شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل، اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2026، التوقيع الرسمي على اتفاق شامل وتاريخي بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ينهي سنوات من الترقب والضبابية السياسية والاقتصادية حول وضع منطقة" جبل طارق".
وتدخل معاهدة حرية التنقل بين الجيب البريطاني وإسبانيا حيز التنفيذ رسمياً يوم غدٍ الأربعاء، لتنتهي بذلك عقود من طوابير الانتظار اليومية وحواجز التفتيش التي طالما عرقلت الحياة اليومية على جانبي الحدود.
ويأتي هذا الاتفاق بعد سنوات من المفاوضات الشاقة والمعقدة التي جرت في ظل التوترات المتصاعدة بين لندن وبروكسل إثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست).
ويستقبل جبل طارق، وهو إقليم بريطاني صغير يبلغ عدد سكانه نحو أربعين ألف نسمة، قرابة 15 ألف عامل يومياً يعبرون الحدود بانتظام لدعم قطاعات السياحة، والخدمات المالية، والضيافة في الإقليم، مما يجعل انسيابية الحركة شرياناً حيوياً لا غنى عنه للاقتصاد المحلي.
ومن المقرر أن يقوم رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، يوم غدٍ الأربعاء بزيارة تفقدية للمنطقة الحدودية، حيث تعمل الفرق الميدانية منذ أسابيع على تفكيك السياج المعدني القديم ونقاط العبور التي كانت تفصل الجيب عن الأراضي الإسبانية.
وعلق سانشيز على هذه الخطوة قائلاً: " أخيراً، وبعد مئات السنين، سيصبح من الممكن هدم آخر جدار ما زال قائماً في الاتحاد الأوروبي".
وتعيد هذه المشاهد الذاكرة إلى ذروة التوترات التاريخية عام 1969، عندما أقدم نظام الديكتاتور الإسباني فرانسيسكو فرانكو على إغلاق الحدود بالكامل، رداً على تصويت سكان جبل طارق بأغلبية ساحقة في استفتاء شعبي لصالح البقاء تحت السيادة البريطانية؛ وهي الحدود التي ظلت مغلقة ولم تُفتح بالكامل مجدداً أمام حركة الأفراد والبضائع إلا في عام 1985.
وقد نجح المفاوضون في حل المعضلة السيادية الأكثر تعقيداً والتي تتمثل في الجهة التي ستتولى مراقبة الهويات وجوازات السفر في مطار وميناء جبل طارق لتطبيق قواعد" الشنغن".
فبعد رفض قاطع من حكومة جبل طارق المحلية لأي تواجد رسمي للأمن الإسباني على أراضيها، تم التوصل إلى حل وسط يقضي بنشر عناصر من الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (Frontex) لإدارة نقاط الدخول لفترة انتقالية تمتد لأربع سنوات، مما يضمن تطبيق القانون الأوروبي بحيادية ودون حساسية سياسية.
وفي هذا الصدد، أشار تقرير إحاطة برلماني صادر عن مجلس العموم البريطاني إلى أن هذا الاتفاق لا يمثل مجرد تسوية قانونية لمعضلة جغرافية، بل هو نموذج عملي لكيفية صياغة المصالح المشتركة وتغليب النفع الاقتصادي المتبادل دون المساس بالثوابت السيادية للدول، مؤكداً أن مرونة المفاوضات أثبتت إمكانية تحقيق مكاسب ملموسة لجميع الأطراف.
وعلى الرغم من الطابع الاندماجي للاتفاق مع القواعد الأوروبية، بما في ذلك الترتيبات الخاصة التي تتيح استخدام مطار جبل طارق الاستراتيجي للرحلات الدولية من وإلى بلدان الاتحاد الأوروبي، حرص الجانب البريطاني على تأكيد خطوطه الحمراء بشأن السيادة الوطنية.
وأوضح الخبراء القانونيون أن المعاهدة، التي تتجاوز 330 مادة قانونية، هي وثيقة ذات طابع فني واقتصادي بحت، لتظل السيادة كاملة وغير مجزأة للتاج البريطاني وفقاً للإرادة الشعبية لسكان الإقليم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك