لم تكن محافظة إدلب يوماً مجرّد مساحة جغرافية عاشت سنوات الحرب السورية، بل ظلت على الدوام متحفاً مفتوحاً يضم آلاف المواقع الأثرية التي تختصر تعاقب الحضارات منذ عصور ما قبل التاريخ مروراً بالرومانية والبيزنطية والإسلامية وصولاً إلى العصور الحديثة.
تلك الثروة التاريخية الهائلة وجدت نفسها في السنوات الماضية في مواجهة سلسلة من الأخطار المتراكمة، بدءاً من القصف والعمليات العسكرية، مروراً بأعمال التنقيب غير الشرعية والسرقات، وليس انتهاء بالزلازل والعوامل الطبيعية والإهمال الذي طاول مواقع كثيرة مهمة.
ورغم أنَّ الحرب وضعَتْ أوزارَها على الأراضي السُّوريَّة، فإن معْركة الحفاظ على التراث لمَّا تَنْتَهِ بَعْدُ، فبين جدران القلاعِ المتصَدعَة وَالمدافن المُكْتَشَفَة حديثاً، والمتاحف التي تنتظر إعادة التأهيل والترميم، تحاول الجهات المعنية اليوم إنقاذ ما تبقى من ذاكرة المنطقة قبل أن تضيع أجزاء أخرى منها إلى الأبد.
كثيرين من الأهالي في إدلب اعتادوا النظر إلى الأبنية التاريخية باعتبارها جزءاً طبيعياً من المشهد اليومي، لكن المشهد تغير بعد أن جعلت قوات النظام السابق منها ثكنات عسكريةفي أحد أحياء مدينة معرّة النعمان، وبينما كان العمّال يحفرون أساسات منزل جديد فوق أنقاض بناء دمّرته الحرب، اصطدمت معاولهم بجدار حجري مختلف عن بقية الركام، ومع استمرار الحفر ظهرت ملامح مدفن بيزنطي قديم مزيّن بتفاصيل معمارية لا تزال واضحة رغم مرور قرون طويلة.
ليست هذه الحادثة استثناء، فمنذ عودة الأهالي إلى مدنهم وقراهم وبدء عمليات إعادة البناء تكرّرت مثل هذه الاكتشافات في أكثر من موقع داخل المعرّة ومحيطها، فكثير من الأراضي التي بدت خالية للعيان، كانت تخفي تحتها طبقات متراكمة من التاريخ.
وعلى امتداد جبل الزاوية، تنتشر القرى الأثرية المعروفة شعبياً بـ" آثار كفرنبل والبارة"، وهي من أهم التجمّعات الأثرية في الشرق الأوسط، وبين هذه القرى تبرز مواقع مثل سرجيلا و شنشراح ورويحة وجرادة التي ما تزال تحتفظ بأجزاء واسعة من عمرانها القديم.
لكن هذه المواقع لم تنجُ من الكوارث المتلاحقة، فالقصف الذي طاول المنطقة خلال سنوات الحرب ألحق أضراراً متفاوتة ببعض المباني، ثم جاء زلزال عام 2023 ليضيف طبقة جديدة من الدمار، خاصة في الأبنية المرتفعة التي كانت قد تعرضت سابقاً لهزات أرضية تاريخية متكررة.
يروي محمود الطه، وهو أحد سكان قرية بليون في جبل الزاوية، أن" كثيرين من الأهالي اعتادوا النظر إلى تلك الأبنية باعتبارها جزءاً طبيعياً من المشهد اليومي، لكن المشهد تغير بعد أن جعلت قوات النظام السابق منها ثكنات عسكرية وعاثت فيها فساداً بعد أن حفرت الأنفاق وغيّرت الكثير من معالمها بنقل حجارتها من مكان إلى آخر لجعلها دشمات يختبئون خلفها، وجاء الزلزال بعدها وحين رأينا الحجارة الضخمة تتساقط من بعض المباني القديمة أدركنا أن هذه الأماكن ليست مجرد أطلال، بل شيء يمكن أن نفقده فعلاً إذا لم تتم حمايته".
يتذكر محمود جيداً فجر ذلك اليوم المشؤوم، 6 فبراير/ شباط 2023، كيف كان الهواء البارد يلسع الوجوه قبل أن ترتجف الأرض فجأة تحت أقدامهم، يصف لحظة السقوط بصوت يختلط فيه الخوف بالذهول" سمعنا صريراً غريباً يتسلل من بين طبقات الحجر العتيق، كأن المبنى يئن تحت وطأة القرون، ثم تدحرجت كتلة ضخمة من أعلى السور الشرقي، محدثة دويا هز صدورنا، وترك خلفه جرحاً غائراً في جسد المعْلم الأثري".
في تلك اللحظة، لم ينظر الأهالي إلى منازلهم المتشققة فقط، بل تبادلوا نظرات مذعورة نحو الآثار التي حرست القرية منذ عهد الرومان، تجمع الرجال تحت شجرة التوت العجوز، وصعد الشباب إلى التلال المجاورة يتأملون الأحجار المتناثرة كأنها عظام مكسورة، هناك أدرك محمود أن فقدان هذه الآثار ليس مجرد خسارة مادية، بل هو محو لهوية منطقتهم من وجه الأرض.
ومنذ ذاك اليوم تغيرت المواقع الأثرية في عيون القرويين، وأصبحوا ينظرون إلى كل نقش ونحت وكأنه مخطوطة ثمينة، بدأوا يجمعون القطع الحجرية المتساقطة، يسجلون أماكنها ويتهامسون عن كيفية حمايتها لا بوصفهم سياحاً يقدّسون الماضي بل لكونهم أبناء يمسحون دمعة عن وجه أب عجوز.
يقول محمود: " لم نكن نعلم أن هذه الأحجار تحمل نبض قريتنا، لكن الزلزال كشف لنا أننا نحن من نحتاج إلى حمايتها لأنها إن سقطت، سقطت معها حكايتنا التي لم نروها بعد لأبنائنا".
ارتبطت ظاهرة التنقيب العشوائي في السنوات الماضية بالظروف الاقتصادية الصعبة وغياب فرص العمل، إذ تحولت فكرة العثور على كنز مفاجئ بالنسبة له ولبعضهم إلى أمل للخروج من الفقروفي قرية قلب لوزة التي تقع غرب إدلب، اجتمع عدد من الشبان ليلاً قبل سنوات حول روايات متوارثة عن جرار ذهب مدفونة تحت الأرض، بعضهم باع مقتنيات شخصية، وآخرون استدانوا المال لاستئجار حفّارات ومعدات بحث بدائية، وبعد أسابيع من الحفر لم يجدوا شيئاً، كما أن كثيراً من عمليات الحفر العشوائي انتهت بمآسٍ إنسانية بعد انهيار سراديب ومدافن قديمة على المنقبين أنفسهم، ما أدّى إلى إصابات ووفيات في بعض الحالات.
ويربط إيهاب العايد، أحد هؤلاء الشبان، انتشار هذه الظاهرة في السنوات الماضية بالظروف الاقتصادية الصعبة وغياب فرص العمل، إذ تحولت فكرة العثور على كنز مفاجئ بالنسبة له ولبعضهم إلى أمل للخروج من الفقر، رغم أن النتائج كانت في معظم الأحيان مخيّبة للآمال.
يقول إيهاب: " رأيت كثيرين يفعلون ذلك مدفوعين بقصص لا أعلم إن كانت صحيحة أم وهمية عن ثراء فاحش ومفاجئ لناسٍ كثيرين، كنت أظن أن هذا العمل يمكن أن ينقذني مما أنا فيه من فقر وعوز وقلة فرص العمل، رسمت أحلاماً كبيرة وسعيت من أجلها، غير أن رحلتي الطويلة التي امتدت أكثر من خمس سنوات لم تثمر عن أي شيء سوى العثور على بعض الفخاريات والنقود البرونزية التي لم تبع سوى بمبالغ زهيدة".
ويلفت إلى تعرّضه لحادث انهيار مفاجئ في أثناء عمليات الحفر العشوائى في أحد المواقع كاد أن يودي بحياته، لولا مساعدة صديقه الذي كان بصحبته، ومنذ ذلك الحين ابتعد عن هذا العمل بعد أن أيقن أنه يسعى وراء" سراب".
تكرّرت هذه القصص في عشرات المواقع الأثرية خلال سنوات الفوضى الأمنية، حيث تحوّلت الأساطير المتعلقة بالكنوز والدفائن إلى دافع رئيسي لعمليات تنقيب غير قانونية ألحقت أضراراً جسيمة بعدة مواقع تاريخية.
ويختلف مفهوم التنقيب الأثري وفق مختصين عن الصورة الشائعة لدى السكان، فالتنقيب العلمي لا يبحث عن الذهب أو الكنوز، بل عن الإنسان الذي صنع الحضارة وعن الأدلة التي تساعد الباحثين على فهم حلقات التاريخ المفقودة.
على مدى سنوات الحرب، تعرّضت متاحف إدلب لعمليات سرقة ونهب طاولت جزءاً من مقتنياته على يد قوات النظام السابق، ورغم نجاح الجهات المختصة الحالية في استعادة القسم الأكبر من القطع المسروقة، كشفت تلك الحوادث حجم المخاطر التي واجهها التراث السوري خلال سنوات النزاع.
وفي خضمّ كل تلك الأحداث، يقف متحف معرّة النعمان باعتباره أحد أهم المتاحف الأثرية في سورية، وربما أهم مركز لعرض لوحات الفسيفساء التاريخية، حيث تعرّض المبنى خلال سنوات الحرب لقصف مباشر أكثر من مرّة، ما ألحق أضراراً إنشائية كبيرة به، إلا أن المفارقة أن معظم لوحات الفسيفساء نجت من السرقة.
ويعود ذلك، بحسب مختصين، إلى طريقة تثبيتها القديمة فوق قواعد إسمنتية ثقيلة جعلت نقلها أو تهريبها أمراً بالغ الصعوبة، لكن الأضرار لم تكن معدومة، فالقصف والانفجارات خلفا تشققات وأعطالاً في أجزاء من اللوحات والمبنى نفسه، ما يجعل عمليات الترميم ضرورة ملحّة قبل إعادة افتتاح المتحف بشكل كامل أمام الزوار.
وفي شمال إدلب، تقف قلعة حارم شاهدة على قرون من الصراعات والحضارات، إلا أن الزلزال المدمّر الذي ضرب المنطقة عام 2023 ترك آثاراً واضحة في أجزاء من القلعة، وزادت بعض الظروف الجوية اللاحقة من حجم التصدعات والانهيارات الجزئية.
ورغم إعداد خطط ودراسات لترميم القلعة وعدة مواقع متضرّرة، فإن نقص التمويل وتأخر تنفيذ المشاريع لا يزالان عقبة رئيسية أمام أعمال التأهيل المطلوبة.
في الجهة المقابلة من جبل حارم، حيث تمتد سهول إدلب الخضراء وتلتقي بسماء مفتوحة، تقف روان الجمعة وهي معلمة متقاعدة، كل صباح على شرفة منزلها القديم التي تطل على قلعة حارم تقول: " هذه القلعة ليست حجارة، إنها دفتر يوميات هذه البقعة، كل صخرة فيها تحكي انتصاراً أو تنهيدة أسر".
تروي كيف أدى الزلزال لخراب كبير داخل أسوار القلعة وما تلا الزلزال من عواصف وأمطار غزيرة تسللت إلى الشقوق كالأفاعي، تحفر في الجروح وتوسعها.
وكيف رأت في أحد الأيام فريقاً من المهندسين يلتقطون الصور ويجرون القياسات، وسمعتهم يتحدثون عن خطط ودراسات معدة للإعمار، لكن سرعان ما تبدد الأمل حين علمت أن خزائن التمويل شبه فارغة، وأن المشاريع معلقة في أدراج الجهات المانحة، تقول بسخرية: " لدينا خرائط جميلة على الورق، لكن القلعة تموت حجراً حجراً أمام أعيننا، ونحن ننتظر معجزة مالية قد لا تأتي".
أكثر الملفات التي أثارت اهتمامهم قضية الرقم المسمارية المرتبطة بمملكة إبلا القديمة.
فهناك نحو 17 ألف رقيم مسماري يحتاج إلى توضيحورغم الصورة القاتمة التي رسمتها سنوات الحرب، تحمل التقييمات الأولية التي أجرتها مديرية الآثار في إدلب جانباً من التفاؤل، وأن نحو 90% من المواقع الأثرية في المحافظة لا تزال في حالة جيدة نسبياً، لأن معظم الأضرار الناتجة من القصف أو الزلازل أو التخريب كانت جزئية ولم تؤد إلى تدمير كامل للمواقع وفق مدير مديرية الآثار في إدلب حسان إسماعيل.
موضحاً في حديثه لـ" سورية الجديدة" أن نسبة الضرر من موقع إلى آخر متفاوتة، فبعضها بقي سليماً تقريباً، بينما تعرضت مواقع أخرى لأضرار تتجاوز 5% أو 20%، وفق طبيعة الموقع وحجم الاستهداف الذي تعرض له.
ولفت اسماعيل إلى أن زلزال 2023، أثّر إلى درجة كبيرة في المباني، وخصوصاً ذات الارتفاعات الكبيرة، مثل القرى الأثرية في سرجيلا والبارة، سيما وأن هذه المواقع تعرّضت عدة مرّات إلى الزلازل، وبعد تحرير سورية وعودة الأهالي إلى بلداتهم، انطلقت أعمال الترميم والبناء في معرّة النعمان، والتي أسفرت عن اكتشاف مدافن بيزنطية عديدة جرى تنظيفها وتوثيقها والحفاظ عليها.
وأفاد بأن المديرية أعدت دراسات وخططاً متكاملة لترميم المواقع الأثرية المتضررة، وأبرزها قلعة حارم التي تأثرت بشدة بالزلزال والمنخفضات الجوية الأخيرة، ومتحف معرّة النعمان الذي تعرّض للقصف، وتم رفعها إلى المنظمات المختصة، لكن من دون أي نتيجة ملموسة.
ومن أكثر الملفات التي أثارت اهتمامهم قضية الرقم المسمارية المرتبطة بمملكة إبلا القديمة.
ويفيد المسؤول في مديرية الآثار بأن الرقم المتداول حول وجود نحو 17 ألف رقيم مسماري يحتاج إلى توضيح، إذ إن قسماً كبيراً منها أجزاء وكسور ألواح وليست كلها ألواحاً كاملة، ورغم عدم وجود إحصاء نهائي دقيق للقطع المفقودة، تفيد التقديرات بأن العدد المتبقي خارج الحيازة الرسمية محدود مقارنة بحجم المقتنيات التي جرى استردادها.
وفيما يتعلق بالتنقيب العشوائي، يؤكد أن هناك تراجعاً في أعمال التنقيب أخيراً.
ويعود هذا إلى عدة عوامل، أبرزها تشديد الإجراءات القانونية بحقّ المخرّبين، وانتشار حرّاس المواقع الأثرية، وتكثيف الجولات الميدانية التي تنفذها مديريات الآثار.
وشدّد على أن الحفاظ على التراث لا يمكن أن يكون مسؤولية المؤسسات الحكومية وحدها، بل يحتاج إلى شراكة حقيقية مع المجتمع المحلي، لأن السكان هم خط الدفاع الأول عن المواقع الأثرية، ففي النهاية، ليست قيمة هذه المواقع في الحجارة التي بنيت منها فقط، بل في القصص التي تحملها عن شعوب مرّت من هنا، وتركت بصمتها على الأرض قبل مئات وآلاف السنين.
تقف آثار إدلب اليوم عند مفترق طرق حاسم، فبين مواقع نجت بأعجوبة من القصف، ومدافن تخرج إلى النور مع إعادة الإعمار، ومتاحف تنتظر التمويل والترميم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك