لا تُقرأ بعض التجارب السياسية من خلال الخطب الرسمية أو السِيَر الشخصية فقط، بل أيضاً من خلال المؤسّسات والخيارات التي تتركها.
وربّما لهذا السبب تبدو تجربة أمير قطر السابق، الراحل حمد بن خليفة آل ثاني، قابلةً للقراءة بالوقوف على ثلاث إشارات سياسية وثقافية بقيت في الذاكرة منذ زيارات صحافية لكاتب هذه السطور إلى الدوحة قبل نحو عقدَين.
كنتُ صحافياً عربياً يتلقّى دعوةً لزيارة بلد عربي، ويسجّل ما يراه في دفتر ملاحظات في مكان كان يعيش مرحلة انتقالية واضحة.
ومع مرور السنوات، اكتسبت تلك المشاهد معنىً أكبرَ، لأنّها بدت مرتبطةً بخيارات استراتيجية طبعت مرحلةً كاملةً في المدينة، من فرص التعليم، والإعلام، والانخراط في قضايا المنطقة السياسية والإنسانية.
استشرفت الدوحة التحوّلات المُقبلة عبر فتح أبواب الحوار أمام تيّارات فكرية وسياسية متعدّدةكانت الإشارة الأولى في عام 2006، مع افتتاح المدينة التعليمية على هامش زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش قطر.
لم يكن المشروع مجرّد استضافة فروع لجامعات أميركية عريقة، بل كان إعلان تصوّر مختلف لدور الدولة الصغيرة في عالم يتغيّر، والاستثمار في التعليم العالي أداةَ نفوذ وبناء مستقبل.
وفي تلك الفترة، بدا واضحاً أنّ قطر كانت تحاول الانتقال من اقتصاد الثروة النفطية إلى اقتصاد المعرفة، ومن الحضور الجغرافي المحدود إلى الحضور الحداثي العالمي.
في تلك الزيارة، قدّمت فرقة كركلّا عرضاً فنّياً، يستعيد جانباً من تاريخ قطر المرتبط بالغوص بحثاً عن اللؤلؤ.
كان استحضار التراث طبيعياً، لكنّ المفارقة أنّ جيلاً جديداً من الشباب القطريين المشاركين في الحفل كانوا يدرسون في الجامعات الغربية، وكفّوا عن رؤية أنفسهم بالكامل على الصورة الماضية.
كانوا جزءاً من قطر جديدة تبحث عن لغة تجمع بين الذاكرة والحداثة، بين الهُويّة والانفتاح على مسرح عالمي أكبر.
كانت الإشارة الثانية في زيارتي قناة الجزيرة التي كانت آنذاك في ذروة حضوريها العربي والدولي.
لم تكن القناة مجرّد مشروع إخباري، بل محاولة لإعادة تعريف موقع الإعلام العربي في المجال العام العالمي.
إلى جانب الأخبار السياسية، كان هناك اهتمام بالوثائقي، وبالبرامج الثقافية، وبإنتاج خطاب بصري جديد.
كانت الرسالة أنّ القوّة لا تُبنى فقط بالموارد الاقتصادية، بل أيضاً بالقدرة على التأثير في صناعة الصورة، وبالرأي والرأي الآخر.
الإشارة الثالثة، فكانت في مؤتمر فكري واسع عن فلسطين ومستقبل قضيتها، في 2013، حين التقى مئات من الباحثين والمثقّفين الفلسطينيين والعرب، بدعوة من المفكّر عزمي بشارة، في نقاش مفتوح حول مستقبل فلسطين والصراع والمنطقة.
وقد اكتسب ذلك اللقاء أهمّيةً إضافيةً لاحقاً، ذلك أن كثيرين فيه كانوا من وجوه المعارضة السورية، مثل برهان غليون وميشال كيلو وجورج صبرة وعبد الباسط سيدا.
لم تكن الدوحة، كما غيرها، آنذاك تعرف تفاصيل المستقبل السوري، لكنّها كانت تفتح مساحةً سياسيةً وفكريةً لاستقبال تحوّلات كانت تتشكّل في المنطقة، ويومها لم يكن أحد يتوقّع حجم الزلزال الذي سيضرب بعد سنوات قليلة، لكنّ الدوحة كانت تبدو كأنّها تحاول استشراف التحوّلات المُقبلة عبر فتح أبواب الحوار أمام تيّارات فكرية وسياسية متعدّدة.
لكن اللافت أنّ المزاج الذي كان يطغى على الدوحة لم يكن مزاج انتظار الحرب، بل مزاج الاستثمار في المستقبل، وفي بناء أدوات حضور تتجاوز الجغرافيا المحدودة للدولة.
كانت قطر تدرك اقتراب الحرب على لبنان صيف 2006، وكانت المنطقة تدخل مرحلةً جديدةً من الصراعات.
لكنّ خيار الدوحة لم يكن الانكفاء، بل محاولة بناء أدوات تأثير لوقف تلك الحرب.
ومن موقع لبناني، لا يمكن قراءة مرحلة حمد بن خليفة من دون التوقّف عند علاقته بلبنان.
فبعد تلك الحرب، لم تكتف قطر بالموقف السياسي، بل شاركت في إعادة إعمار مناطق واسعة من الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية التي دُمِّرت.
كما لعبت دوراً أساسياً في استضافة مؤتمر الدوحة عام 2008، الذي أنتج تسويةً سياسيةً أنهت فراغاً رئاسياً وأعادت فتح مسار الحوار اللبناني الذي أوقف انزلاق لبنان نحو المجهول بعد أحداث أيار/ مايو من ذلك العام.
ودعمت الدوحة المؤسّسة العسكرية اللبنانية، واستمرّ هذا الدعم سنواتٍ في لحظات كان الجيش أحوج ما يكون فيها إلى مَن يسانده، ولا سيّما اليوم عندما يواجه ضغوطاً استثنائية.
لهذا، لا يحتاج اللبنانيون إلى شروحاتٍ كثيرة لفهم مكانة حمد بن خليفة في ذاكرتهم.
فهذه المكانة لم تصنعها الخُطب ولا البيانات، بل صنعتها الوقائع.
إنّها ذاكرة البيوت التي أُعيد بناؤها، حتّى أصبحت أسماء القرى تقترن في ذاكرة أهلها بالحضور القطري، وبالمؤسّسات التي وجدت من يساندها، وباللحظات التي فُتح فيها باب للحوار الداخلي، عندما بدا أنّ كلّ الأبواب الأخرى قد أُغلقت.
سيبقى اسم حمد بن خليفة مرتبطاً بمرحلة الإيمان بأنّ الاستثمار في الإنسان والحداثة والحوار هو طريق إلى النفوذقد تختلف القراءات بشأن أدوار قطر الإقليمية في عهد حمد بن خليفة، وهذا طبيعي في النقاش السياسي، لكن لا يمكن تجاهل أنّ الرجل نقل بلاده إلى موقع يتجاوز حجمها الجغرافي.
فقد اعتمد على مزيج من آليات القوّة الناعمة.
واليوم، بعد رحيله، تبدو تلك التفاصيل الصغيرة قصصاً أكثر وضوحاً ممّا كانت عليه آنذاك.
وربّما لهذا السبب، سيبقى اسم حمد بن خليفة، بالنسبة إلى كثيرين، مرتبطاً بمرحلة الإيمان بأنّ الاستثمار في الإنسان والحداثة والحوار يمكن أن يكون طريقاً إلى النفوذ، وأنّ الدولة الصغيرة تستطيع أن تترك أثراً كبيراً إذا امتلكت رؤيةً واضحةً وإرادةً لبنائها.
فالدوحة، في تلك المرحلة، كانت تتحدّث عن صاحب المشروع، جامعة تقول إنّ المستقبل يبدأ من التعليم في المدينة، و" جزيرة" تقول إنّ الإعلام أصبح قوّةً سياسيةً، ومؤتمرات تقول إنّ الحوار يمكن أن يكون أداةَ قوّة في زمن الصراعات، لا سيّما منها الاعتراف بأهمّية الحلول السياسية، وعبر التأكيد النهائي والمطلق لحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في مواجهة بربرية الاحتلال الإسرائيلي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك