يحمل الشاب الفلسطيني عبد الله رويشد صينية الطعام بين طاولات أحد مطاعم وسط غزة، يبتسم للزبائن ويستقبل طلباتهم بهدوء.
قليلون يعرفون أن الشاب كان قبل أشهر يقف في مطبخه الخاص داخل مخيم جباليا شمالي القطاع، يدير مطعمه الشعبي الذي دمرته حرب الإبادة بالكامل.
لم يكن رويشد (26 عاماً) يتخيل أن يتحول المكان الذي كان يقف فيه يوماً لإعداد الوجبات واستقبال الزبائن إلى مجرد ذكرى، وأن يصبح هو نفسه نادلاً في أحد المطاعم، بعد أن كان صاحب مشروع صغير بناه بجهده على مدار سنوات.
لكن الحرب التي اجتاحت غزة لم تترك له، كما لآلاف الغزيين، سوى خيار البدء من جديد، ولو من نقطة أبعد بكثير مما بدأ منها أول مرة.
قبل الحرب، كان رويشد يدير مطعماً شعبياً في مخيم جباليا للاجئين، وبدأ المشروع بإمكانات متواضعة، لكنه أخذ ينمو تدريجياً بفضل اجتهاده وإقبال الزبائن الذين اعتادوا زيارة مطعمه، لما يقدمه من طعام شعبي بجودة عالية وأسعار مناسبة.
وكان يحلم بتوسيع مشروعه وافتتاح فرع أكبر، حتى جاءت الحرب وقضت على كل ما بناه، فلم ينجُ المطعم من الدمار، كما دمرت طائرات الاحتلال منزل العائلة، لتتبخر سنوات من التعب والعمل خلال لحظات.
منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة، وجد رويشد نفسه في رحلة طويلة من النزوح داخل شمال القطاع، متنقلاً من مكان إلى آخر هرباً من القصف الذي لم يتوقف.
عاش الحصار بكل تفاصيله القاسية وفقد أشخاصاً وأماكن شكلت جزءاً من حياته، كما تعرض لإصابة خلال أشهر الحرب، لتزداد معاناته، في وقت لم يكن يشغل تفكيره سوى كيفية النجاة هو وعائلته وسط حرب لا تعرف التوقف.
ويقول رويشد إن أكثر ما كان يؤلمه هو شعوره بالعجز أمام الجوع الذي ضرب القطاع، رغم أنه كان يعمل في مهنة إعداد الطعام.
فمن كان يطهو الوجبات ويطعم أبناء حارته وجد نفسه عاجزاً عن توفير لقمة خبز لأسرته.
عاش المجاعة بكل تفاصيلها، وفقد جزءاً كبيراً من وزنه نتيجة نقص الغذاء، بعدما تحولت المواد الغذائية إلى سلع نادرة وأصبح الحصول على وجبة واحدة يومياً تحدياً حقيقياً.
ويستذكر تلك الأيام قائلاً إن المفارقة كانت قاسية، فالمطعم الذي كان يجمع الناس حول الطعام اختفى وأصبح صاحبه يبحث عن أي شيء يسد به رمق عائلته.
لم تعد الأحلام تدور حول تطوير المشروع أو زيادة الأرباح وإنما انحصرت في النجاة من القصف وتأمين الطعام والماء والبحث عن مكان آمن يبيت فيه مع أفراد أسرته.
ومع توقف الحرب، عاد رويشد ليواجه واقعاً لا يقل قسوة عن أيامها، حاول أكثر من مرة إعادة افتتاح مطعمه الشعبي وبدأ يبحث عن المعدات الأساسية التي يحتاجها للانطلاق من جديد، إلا أن أسعار المستلزمات كانت مرتفعة بشكل غير مسبوق، نتيجة شح البضائع واستمرار القيود على إدخالها إلى القطاع، ما جعل إعادة تأسيس المشروع أمراً يفوق قدرته المالية.
وأمام هذا الواقع، لم يجد خياراً سوى العمل نادلاً في أحد المطاعم وسط القطاع، إذ فضّل البقاء قريباً من المجال الذي يحبه ويجيد العمل فيه.
ويقول إن المطاعم ليست مجرد مصدر رزق بالنسبة له، وإنما مهنة يشعر بالانتماء إليها ويأمل أن تكون هذه الخطوة بداية طريق يعيده يوماً إلى امتلاك مشروعه الخاص من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك