ليست كل الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات، فبعضها يُخاض بالمال، والضغوط السياسية، والتحالفات الإقليمية، ومحاولات إعادة تشكيل مستقبل الشعوب بما يخدم مصالح الآخرين لا إرادتها.
وما يجري في السودان منذ اندلاع الحرب لم يعد مجرد صراع داخلي على السلطة، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها حسابات دول ترى في قيام دولة مدنية ديمقراطية مستقلة خطرًا على ترتيبات إقليمية استقرت لعقود.
وفي خضم هذا المشهد، تبدو محاولات الالتفاف على شعارات ثورة ديسمبر المجيدة؛ الحرية والسلام والعدالة، وكأنها معركة لا تقل شراسة عن المعركة العسكرية نفسها.
فالثورة التي خرج من أجلها ملايين السودانيين لم تكن مجرد احتجاج على حكومة أو انقلاب، وإنما كانت إعلانًا تاريخيًا بأن زمن الوصاية على إرادة السودانيين قد انتهى، وأن هذا الشعب وحده هو صاحب الحق في رسم مستقبل بلاده، مهما عظمت الضغوط، ومهما تعددت القوى التي تحاول مصادرة قراره الوطني أو فرض خيارات لا تعبر عن أحلامه وتضحياته.
لم تعد القضية في السودان مجرد حرب بين جيشٍ وقوات دعمٍ سريع، ولا مجرد صراع على السلطة بين جنرالات يتنازعون كرسياً لم يعد فوقه سوى الخراب.
فالحرب الأكبر، والأكثر خطورة، هي الحرب التي تُشن منذ سنوات على الفكرة التي ولدت في ديسمبر؛ أن يحكم السودان شعبه، لا جنرالاته، وأن تقوم فيه دولة القانون لا دولة الثكنة، ودولة المواطنة لا دولة التنظيمات العقائدية.
لقد رفعت ثورة ديسمبر ثلاثة شعارات بسيطة في ألفاظها، عميقة في معناها؛ الحرية، السلام، العدالة.
لكن هذه الكلمات الثلاث كانت كافية لتتحول إلى مصدر قلق لدى قوى إقليمية رأت في نجاحها تهديداً مباشراً للنموذج الذي تفضله في المنطقة؛ نموذج الحكم الأمني والعسكري، حيث تُدار السياسة من غرف المخابرات، وتُؤجل الديمقراطية إلى أجل غير مسمى.
ومن هنا يمكن فهم كثير من المواقف الإقليمية التي بدت، في نظر قطاعات واسعة من السودانيين، أقرب إلى دعم بقاء مراكز القوة العسكرية من دعم الانتقال المدني.
فبدلاً من ممارسة ضغوط حقيقية لإنهاء هيمنة السلاح على السياسة، انصب الجهد مراراً على البحث عن تسويات تُبقي أصحاب البنادق في قلب السلطة، بينما يُطلب من المدنيين الاكتفاء بدور الشاهد أو المكمّل.
والأكثر إثارة للأسى أن بعض هذه الجهود جاءت في وقت كانت فيه الحرب تحصد عشرات الآلاف من الضحايا، وتُهجّر الملايين، وتدمر المدن والقرى، بينما ظل الحديث عن المحاسبة والعدالة يتراجع أمام حسابات النفوذ الإقليمي كأنها قدر لا إنفكاك منه.
ولا يخفى على أحد أن بقايا الحركة الإسلامية السودانية قد سعت بعد ان اشعلت هذه الحرب، قد قاتلت من اجل الابقاء على فرصها حية للعودة من جديد إلى المشهد بعد أن أطاحت بها ثورة ديسمبر.
وهذا توصيف سياسي يتكرر في خطاب كثير من القوى المدنية السودانية، التي ترى أن الحرب أضعفت مشروع الانتقال الديمقراطي وفتحت الباب أمام إعادة تموضع قوى النظام السابق.
ولذلك فإن أي مقاربة تتجاهل هذا البعد، أو تتعامل مع تلك القوى باعتبارها جزءاً طبيعياً من المستقبل السياسي، إنما تتجاهل أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت السودانيين إلى الثورة.
لقد أثبتت السنوات الماضية حقيقة لا تقبل الجدل؛ كل مرة يُمنح فيها العسكر فرصة جديدة، يدفع السودان الثمن دماً واقتصاداً ووحدةً وطنية.
وكل مرة يُؤجل فيها الحكم المدني بحجة “الظروف الاستثنائية”، تتحول تلك الظروف إلى حالة دائمة، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة.
إن من حق الرياض والقاهرة، مثل أي دولة، أن تبحثا عن مصالحهما القومية.
لكن من حق السودانيين أيضاً أن يرفضوا أن تكون بلادهم ساحة لتصفية الحسابات أو مختبراً للمشاريع الإقليمية.
فالعلاقات بين الدول لا يمكن أن تقوم على دعم أشخاص أو أنظمة، بل على احترام إرادة الشعوب وسيادة الدول.
إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه أي عاصمة هو الاعتقاد بأن شعباً قدّم آلاف الشهداء من أجل الحرية يمكن أن يتخلى عنها مقابل تسوية سياسية تُعيد إنتاج الأزمة نفسها.
فالثورات قد تتعثر، وقد تُهزم في جولة، لكنها لا تموت ما دامت أسبابها قائمة.
لقد حاولوا الالتفاف على ديسمبر بالانقلاب، ثم بالحرب، ثم بالمبادرات التي تساوي بين الضحية ومن صادر حلمها.
لكن الحقيقة التي لم تتغير هي أن السودان لن يعرف استقراراً دائماً ما لم يعد القرار إلى المدنيين، وما لم تُبنَ دولة المؤسسات، وما لم يخضع السلاح للسلطة المنتخبة لا العكس.
أما الذين يظنون أن الزمن كفيل بإطفاء جذوة ديسمبر، فهم يخطئون قراءة التاريخ.
فالأفكار لا تُقصف بالطائرات، ولا تُدفن تحت ركام المدن، ولا تُهزم بالتحالفات الإقليمية.
قد يتأخر انتصارها، لكنه يصبح أكثر رسوخاً كلما ارتفع ثمن الدفاع عنها.
ولهذا فإن مسؤولية القوى المدنية اليوم ليست الاكتفاء بإدانة التدخلات الخارجية، بل بناء مشروع وطني موحد، وتوسيع تحالفاتها الداخلية والخارجية، وكسب الرأي العام الإقليمي والدولي، لأن معركة السودان الحقيقية ليست فقط من يحكم اليوم، بل أي دولة ستولد غداً؛ دولة الجنرالات، أم دولة المواطنين.
ومن ضمن الحقائق التي يجب على العاصمتين التوقف أمامها كثيرا؛ هي ان السودانيين الذين صوّت أكثر من تسعين في المائة منهم، في استطلاع أجرته إحدى القنوات العربية المعروفة، لصالح وقف هذه الحرب العبثية، هم أنفسهم الذين خرجوا بالملايين في ثورة ديسمبر المجيدة يهتفون للحرية والسلام والعدالة.
وهم أنفسهم الذين دفعوا الثمن كاملًا؛ قُتل أبناؤهم، وشُرّد الملايين منهم بين عواصم العالم، وسُلبت بيوتهم، ونُهبت ممتلكاتهم، وأُفقروا، وأُذلّوا، وحُرم أطفالهم من التعليم، وتحولت حياتهم إلى رحلة يومية من المعاناة.
ومع ذلك، فإن كل هذا الألم لم يقتل حلمهم، بل زاده رسوخًا.
فمن فقد وطنه، وفقد أمنه، وفقد مصدر رزقه، وفقد أحبته، لم يعد يخشى التهديد، ولم يعد يملك ما يخسره بعد هذه السنين العجاف.
ولذلك فإن الرهان على إنهاك السودانيين حتى يستسلموا أو يقبلوا بإعادة إنتاج السلطة التي ثاروا عليها هو رهان خاسر.
لقد أثبت هذا الشعب، مرة بعد أخرى، أن إرادته أقوى من الرصاص، وأن أحلامه أكبر من كل التحالفات التي تُعقد فوق إرادته أو ضدها.
فرسالتنا إلى الرياض والقاهرة واضحة وضوح الشمس؛ ليس من مصلحة أي دولة عربية أن تجد نفسها في مواجهة هذا الشعب العملاق بأكمله.
فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على دعم أفراد أو سلطات مؤقتة، بل على احترام إرادة الشعوب.
وإذا كان للسعودية ومصر مصالح مشروعة في السودان، فإن أفضل طريق لحمايتها هو الوقوف إلى جانب ما يريده غالبية السودانيين; وقف الحرب، واستعادة الحكم المدني، وبناء دولة الحرية والسلام والعدالة.
أما الوقوف ضد هذه التطلعات، فلن يورث إلا مزيدًا من الاحتقان، وسيضعف الثقة بين الشعوب لعقود قادمة، بينما يبقى الشعب السوداني، كما كان دائمًا، مصممًا على مواصلة طريقه حتى ينتزع حقه في وطن يستحقه.
فالتاريخ يخبرنا أن إرادة الشعوب قد تتعثر، لكنها نادرًا ما تُهزم.
فقد وقفت الإمبراطورية البريطانية بكل قوتها في وجه استقلال الهند، ومع ذلك انتصر شعبها في نهاية المطاف.
وحاول نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مدعومًا بأجهزة أمنية هائلة، أن يكسر إرادة الأغلبية السوداء لعقود، لكن الدولة العنصرية سقطت وبقي الشعب.
وفي تشيلي، ظن الجنرال أوغستو بينوشيه أن القبضة العسكرية قادرة على إلغاء حلم الديمقراطية، فانتهى حكمه بينما عادت الديمقراطية أقوى مما كانت.
وحتى في أوروبا الشرقية، بدت الأنظمة الشمولية لعقود وكأنها قدر لا يُهزم، ثم انهار جدار برلين في لحظة لم يكن أكثر المتفائلين يتوقعونها.
وفي منطقتنا العربية، لم تستطع عقود من القمع أن تمنع السودانيين أنفسهم من إسقاط نظامين عسكريين في ثورتي أكتوبر ١٩٦٤ وأبريل ١٩٨٥، قبل أن يضيفوا إليهما ثورة ديسمبر المجيدة.
فالدرس الذي يتكرر في كل هذه التجارب واحد؛ قد تنتصر السلطة في معركة، لكنها تعجز عن الانتصار على شعب قرر أن يعيش حرًا.
ولذلك فإن كل من يراهن على إنهاك السودانيين أو كسر إرادتهم إنما يكرر خطأً تاريخيًا دفع ثمنه كثيرون من قبله.
ورسالة الشعب السوداني إلى الرياض والقاهرة هي كالآتي؛ تستطيعان التأثير في الحكومات، وقد تنجحان في عقد الصفقات، وقد تملكان من النفوذ ما يغير موازين السياسة لبعض الوقت، لكنكما لن تنتصرا على شعب قرر أن يكون سيد قراره.
فالتاريخ لا يذكر من وقف مع الجنرالات بقدر ما يخلّد من وقف مع الشعوب.
وكل رهان على إخماد حلم السودانيين بدولة الحرية والسلام والعدالة هو رهان على سراب.
لقد جُرِّب هذا الطريق مرارًا، وكانت نهايته دائمًا انتصار إرادة الشعوب، مهما طال الزمن ومهما عظمت التضحيات.
وإلى قوى الثورة الحية، ولجان المقاومة، والشباب، والنساء، وكل من حمل حلم ديسمبر في قلبه، فإن الطريق لم ينتهِ بعد.
نعم، هو أطول وأصعب وأكثر كلفة مما تخيلنا جميعًا، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك.
فلا تسمحوا لليأس أن يتسلل إلى صفوفكم، ولا للخلافات الصغيرة أن تبدد أكبر مشروع وطني عرفه السودان منذ الاستقلال.
أعيدوا تنظيم الصفوف، ووحّدوا الكلمة، وتمسكوا بالسلمية، وابنوا تحالفًا مدنيًا واسعًا لا يترك فراغًا يستغله دعاة الحرب أو المستفيدون منها.
وتذكروا أن الشعوب لا تُقاس بعدد انتصاراتها السريعة، وإنما بقدرتها على النهوض بعد كل انكسار.
والسودانيون نهضوا من قبل، وسينهضون مرةً أخرى.
قد يطول الليل، لكن الفجر لا يلغيه طول الظلام.
وقد يخسر الثوار معارك، لكنهم لا يخسرون القضية ما داموا متمسكين بها.
فالطريق لا يزال طويلًا… لكنه الطريق الذي اختاره الأحرار.
ولن تهزم أحلام شعبٍ قدّم الشهداء، وذاق اللجوء، والجوع، والتشريد، ثم قرر، رغم كل ذلك، أن يواصل السير حتى ينتزع وطنًا يليق بتضحياته.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك