لا تندر المؤشرات التي ترجّح ارتفاع وتيرة التصعيد الحربي بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تبقى إسرائيل محيَّدة عنه.
لا تزال طهران تفضّل قصف دول الخليج، تحت عنوان أن الرد على العدوان الأميركي يكون في المكان الذي تطاوله يد إيران، تحديداً في الجوار العربي، حيث تملك أميركا قواعد ثابتة، وترى أن قصف إسرائيل متروك للرد على تدخّل الدولة العبرية في الحرب، أو عندما تعتبر طهران أن تل أبيب قصفت لبنان إلى درجة تُلزمها بالتدخل.
أما الجوار غير العربي، والمحاذي لإيران أيضاً، وحيث تكثر القواعد الأميركية، مثل تركيا وأذربيجان، أبرزها قاعدة إنجرليك الجوية في أضنة (جنوبي تركيا)، فلا يزال آمناً من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي وصل منها اثنان أو ثلاثة فقط منذ بدء الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي.
ومنذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الثامن من يوليو/ تموز الحالي نهاية وقف إطلاق النار، واستئناف القصف الليلي لإيران وإبلاغ الكونغرس بذلك، ترتفع وتيرة القصف الأميركي بالتدريج، وقد وصلت في الليلتين الماضيتين إلى خمس ساعات من القصف المتواصل بحسب إعلانات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).
ويتوسع النطاق الجغرافي للقصف الأميركي أيضاً بالتدريج، حتى إنه شمل ليل الاثنين - الثلاثاء عدداً كبيراً من المناطق، جميعها مطلة على الخليج جنوبي إيران وغربيها، منها بوشهر وتشابهار وجاسك وكونارك وأبو موسى وبندر عباس وعبادان وماهشهر، بالإضافة إلى جزيرتي كيش وقشم.
واستئناف الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية الذي يبدأ رسمياً عند الثامنة من ليل اليوم الثلاثاء بتوقيت غرينيتش مؤشر ثانٍ إلى أن الأمور متجهة نحو التصعيد الذي لا يزال مدروساً، من دون أن يكون مؤكداً استمراره كذلك، إذ يمكن أن تخرج الأمور عن السيطرة بقرار رسمي من الطرفين المتحاربين، أو من دونه، بما أن شكوكاً كبيرة تُثار بشأن مركزية صناعة القرار في طهران خلال هذه الفترة.
ورغم أن إشارات الانقسام بين أجنحة السلطة عديدة في إيران، إلا أنه يصعب تحديد حجمه.
وتوحي مصادر غربية، أميركية تحديداً، بأن الشرخ كبير للغاية.
وفي هذا السياق، قال مسؤول لوسائل إعلام أميركية، يوم السبت الماضي، من بينها موقعا أكسيوس وبوليتيكو، إن طهران أبلغت واشنطن بأن الهجمات الأحدث على السفن في المضيق كانت من" جهة غير منضبطة داخل منظومتها"، وقال مسؤول آخر: " يبدو أن هناك صراعاً على السلطة يتكشف أمام أعيننا بين غلاة المحافظين في إيران والبراغماتيين".
مؤشر ثالث إلى أن احتمالات التصعيد أكبر من حظوظ التهدئة، إفادة القناة 12 العبرية، اليوم الثلاثاء، بأن الجيش الأميركي قرر تجميد خطط إجلاء طائرات التزود بالوقود العسكرية المتمركزة في مطار بن غوريون قرب تل أبيب.
وكان من المقرر إخلاء واشنطن عشرات الطائرات العسكرية من المطار، على أساس أن الأمور تتجه إلى التهدئة في أعقاب مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية الشهر الماضي، حتى أنه جرى نشر أربع طائرات إضافية، وفق رسالة بعث بها مدير عام هيئة المطارات الإسرائيلية شارون كيدمي إلى مسؤولين في وزارة النقل.
واستمرار وجود تلك الطائرات في إسرائيل، لا بل زيادة عددها، يُنظر إليه بوصفه جزءاً من الاستعدادات العسكرية الحربية التصعيدية.
رابعاً، أدخل ترامب عنصر تأزيم إضافياً، بقراره فرض رسم عبور بقيمة 20% من حمولة السفن والناقلات التي تعبر مضيق هرمز.
قبل إعلان ترامب يوم أمس، كان الصراع بشأن هرمز بين طرفين: إيران وحدها من جهة، مصرّة على فرض رسوم يسود إجماع عالمي على عدم قانونيتها، مقابل معظم بلدان العالم المتمسكة بحرية الملاحة في المضيق ومجانيتها.
أما الآن، فأصبح الصراع بين طرفين يرغبان بأن يكون المضيق مصدراً مالياً يدرّ مالاً وفيراً لهما.
تفيد المصادر المفتوحة بأن عدد الناقلات والسفن التي كانت تعبر مضيق هرمز قبل الحرب يراوح بين 100 و140 يومياً.
وبعملية حسابية بسيطة وتقريبية للغاية، يمكن الحديث عن 200 مليون دولار يومياً لإيران إن نجحت خطتها بفرض رسوم (مليونا دولار تقريباً على كل سفينة أو ناقلة)، مقابل مبالغ أكبر بكثير لواشنطن في حال نجح المشروع الطموح لترامب، والذي لا يحتمل العالم كلفته الاقتصادية، بما أنه سيجرّ الاقتصاد إلى موجة تضخم هائلة.
في مقابل هذه الصورة السوداوية، يمكن التوقف عند مصدرين للأمل بالتهدئة.
الأول، واقع أنّ إيران منهكة وخصوصاً اقتصادياً.
صحيح أن متشددين عديدين من مسؤوليها حالياً يتبنون سلوكاً وتصريحات قد يصفها البعض بـ" الانتحارية"، إلا أن الحاجة لمصادر دخل تبقى أولوية بالنسبة إلى البلد الرازح تحت الحصار، والذي تعرّض بفعل الحرب إلى خسائر ضخمة جداً.
وتجدُّد الحرب الشاملة سيكون كارثة اقتصادية على إيران أكثر من أي بلد آخر، ذلك أن أرباح الـ80 مليون برميل نفط التي تقول طهران إنها باعتها منذ انتهاء الحرب حتى اليوم، لا تعوّض إلا القليل من الخسائر الكبيرة.
من هنا، وإن كانت القيادة الإيرانية غير راغبة بتاتاً بتجدد الحرب الشاملة، فإنها غير مستعدة، بطاقمها الحاكم حالياً، لتقديم تنازلات، لذلك فإنها ستفضّل بقاء الحرب محدودة بمنطقة جغرافية من أراضيها (الجنوب والغرب) بوصفه الخيار الأقل كلفة نسبياً مقارنة مع الحرب الشاملة.
مصدر الأمل الثاني معقود على تلميحات لا تزال تصدر من طهران بأن الوساطة القطرية - الباكستانية لا تزال حية تُرزق، وإن لم نعد نسمع عنها أخباراً ولا تصريحات ولا نرى لقاءات.
كذلك الحال مع تعليقات ترامب الدورية بأنه يمكن التوصل إلى اتفاق، مع أن هذا النوع من التصريحات لا يعوّل كثر عليه لأنه مكرر وغالباً ما كان يُرفق بأفعال حربية عكسية من إدارة الرئيس الأميركي.
وإن كانت وفاة الشيخ حمد بن خليفة ستؤجل جهوداً قطرية في الوساطة إلى ما بعد انتهاء الحداد الرسمي يوم غد الأربعاء، فإنّ أطرافاً كثيرة يُتوقع أن تدعم الوساطة أكثر من أي وقت مضى، بعدما فاجأ ترامب العالم بخطة رسومه الهائلة على سفن المضيق، ولأن بلدان الخليج خصوصاً، والمنطقة عموماً، تخشى عودة الحرب الشاملة التي كلّفتها ولا تزال، خسائر اقتصادية ضخمة لا يُتوقع أن تنتهي مفاعيلها قبل سنوات، حتى لو انتهت الحرب اليوم.
بالتالي، فإن الحؤول دون انفجار الحرب الشاملة مجدداً صار همّاً عالمياً، لا إقليمياً، وهو ما من شأنه أن يزيد الضغط على الطرفين المتحاربين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك