من التدخلات العسكرية المحدودة والضربات الجوية، أن القوة العسكرية قادرة على تغيير موازين القوى أو إسقاط أنظمة، لكنها أقل قدرة بكثير على بناء مؤسسات مستقرة أو إنتاج تسويات سياسية دائمة أو معالجة الأسباب البنيوية للصراعات.
وتزداد هذه الإشكالية وضوحًا إذا نظرنا إلى طبيعة الصراعات الراهنة في الشرق الأوسط.
فمعظمها لم يعد صراعًا تقليديًا بين جيوش نظامية، وإنما بات يرتبط بأزمات الدولة الوطنية، والانقسامات المجتمعية، والتنافس الإقليمي، والتحديات الاقتصادية، وصعود الفاعلين من غير الدول.
وهي جميعًا قضايا لا يمكن للقوة العسكرية وحدها أن تقدم حلولًا لها.
ولذلك فإن الإفراط في توظيف الأدوات الأمنية والعسكرية يحقق أحيانًا نجاحات تكتيكية، لكنه يترك المشكلات السياسية والاجتماعية من دون معالجة، بما يسمح بإعادة إنتاجها في صور جديدة.
ومن أوجه القصور الأخرى في السياسة الأمريكية تراجع الالتزام الحقيقي بالعمل متعدد الأطراف في إدارة أزمات الشرق الأوسط.
فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على حشد شركائها الأوروبيين والآسيويين، كما تستطيع الانفتاح على القوى الإقليمية العربية والتركية والإيرانية، والاستفادة من أدوار الوساطة التي تضطلع بها دول مثل مصر والسعودية وقطر وسلطنة عمان والأردن.
غير أن واشنطن غالبًا ما تميل إلى إدارة الملفات الكبرى بصورة أحادية أو من خلال تحالفات أمنية ضيقة، بما يقلل من فرص إنتاج حلول تحظى بشرعية إقليمية ودولية واسعة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى انسحاب أمريكي من المنطقة أو إلى تقليص الدور الأمريكي، بل بإعادة تعريف هذا الدور بما يجعله أكثر اعتمادًا على الشراكة مع القوى الإقليمية، وأكثر استعدادًا للاستماع إلى أولويات دول الشرق الأوسط بدلًا من الاكتفاء بفرض التصورات الأمريكية.
فالمنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة صعودًا ملحوظًا للدبلوماسية العربية، سواء في جهود الوساطة أو في محاولات احتواء الأزمات أو في السعي إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا.
وكان من الممكن للولايات المتحدة أن تستثمر هذا التطور إيجابيًا عبر دعم المبادرات العربية، بدلًا من الاكتفاء بإدارتها من الخارج أو التعامل معها باعتبارها أدوارًا ثانوية.
وتبدو الحاجة إلى مراجعة السياسة الأمريكية أكثر إلحاحًا عند تناول الصراع العربي الإسرائيلي، الذي يظل القضية المركزية الأكثر تأثيرًا في صورة الولايات المتحدة داخل الشرق الأوسط.
فمنذ سنوات طويلة تراجع الزخم الأمريكي الرامي إلى التوصل إلى تسوية سياسية عادلة ودائمة، بينما تصاعد التركيز على إدارة الأزمة بدلًا من حلها.
وأدى هذا التراجع إلى اتساع الفجوة بين الخطاب الأمريكي الداعي إلى السلام والاستقرار وبين السياسات العملية التي لم تنجح في وقف التوسع الاستيطاني، أو في توفير أفق سياسي حقيقي لإنهاء الاحتلال، أو في ضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
وقد أضرت هذه المقاربة بالمصالح الأمريكية نفسها، لأن استمرار الصراع دون حل يغذي دوائر العنف، ويقوض الاستقرار الإقليمي، ويضعف فرص التعاون الاقتصادي والأمني بين دول المنطقة، كما يحد من قدرة الولايات المتحدة على تقديم نفسها وسيطًا نزيهًا يحظى بثقة جميع الأطراف.
ومن ثم فإن استعادة الدور الأمريكي الفاعل لا تقتضي فقط العودة إلى مسار تفاوضي جاد، وإنما أيضًا تبني رؤية متوازنة تستند إلى قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتتعامل مع أمن إسرائيل وحقوق الفلسطينيين باعتبارهما عنصرين متكاملين لا متناقضين في أي تسوية مستقبلية.
ولا يقل أهمية عن ذلك تراجع الاهتمام الأمريكي بقضايا منع انتشار أسلحة الدمار الشامل والحد من سباقات التسلح في الشرق الأوسط.
فمنذ سنوات طويلة تتعامل واشنطن مع هذه الملفات بمنطق انتقائي يركز على بعض الدول ويتجاهل قضايا أخرى، الأمر الذي أضعف مصداقية جهودها وأثار تساؤلات واسعة بشأن معاييرها المزدوجة.
والحقيقة أن أمن الشرق الأوسط لن يتحقق عبر مزيد من سباقات التسلح أو عبر تراكم القدرات العسكرية المتطورة، وإنما عبر بناء منظومة أمن إقليمي تقوم على الثقة المتبادلة، والشفافية، وإجراءات بناء الثقة، والرقابة المتبادلة على التسلح، والعمل التدريجي نحو شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل.
وقد كانت هذه الفكرة مطروحة منذ عقود، لكنها لم تحظ بالدعم السياسي الكافي من القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
ومع أن الظروف الحالية تبدو معقدة، فإن استمرار سباقات التسلح، وتصاعد المخاوف المرتبطة بالبرامج النووية والصاروخية، وتزايد الإنفاق العسكري، كلها عوامل تجعل من الضروري إعادة إحياء هذا المسار ضمن إطار إقليمي تشارك فيه جميع دول المنطقة دون استثناء، وبرعاية دولية متوازنة.
وفي الوقت ذاته، تستطيع الولايات المتحدة أن تعزز نفوذها الحقيقي إذا أعادت الاعتبار لأدوات القوة الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، وليس فقط للقوة العسكرية.
فالاستثمار في مشروعات التنمية، ودعم التحول الاقتصادي، والتعاون في مجالات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتعليم والبحث العلمي، وبناء شراكات تجارية طويلة الأجل، كلها أدوات أكثر قدرة على ترسيخ النفوذ الأمريكي بصورة إيجابية ومستدامة.
كما أن توسيع برامج التبادل العلمي والثقافي، وتشجيع الابتكار، وتعزيز التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، يمنح العلاقات الأمريكية مع شعوب المنطقة عمقًا لا تستطيع القواعد العسكرية وحدها توفيره.
إن الولايات المتحدة لا تعاني من نقص في مصادر القوة داخل الشرق الأوسط، بل من اختلال في ترتيب أولويات استخدامها.
فالإفراط في الاعتماد على القوة العسكرية، والتردد في الاستثمار السياسي والدبلوماسي في تسوية الصراعات المزمنة، والابتعاد النسبي عن العمل متعدد الأطراف، كلها عوامل قللت من فعالية الدور الأمريكي رغم ضخامة الإمكانات المتاحة له.
وإذا أرادت واشنطن الحفاظ على مكانتها باعتبارها القوة العالمية الأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط، فإن عليها أن تنتقل من سياسة إدارة الأزمات بالقوة إلى سياسة صناعة الاستقرار بالدبلوماسية، وأن تنظر إلى الشركاء الإقليميين باعتبارهم أطرافًا مساهمة في صياغة الحلول لا مجرد متلقين للسياسات الأمريكية.
عندها فقط يمكن لمصادر القوة الأمريكية المتعددة أن تتحول إلى نفوذ مستدام يخدم مصالح الولايات المتحدة، ويسهم في الوقت نفسه في بناء شرق أوسط أكثر أمنًا واستقرارًا وتعاونًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك