كثيرون يخوضون في أذهانهم محادثات كاملة قبل أن تحدث في الواقع، فيراجعون الكلمات ويتوقعون الردود ويعيدون صياغة الحوار مرارًا.
وبينما يساعد هذا" التدريب الذهني" أحيانًا على الاستعداد للمواقف الصعبة وتنظيم الأفكار، فإنه قد يتحول إلى اجترار مرهق يزيد القلق ويكشف محاولة العقل السيطرة على مستقبل لا يمكن التنبؤ به.
فقبل أن نطلب زيادة في الراتب، أو نعاتب صديقًا، أو نرفض دعوة، نكون أحيانًا قد أجرينا المحادثة كاملة في رؤوسنا.
نختار الجملة الافتتاحية، ونتوقع الرد، ونجهز ما سنقوله إذا اعترض الطرف الآخر، ثم نعيد المشهد لأن نبرة صوتنا في النسخة الأولى لم تكن حاسمة بما يكفي.
وقد لا تكون المحادثة مقررة أصلًا، إذ يكفي أن نتخيل احتمال وقوعها حتى يبدأ العقل ببناء الحوار: ماذا سأقول إذا سألني؟ كيف سأرد إذا رفض؟ هل أشرح مطولًا أم أختصر؟ وهكذا ندخل في نقاشات صامتة مع أشخاص لا يعلمون أنهم يشاركون فيها.
فلماذا نستهلك كل هذا الوقت في حوارات لم تحدث، وقد لا تحدث أبدًا؟يستطيع الإنسان تخيل أحداث مستقبلية قبل وقوعها، وهي قدرة تساعده على التخطيط واختبار الخيارات والاستعداد للمواقف الغامضة.
ولا نتخيل الحوار لمجرد التسلية، وإنما نحاول اختباره في مساحة آمنة لا تترتب فيها نتائج فعلية على الكلمات.
وتظهر هذه" البروفات" غالبًا قبل المحادثات التي نشعر بأن شيئًا مهمًا يتوقف عليها، مثل مقابلة عمل، أو اعتراف، أو اعتذار، أو مواجهة عائلية، أو طلب نخشى رفضه.
وكلما ازدادت حساسية الموقف، ازدادت رغبتنا في دخوله ونحن نعرف، أو نظن أننا نعرف، ما سنقوله.
فنحن لا نتدرب عادة على سؤال عابر، بل نتدرب حين نخشى أن يُساء فهمنا، أو أن نعجز عن الدفاع عن موقفنا، أو أن نقول شيئًا نندم عليه لاحقًا.
محاولة للسيطرة على المجهولالمحادثة الحقيقية لا نملكها وحدنا، إذ يمكن للطرف الآخر أن يغير الموضوع، أو يصمت، أو يغضب، أو يجيب بطريقة لم تخطر لنا.
لذلك يحاول العقل تقليل مساحة المفاجأة عبر إعداد عدد من الاحتمالات مسبقًا.
أما في الحوار المتخيل، فنحن نتحكم في الكلمات والتوقيت وردود الفعل.
نستطيع إيقاف المشهد، وتصحيح العبارة، وإعادة النقاش حتى نصل إلى نهاية تبدو مقبولة.
ويمنحنا ذلك إحساسًا مؤقتًا بالاستعداد، حتى لو بقي الموقف الحقيقي خارج سيطرتنا.
ويرتبط القلق غالبًا بما لم يحدث بعد، وبصعوبة معرفة ما ينتظرنا.
ومن هنا يصبح بناء السيناريوهات محاولة لتحويل المستقبل الغامض إلى مشاهد يمكن فحصها والتعامل معها.
نحن لا نتدرّب على الكلام وحدهقد يبدو أننا نبحث عن الجملة المناسبة، لكن ما نحاول حمايته في كثير من الأحيان هو صورتنا أمام الآخرين.
فنحن نريد أن نبدو هادئين لا مرتبكين، وحازمين من دون قسوة، وصريحين من دون أن نجرح أحدًا.
ونراجع كلماتنا لأننا نتخيل كيف سيحكم الآخر علينا من خلالها: هل سيظن أننا ضعفاء؟ هل سيعتبرنا أنانيين؟ هل سنبدو مبالغين أو شديدي الحساسية؟ولهذا تتحول بعض الحوارات المتخيلة إلى محاولة لإدارة كل انطباع محتمل.
فلا نكتفي بتحديد ما نريد قوله، وإنما نختار النبرة، وتعبير الوجه، واللحظة المناسبة، وحتى الوقفة بين جملة وأخرى.
ويشتد هذا التفكير لدى من يخشون التقييم السلبي أو يشعرون بقلق أكبر في المواقف الاجتماعية، فكلما انشغل الشخص مسبقًا بكيف سيبدو، ازدادت احتمالات أن تمتلئ البروفة بتوقعات الفشل أو الرفض.
ليس كل حوار نجريه في الرأس علامة على القلق أو المبالغة، فقد يساعد التدريب الذهني على ترتيب الأفكار، وفهم ما نريد الوصول إليه، ومنع الانفعال من ابتلاع الرسالة الأساسية.
ويكون مفيدًا حين نخرج منه بإجابات واضحة: ما الذي أريد قوله؟ ما الحدود التي أريد وضعها؟ وما النتيجة الواقعية التي أبحث عنها؟وقد نكتشف، مثلًا، أن هدفنا ليس الانتصار في النقاش، وإنما شرح سبب انزعاجنا، أو نتنبه إلى أن الرسالة التي أعددناها طويلة، أو أن غضبنا يخفي طلبًا بسيطًا لم نقله بوضوح.
وهنا يعمل التدريب مثل تدوين نقاط قبل اجتماع، إذ يهيئنا للكلام من دون أن يقيدنا بنص يجب تنفيذه حرفيًا.
تبدأ المشكلة حين لا يعود التفكير وسيلة للاستعداد، وإنما محاولة مستحيلة لضمان نتيجة لا يمكن ضمانها.
فنعيد المشهد عشرات المرات، ونمنح الطرف الآخر في كل مرة اعتراضًا جديدًا، ثم نبحث عن رد أكثر إحكامًا.
وبدل أن يقل القلق، تتسع المحادثة وتتفرع، حتى يبدو اللقاء المرتقب أصعب مما كان في البداية.
ويُعرف هذا النمط أحيانًا باسم" المعالجة الاستباقية"، أي الانشغال قبل الموقف بتوقع الأداء وردود الآخرين، مع التركيز على الأخطاء المحتملة والصور السلبية عن الذات.
وفي هذه الحالة لا يجعلنا التفكير أكثر استعدادًا، وإنما أكثر توترًا.
والفرق بسيط في ظاهره: فالاستعداد يصل إلى نقطة ثم يتوقف، أما الاجترار فيطلب مزيدًا من السيناريوهات من دون أن يمنح صاحبه شعورًا بأنه أصبح جاهزًا.
لماذا لا تسير المحادثة كما رسمناها؟تفشل البروفات الدقيقة لأننا نكتب نصًا لشخصين، بينما لا نتحكم إلا في شخص واحد.
فقد نبدأ بالجملة التي حفظناها، ثم يرد الطرف الآخر بتعاطف لم نتوقعه، أو بسؤال جانبي، أو بكلمة تغير اتجاه الحديث كله.
وأحيانًا نستعد لمعركة، فنجد أن الطرف المقابل لا يريد القتال، وأحيانًا نعد خطابًا طويلًا، ثم تكفي جملة واحدة لقول كل شيء.
ولا يعني ذلك أن التدريب كان بلا فائدة، فقد يكون ساعدنا على فهم موقفنا، لكنه لا يستطيع التنبؤ بمحادثة حية تتشكل لحظة بلحظة.
لذلك يكون الاستعداد الأفضل قائمًا على المعنى لا على النص، بأن نعرف ما نريد التعبير عنه، ثم نترك للكلام مساحة ليتغير وفق ما نسمعه.
مساحة آمنة للكلمات الصعبةتؤدي المحادثات المتخيلة وظيفة أخرى أقل وضوحًا، فهي تمنحنا فرصة لقول ما لا نجرؤ بعد على قوله في الواقع.
فقد نعاتب شخصًا غائبًا، أو نشرح لأنفسنا سبب غضبنا، أو نجرب اعتذارًا لم نقرر تقديمه.
وليست كل هذه الحوارات تمهيدًا للحديث الفعلي، فبعضها وسيلة لفهم مشاعرنا، وبعضها يبقى في الداخل لأننا نعرف أن قوله لن يغير شيئًا.
وربما لا نحتاج إلى التخلص من هذه البروفات، وإنما إلى التوقف عن مطالبتها بما لا تستطيع تقديمه.
فهي قد ترتب أفكارنا، وتكشف ما نخافه، لكنها لا تستطيع كتابة ردود الآخرين أو تأمين نهاية مثالية.
وفي النهاية، لا تحتاج المحادثة الحقيقية إلى أن تجري كما تدربنا عليها، إذ يكفي أحيانًا أن تمنحنا البروفة شجاعة البدء، ثم نترك للباقي أن يحدث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك