صحيحٌ أنّ الناس لا تموت في الحروب بالأسلحة وحدها، الكلمات تقتل أيضاً، ذلك أنّ هناك دائماً من يتكفّل بالمهمّة الأصعب: أن يجعل الموت يبدو معقولاً، أو ثمناً لا بدّ منه.
ينطبق هذا التوصيف إلى حدّ كبير على السيناتور الأميركي ليندسي غراهام (71 عاماً)، الذي رحل مساء السبت الماضي.
وهذا السياسي المحافظ، صديق قديم لإسرائيل، وأحد أبرز مهندسي اللغة التي رافقت حرب دولة الاحتلال على غزّة، وسّع الحدود الأخلاقية لما هو مقبول في الخطاب السياسي الأميركي.
وإن كان بالإمكان دائماً العثور على سياسيين أميركيين يؤيّدون إسرائيل، طالما أنّ هذه الظاهرة جزء من الثوابت في واشنطن، فإنّ غراهام لم يكتفِ بالدعم التقليدي الذي يتحدّث عن" حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، العبارة التي أصبحت متلازمة في الدبلوماسية الأميركية، فلم يضع لهذا الدعم أيَّ سقف أخلاقي يحدّ من عدد القتلى أو من حجم الدمار أو من صور الأطفال الخارجين من تحت الركام.
استحضر غراهام في معرض دفاعه عن هذا" الحقّ" المزعوم هيروشيما وناغازاكي ليعيد تعريف ما هو ممكن أخلاقياً، في مقاربة ليست بريئةً تجعل من أفظع كوارث الماضي بحقّ الإنسانية سوابقَ يمكن الاستناد إليها: فإن كانت أميركا قد رأت ضرورةَ ضرب المدينتين بالسلاح النووي، فلماذا يُطلب من إسرائيل اليوم أن تتصرّف وفق معايير مختلفة؟حُرم غراهام من الامتيازات التي تصنع عادةً الطبقة السياسية الأميركية.
إذ فقد والديه صغيراً، وتوجّب عليه إعالة شقيقته وهو في بداية طريقه، لكنّه تمكّن من أن يكون أوّل من يلتحق بالجامعة من أفراد عائلته.
دخل المؤسّسة العسكرية قبل أن يزجّ نفسه في عالم السياسة.
لعلّه اعتاد مبكّراً أن يقدّم الأمن على العدالة، والقوّة على الحقّ، لكن هل تكفي التجارب الشخصية لتصنع عقائد السياسة؟ يفتح دعم الحزب الجمهوري إسرائيل أبواباً على أموال المانحين والإعلام المحافظ وجماعات الضغط والناخبين الإنجيليين، وانحياز غراهام إلى إسرائيل، وهو المقرّب من (المتأثر بـ) جون ماكين وجوزيف ليبرمان، جزء من رؤية ترى في الهيمنة العسكرية الأميركية، وتحالفاتها، وسيلةً لتنظيم العالم.
هو ابن ثقافة تقليدية تعتبر إسرائيل امتداداً استراتيجياً وأخلاقياً للولايات المتحدة.
لذلك، لم يكن هذا الأكثر من حليف (دولة الاحتلال الإسرائيلي) يُقاس بمعايير القانون الدولي، وإنّما بمعايير الأمن الأميركي، وهي معايير جعلت (وتجعل) كلّ نقد لإسرائيل إخلالاً بأمن الأميركيين القومي.
كان غراهام معمدانياً دأب على مخاطبة الإنجيليين بمفردات العقيدة، فوصف حرب إسرائيل في غزّة بأنّها" دينية"، في الوقت نفسه، توجّه إلى العسكريين بعبارات الردع والحسابات الأمنية، وتحدّث مع الإدارات السياسية الأميركية بلغة المصالح، مؤكّداً أنّ عدد الضحايا المدنيين في غزّة لن يدفعه إلى مراجعة هدف إسرائيل بالقضاء على" حماس".
كان إلى حدّ بعيد قناةَ نفوذ ووسيطاً سياسياً، ومهندساً للتحالفات في الكواليس.
بعدما هاجم ترامب في 2016، أصبح من أقرب حلفائه، ونقل له رسائل من نتنياهو، ودفع نحو مواقف أكثر تشدّداً ضدّ إيران والفلسطينيين، وضدّ المحكمة الجنائية الدولية.
وحرص حتّى أيّامه الأخيرة على إبقاء ملفّ التطبيع الإسرائيلي – السعودي فوق الطاولة، داعماً لطوفان الاستيطان في الضفّة.
لا تعني خسارة إسرائيل صديقها ليندسي غراهام خسارةً للتحالف الأميركي الإسرائيلي، فالعلاقات الدولية محكومة بالمصالح، وفي الكونغرس عشرات السياسيين المُستعِدّين للدفاع عن دولة الاحتلال، فالمسرح السياسي نفسه لا يزال قائماً يعيد إنتاج اللغة ذاتها، إلّا أنّ ما ميّز غراهام أنّه كان أكثر وقاحةً مقارنةً بآخرين فضّلوا أن يتحدّثوا بدبلوماسية.
ولن تنتهي الحكاية برحيل غراهام، طالما أنّ الأفكار تحتاج إلى وقت، قد يطول، بعد رحيل أصحابها، وهو ما لن يحدث تلقائياً.
ما يستحقّ التأمّل بعد رحيله (غير مأسوف عليه) هو تلك اللغة التي تركها خلفه، لغة لم تصف الحرب بقدر ما كانت تعيد تشكيلها، فبرّرت القتل حين أعادت تعريفه خياراً سياسياً" عادلاً"، ولم ترَ في قطاع غزّة أيَّ كارثة إنسانية يجب وضع حدّ لها.
والخشية أن تظلّ تلك اللغة تتحدّث بطلاقة في واشنطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك