في أثناء قراءة هذه الكلمات، سيكون رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (غالباً) في ضيافة الرئيس الأميركي، ترامب، بينما يخيّم على اللقاء شبح المرشد الإيراني الراحل خامنئي، فارضاً على الزيدي مفارقةً حادّةً بين لحظتَين؛ فهو قادم من عزاء حاشد أُقيم للمرشد في النجف وكربلاء، وكان الزيدي من بين أعضاء الوفد الذي استقبل جثمانه في المطار، وها هو يصافح قاتل المرشد، بل يحاول إغراءه بمزيد من العلاقات الاقتصادية والاستثمارات في بلده.
وهناك في بغداد، يترقّب قادة" الإطار التنسيقي" نتائج هذه المحادثات المهمّة من داخل لحظة التناقض نفسها التي يعيشها رئيس الوزراء، لكن من خلف الكواليس، بينما يقف في الأضواء رجل الأعمال الشاب الذي دفعوه إلى واجهة الأحداث.
بحسابات العاطفة والأيديولوجيا، ومهما كان التباين بين الزعماء الشيعة، صغارهم وكبارهم، وجزء كبير من قواعدهم الشعبية، فإنّهم لا ينظرون إلى المرشد الإيراني عدوّاً، ولا يرون مقتله إنجازاً كما يراه ترامب.
وفي أهون الأحوال، يمكنهم وصفه بـ" المرجع الديني الكبير"، وهو العنوان الذي رُفع في شعارات التعزية داخل العراق، ورافق جثمان الراحل في طوافه على الأضرحة المقدّسة.
ويمكن بسهولة أن نلحظ وصفاً سائداً في هذه البيئة السياسية لما قام به ترامب جريمة نكراء.
ولكن ها نحن نصافح جميعاً، من خلال ممثّلنا علي الزيدي، يد هذا المطلّخة بدم مراجع الدين، من أجل شيء يمكن أن تسوّقه الطبقة السياسية للجمهور العام: مصلحة البلاد.
ومن أجل شيء آخر أكثر حيويةً وأقرب إلى نبض القلب: مصالح الأحزاب والزعماء المادّية والمعنوية.
غادرت طائرة الزيدي بغداد وقد ألقى في أجوائها قنابل دخانية كبيرة غطّت على موضوع حلّ المليشيات ونزع سلاحها، ونعني بها حملة ملاحقة الفاسدين.
فعلى الرغم من تشكيك كثير من المراقبين في جدّية الحملة، فإنّها فعلت فعلها لدى الجمهور العام.
الخبر الأول في المتابعات العراقية اليوم هو الأموال الهائلة التي كُشفت بطرائق تذكّر بقصص ألف ليلة وليلة، كما في علاء الدين والمصباح السحري، وعلي بابا والأربعون حرامي، وغيرها.
هناك إثارة تحرّك الخيال في كلّ ما يتعلّق بالعثور على الأموال، ولهذا نراها ثيمةً، أو موتيفاً سردياً، يتكرّر في كثير من أفلام الإثارة والمسلسلات الأجنبية.
يريد الزيدي، من خلال كشف الكنوز المخبّأة في المجاري، أو التنانير الطينية، أو السقوف الثانوية، أو غيرها من الأماكن الغريبة لتخبئة الأموال، أن يبيّن جدّية الحكومة في ملاحقة الفاسدين.
لكنّه أثار صدمةً مضادّةً كبيرةً لدى كثير من العراقيين، محورها هذا التساؤل: إذا كانت هذه أموال الصغار، فكم يخبّئ الكبار إذن؟إنّه سؤال يثير الكآبة، وربّما الغضب.
وبدلاً من أن يُصفّق الجمهور للزيدي لأنّه ألقى القبض على الفاسدين، نكأ جراحهم بسبب تراكم الشائعات عن حجم المسروقات طوال الأعوام الماضية.
إنّ الزيدي، من حيث لا يريد ربّما، يقدّم تأكيداً مادّياً لشكوكهم السابقة، وأنّ الأموال المنهوبة أكبر من طموحات أيّ حملة ملاحقة.
الأنكى أنّ الزيدي، ومن خلفه قوى" الإطار التنسيقي"، يريد تقديم هذه الحملة ضدّ الفاسدين على مائدة الرئيس الأميركي، متمنّياً أن تنجح القنبلة الدخانية معه أيضاً كما نجحت مع بعض العراقيين، فلا يلحّ في السؤال عن المليشيات وحلّها.
كتب الزيدي، في مقال نشره في" واشنطن بوست"، أنّ" حكومته أحرزت تقدّماً في حصر السلاح بيد الدولة"، لكنّ" التقدّم" هنا وصف مطاطي، ربّما لن يقنع الرئيس الأميركي.
وغالباً، تخوض قوى" الإطار" لعبة قمار خطرة مع رجل ارتبط اسمه، في مرحلة سابقة من حياته، بكازينوهات أتلانتيك سيتي وصالات القمار.
فهي تريد إغراءه بالاستثمارات الكبيرة، وبتخصيص جزء من النفط العراقي لملء المخزون الاحتياطي الأميركي، في مقابل أن يمنح هذه القوى وقتاً كافياً للتعامل مع موضوع المليشيات، وقد يكون وقتاً كافياً ريثما يرحل الرئيس الأميركي من البيت الأبيض.
حينها، يمكن أخذ استراحة من ادّعاءات حلّ المليشيات!ولكن هل تكفي الاستثمارات والأموال لتهدئة الرئيس الأميركي، أم أنّ أولوية تحييد المليشيات الشيعية أكثر إلحاحاً في حربه المتجدّدة وغير المنتهية مع إيران؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك