شكّلت ثورة 14 تموز 1958 واحدة من أهم المحطات المفصلية في تاريخ العراق الحديث ليس فقط لأنها أنهت النظام الملكي وأعلنت قيام الجمهورية، بل لأنها فتحت صفحة جديدة في العلاقة بين الدولة العراقية والشعب الكوردي، فقد حملت الثورة في بداياتها آمالاً كبيرة بإقامة دولة تقوم على المواطنة والشراكة إلا أن تلك الآمال سرعان ما اصطدمت بالخلافات السياسية لتنتهي باندلاع ثورة أيلول المجيدة بقيادة مصطفى البارزاني.
عندما استطاع بعض الضباط بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف في إسقاط النظام الملكي استقبلت الأوساط الكوردية هذا التحول الواسع ورأت الحركة الكوردية في قيام الجمهورية فرصة لإنهاء سياسات التهميش التي عانت منها خلال العهد الملكي وبناء عراق جديد قائم على العدالة والمساواة.
وأصدر الحزب الديمقراطي الكوردستاني بياناً أعلن فيه دعمه الكامل للجمهورية الجديدة مؤكداً استعداده للمشاركة في بناء عراق ديمقراطي يجمع العرب والكورد على أساس الشراكة الوطنية.
عودة الزعيم مصطفى البارزاني.
بداية مرحلة جديدةكانت من أبرز مكاسب الثورة بالنسبة للكورد هي عودة الزعيم مصطفى البارزاني من الاتحاد السوفيتي بعد أكثر من أحد عشر عاماً.
وشكلت عودته إلى العراق في تشرين الأول 1958 حدثاً تاريخياً إذ استُقبل رسمياً وشعبياً وبدأت مرحلة جديدة من الحوار بين الحكومة العراقية والحركة التحررية الكوردية وسط تفاؤل بإمكانية التوصل إلى حل دائم للقضية الكوردية.
أول اعتراف دستوري للحكومة العراقية بالشعب الكوردييُعد الدستور المؤقت لعام 1958 أهم إنجاز سياسي حققته الثورة بالنسبة للكورد بعد عدة مأسي وثورات عندما نص في مادته الثالثة على أن" العرب والكورد شركاء في هذا الوطن، ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية".
ولأول مرة في تاريخ الدولة العراقية أصبح الوجود القومي للشعب الكوردي معترفاً به دستورياً وهو تطور تاريخي اعتبرته الحركة الكوردية خطوة متقدمة مقارنة بجميع المراحل السابقة ضمن حقهم الوطني والقومي.
المكاسب السياسية والثقافية لهذه الثورةلم يقتصر أثر الثورة على الجانب الدستوري بل شمل مجموعة من الإجراءات المهمة، منها:-إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الكورد.
-منح إجازة رسمية للحزب الديمقراطي الكوردستاني.
-توسيع المشاركة الكوردية في مؤسسات الدولة.
-ازدهار الصحافة والثقافة الكوردية.
-وضع خطط لتنمية وإعمار مناطق كوردستان.
بداية الخلاف بين بغداد والحركة الكورديةرغم الانطلاقة الإيجابية بدأت العلاقة بين حكومة عبد الكريم قاسم والقيادة الكوردية تتراجع منذ عام 1960.
فقد طالبت الحركة الكوردية بقيادة الزعيم ملا مصطفى البارزاني الحكم الذاتي والإدارة المحلية وضمان الحقوق القومية للكورد ضمن عراق موحد بينما تماطلت الحكومة العراقية انذاك ولم تترحب بتلك الفكرة وهذه المطالب.
وفي المقابل، درتْ القيادة الكوردية بأن الوعود بقيت حبراً على ورق وأن المادة الثالثة من الدستور لم تُترجم إلى إصلاحات حقيقية.
اندلاع ثورة أيلول المجيدة في سنة 1961بعد فشل المفاوضات وتصاعد التوتر وعدم التزام الحكومة العراقية ببنود الاتفاق اندلعت ثورة أيلول بقيادة الملا مصطفى البارزاني في أيلول 1961، لتبدأ واحدة من أطول مراحل الصراع بين الحكومة العراقية والحركة الكوردية من اجل ضمان الحقوق القومية والوطنية للشعب الكوردي.
كيف ينظر الكورد إلى ثورة 14 تموز؟في الذاكرة الكوردية، يُنظر إلى ثورة 14 تموز 1958 بوصفها تجربة حملت وجهين:-عودة الزعيم مصطفى البارزاني إلى الوطن وبدأ احياء روح القضية الكوردية.
-الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي لأول مرة من قبل الحكومة العراقية.
-الانفتاح السياسي والثقافي لحد معين.
-مشاركة الكورد في مؤسسات الدولة.
أما الوجه السلبي فيتمثل في:-عدم تنفيذ الوعود الدستورية من قبل الحكومة العراقية آنذاك.
-فشل الحوار بين بغداد والقيادة الكوردية.
-العودة إلى الخيار العسكري.
تبقى ثورة 14 تموز 1958 محطة تاريخية مفصلية في مسار القضية الكوردية داخل العراق، فقد منحت الكورد أول اعتراف دستوري كأقل استحقاق لحقوقهم الشرعية والقومية، وعودة الزعيم مصطفى البارزاني إلى الوطن وأطلقت مرحلة من الانفتاح السياسي لم يشهدها العراق من قبل، لكن غياب التسوية السياسية الشاملة وعدم ترجمة المبادئ الدستورية إلى واقع عملي وتعثر تنفيذ الأطر وبنود الاتفاقية من قبل بغداد أدت إلى انهيار الثقة بين الطرفين لتتحول الثورة من بداية واعدة للشراكة الوطنية إلى مقدمة لمرحلة جديدة من الصراع بين بغداد والحركة التحررية الكوردية وهو صراع ظل يؤثر في تاريخ العراق لعقود طويلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك