أدى دخول حركة طالبان الباكستانية إلى إقليم بلوشستان في الفترة الأخيرة، وهو أكبر الأقاليم الباكستانية مساحة وأكثرها غنى بالموارد الطبيعية، إلى مضاعفة التحديات الأمنية التي يواجهها الإقليم، وخصوصاً وسط تنسيق بين الحركة والجماعات الانفصالية البلوشية.
وكانت الأيام الأخيرة الأكثر دموية لرجال الأمن الباكستانيين (الشرطة والقوات شبه العسكرية والجيش)، إذ بدأت موجة عنف بعد أن نفذت حكومة حركة طالبان الأفغانية في الأول من يوليو/ تموز الحالي هجمات بمسيّرات انتحارية على منزل ومزرعة زعيم قبلي يدعى فيض الله خان، مكلف من قبل الجيش الباكستاني بتجنيد عناصر الجيش الأفغاني السابق ضد حكومة" طالبان"، وفق رواية الحكومة الأفغانية، لتنطلق موجة جديدة من العنف.
في المقابل، أعلن الجيش الباكستاني في 11 يوليو الحالي إطلاق عملية عسكرية شاملة في بلوشستان تسمى" عملية شعبان"، قتل خلالها حتى الآن 102 من المسلحين، والعملية لا تزال متواصلة، يشارك فيها سلاح الجو أيضاً.
وقال المتحدث باسم الجيش الباكستاني الجنرال أحمد شريف، في مؤتمر صحافي في الثامن من الشهر الحالي، إنه خلال أربعة أيام (حتى 8 يوليو الحالي) قُتل 42 من رجال الأمن والجيش في هجمات المسلحين في إقليم بلوشستان.
واتهم الهند بالوقوف وراء ما يحدث في بلوشستان، وأنها تستخدم الأراضي التي تسيطر عليها حكومة" طالبان"، مهدداً حكومة حركة طالبان بأن الجيش الباكستاني سيستهدف كل من يقف وراء ما يحدث في باكستان، تحديداً في بلوشستان.
وأضاف: سنستهدف قيادات طالبان الباكستانية ومسلحيها ومن يدعمها، أينما كانوا.
نحن لن نقبل المساومة على أمن باكستان واستقرارها.
وبعد تصريحات المتحدث باسم الجيش الباكستاني ازداد الوضع سوءاً، إذ عُثِر على جثامين 21 من عناصر الأمن في التاسع من الشهر الحالي، كانوا قد اختُطِفوا في السابع من يوليو الحالي، خلال هجوم مسلح لحركة طالبان الباكستانية على مركز أمني في منطقة زيارت في ضواحي بلوشستان.
كذلك تعرّض في التاسع من يوليو الحالي منزل للزعيم القبلي محمد شفيق منغل في منطقة خضدار لهجوم انتحاري، ما أدى إلى مقتل 14 شخصاً، بينهم خمسة من عناصر الأمن الباكستاني والباقون من جنود الجيش القبلي الموالي للجيش.
إضافة إلى ذلك، وفي العاشر من الشهر الحالي، هاجم مئات المسلحين من" جيش تحرير بلوشستان" مدينة تشاغي، وسيطروا عليها بشكل كامل، ونهبوا كل البنوك الموجودة فيها، وأحرقوا المواقع الأمنية فيها والسيارات وانسحبوا من المدينة مساء اليوم ذاته.
والمفارقة أن المئات من سكان تشاغي خرجوا إلى الشوارع يرحبون بالانفصاليين البلوش ويلتقطون معهم الصور، بينما كان المتحدث باسم الجيش الباكستاني الجنرال أحمد شريف قد أكد، قبل يومين من ذلك، أن سكان بلوشستان والقوات الأمنية معاً يحاربون هؤلاء المسلحين الذين يعملون وفق أجندات أجنبية.
وكان الزعيم القومي، وهو زعيم المعارضة في البرلمان، محمود خان اجكزاي قد أكد، في مؤتمر صحافي في التاسع من يوليو الحالي، تعليقاً على كلام أحمد شريف، أن قضية بلوشستان في الأساس قضية حقوق، مضيفاً أن العرقية البلوشية والبشتونية محرومة حقوقها ولا توجد مقومات حياة في هذا الإقليم، من هنا الحل في إعطاء سكان الإقليم حقوقهم دون استخدام السلاح ضدهم، وإن التهديد بالقتل وشنّ العمليات المسلحة ضد أبناء الإقليم لن يأتي بخير.
عبد الله مهمند: تبني السلطات الخيار العسكري وحمل السلاح في وجه سكان الإقليم خطأ فاحشوفي السياق، أكد الإعلامي الباكستاني عبد الله مهمند، لـ" العربي الجديد"، أن المشكلة الأساسية أن السياسة اليوم كلها بيد الجيش، ومعضلة بلوشستان ليست أمنية ولا عسكرية، هي سياسية ومدنية ومعيشية، من هنا التعامل معها من خلال تبني الخيار العسكري وحمل السلاح في وجه سكان الإقليم خطأ فاحش.
وأشار إلى أن سكان إقليم بلوشستان يعيشون حالة معيشية مزرية، وإلى أن تتغير حالة هؤلاء لا يمكن تحسن الأوضاع في بلوشستان، ولا يمكن القضاء على الجماعات المسلحة، لأن حرمان سكان الإقليم حقوقهم يغذي الحرب المستعرة هناك.
وحول اتهام إسلام أباد لكابول بأنها تهيئ الجو وتمنح المسلحين فرص التدريب والتخطيط على ثرى أفغانستان، قال مهمند: " هذا صحيح، ولكن السؤال، أن هؤلاء المسلحين بعدما يدخلون من أفغانستان إلى باكستان، يعبرون مئات الكيلومترات كي يصلوا إلى أهدافهم، أين مؤسسات الدولة الأمنية؟ أين الاستخبارات، والجيش؟ علينا أن نقبل أن مؤسسات الدولة تفشل فشلاً ذريعاً".
وكان الزعيم القبلي والوجه السياسي الشهير سردار أختر منغل، وهو زعيم الجماعة القومية البلوشية، قد أكد في مؤتمر صحافي في 11 الشهر الحالي، أن الجيش يقوم بكل أنواع الظلم، وهو يقوم بما تقوم به إسرائيل في غزة.
وحكى قصة قيادي في حزبه يدعى سردار نصير خان وهو تجاوز 70 عاماً، قائلاً في ليلة الثامن من الشهر الحالي إن سردار نصير خان كان داخل منزله في منطقة زيارت، وإذا بقوات الجيش تداهم منزله، وبدأ أحد الضابط بضربه دون أي سبب، فحاول أحد أبنائه أن يمسك يد الضابط، وإذا بعنصر من الجيش يطلق النار عليه ويرديه قتيلاً، ثم أخذوا الزعيم القبلي وأبناءه إلى مركز للجيش مع جثة القتيل.
وأضاف: في الصباح جاء زعماء القبيلة وتباحثوا مع ضباط الجيش في القضية، ضباط الجيش طلبوا منهم أن يعترفوا بأن الشاب الذي قتل (ابن نصير) إرهابي، وهو قتل بعد أن أطلق النار على قوات الجيش.
ثم أعطوا لهم جثمان الشاب وأطلقوا سراح الزعيم القبلي وأبناءه.
وتساءل منغل: أبناء هذه القبيلة ماذا سيفعلون؟ وأي طريقة سيختارون؟ بطبيعة الحال، حمل السلاح ضد الجيش.
وتابع: الآن الآباء والأمهات البلوش يشجعون أبناءهم على حمل السلاح ضد الجيش، لأنهم لو بقوا في منازلهم سيُخفَون قسراً ثم يُرمى بجثثهم في الشوارع.
وتابع: إذا كان الجيش يقوم بكل هذا، فعليه ألّا يتوقع من البلوش والبشتون أن يقوموا بغير حمل السلاح في وجهه، لافتاً إلى أن إقليم بلوشستان خرج من قبضة الجيش، هذا أمر لا شك فيه.
حاضنة الجيش في بلوشستان هدفاً للمسلحينفي المقابل، وفيما سعى الجيش الباكستاني لتحريك حاضنته الشعبية في الآونة الأخيرة ضد الجماعات المسلحة، أصبحت تلك الحاضنة هدفاً للمسلحين هذه الأيام.
على سبيل المثال، استهدفت مسيّرات" طالبان" الأفغانية منزل الزعيم القبلي ملك فيض الله خان ومزرعته في الأول من يوليو الحالي.
وفيض الله خان كان مسؤولاً عن تنظيم جيش قبلي وتنظيم عناصر الجيش الأفغاني السابق وتجنيدهم ضد حكومة" طالبان"، وفق الرواية الأفغانية، وقد أدى الهجوم إلى تدمير المنزل ودار الضيافة والمزرعة.
وأكدت مصادر قبلية، لـ" العربي الجديد" أن المشروع منذ ذلك الحين متوقف تماماً، وأن ملك فيض الله خان لم يرجع إلى المنطقة.
كذلك شنّ مسلحو" طالبان" الباكستانية هجوماً كبيراً شارك فيه مئات المسلحين على منطقة سياحية تسمى ورك قريبة من مدينة كويتا، وقتل خلال الهجوم سبعة من عناصر القبائل، التي كانت بصدد تنظيم الجيش القبلي لمساعدة الجيش الباكستاني.
لم يكتفِ المسلحون بقتل بعض هؤلاء، بل أيضاً خطفوا 15 شخصاً، وقد نشرت" طالبان" الباكستانية في العاشر من الشهر الحالي، تسجيلاً مصوراً لمن خُطفوا من عناصر القبائل.
وقال أحد القياديين في التسجيل، إن هؤلاء في قبضتنا، لن نقتلهم، لكن على القبائل جميعاً ألا تقف إلى جانب الجيش، وإلا فانتقام الحركة سيكون قاسياً للغاية وغير مسبوق.
وفي التاسع من الشهر الحالي نفذ" جيش تحرير بلوشستان" الانفصالي هجوماً انتحارياً على منزل زعيم قبلي يدعى محمد شفيق منغل، وهو الآخر كان يعمل على تجنيد عناصر الجيش الأفغاني السابق ضد" طالبان" الأفغانية وتشكيل جيش قبلي.
وفق رواية" جيش تحرير بلوشستان"، فقد أدى الهجوم إلى مقتل 14 شخصاً، خمسة منهم رجال أمن وتسعة من الجيش القبلي.
تنسيق مع" جيش تحرير بلوشستان"ومما أقلق السلطات التنسيق بين" طالبان" الباكستانية و" جيش تحرير بلوشستان"، كذلك فإن المسؤولين يضيفون إليه" طالبان" الأفغانية، حيث نفذت" طالبان" الباكستانية هجمات كبيرة على قوات الأمن في مناطق نفوذ" جيش تحرير بلوشستان"، مثل زيارت، وهناك أيضاً ترابط زمني بين تلك الهجمات.
كذلك نوعية الهجمات هذه المرة مختلفة، إذ يبدو أن تلك التنظيمات تسعى لأن تجعل المنطقة خالية من الوجود الحكومي، فهم يحرقون كل السيارات التي تنتمي إلى إقليم البنجاب، ويفجرون الجسور، بالإضافة إلى نهب البنوك وحرق المكاتب الحكومية والمراكز الأمنية مثل ما حدث في مدينة تشاغي.
نويد صديقي: إقليم بلوشستان يواجه حالة خطيرة وغير مسبوقة إذ ارتفعت وتيرة العنف بنسبة 250%وفي تعليق على ذلك، قال المحلل السياسي نويد صديقي، لـ" العربي الجديد"، إن ما تواجهه باكستان عموماً، وإقليم بلوشستان على وجه الخصوص، حالة خطيرة وغير مسبوقة، وذلك بسبب سيطرة" طالبان" على أفغانستان، حيث ارتفعت وتيرة العنف بنسبة 250% بعد أن وصلت" طالبان" إلى سدة الحكم في كابول.
وأوضح أن الأيام الأخيرة في بلوشستان كانت صعبة للغاية بسبب تنسيق الجماعات المسلحة فيما من جهة، وبسبب التنسيق بين أفغانستان والهند من جهة أخرى ضد باكستان، ولكن في المقابل هناك ثغرات كبيرة وكثيرة في المنظومة الأمنية في باكستان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك