حين تشعر أمة من الأمم بأن دولةً أخرى تمارس نفوذًا زائداً عليها، فإن أول ما يشتعل في دواخل شعبها هو الغضب.
ولئن كان الغضب شعوراً متوقعاً ومفهوماً، فإنه نادرًا ما يكون مستشارًا حكيمًا.
وترتفع في لحظات الاحتقان ليس فقط الدعوات إلى المقاطعة، بل أيضاً إلى القطيعة.
ويتردد صدى المطالبات بإغلاق الحدود، وتعطيل المصالح، وكأن إلحاق الضرر بالآخر هو الطريق إلى استعادة الكرامة.
وليس للسودانيين مجرد ملاحظات على سياسات مصر، بل لديهم عليها اعتراضات وجيهة لا ينكرها إلا مكابر.
وفي الواقع، لا تقتصر مآخذ السودانيين على مصر وحدها، بل تشمل دولاً أخرى، قريبة وبعيدة، جغرافياً ووجدانياً.
بيد أن الرد الناجع، على مصر وغيرها، ليس بأن نصبح أكثر قدرة على الأذى والضرر، بل بأن نصبح أقل احتياجًا إلى الآخرين، وأكثر قدرة على فرض احترامنا من خلال قوتنا الذاتية.
وتقع دولٌ أخرى، غير مصر، عربية وإسلامية، توصف أيضاً بالشقيقة، في خطأ وخيم، وذنب عظيم، بإزكاء نار الحرب المستعرة في السودان من خلال دعم طرفيها.
ويتعجب المرء كيف لم تدرك تلك الدول بعقلائها أن أقل ما يجب أن تقدمه للسودانيين هو العمل على وقف الحرب، وحث الطرفين على ذلك، والتوقف عن تقديم الأسلحة التي تفتك بالسودانيين.
ألا يظن أولئك أن الحرب ستضع أوزارها على ظهورهم، وأن دماء الأبرياء سوف تظهر على ثيابهم؟وعلى خلفية الأحداث المأسوية التي نعتقد أن بعض المعدِّنين السودانيين قد تعرضوا لها جراء تدخل عسكري غاشم من جانب مصر، تشهد حركة “ترس الشمال”، وهي حركة احتجاجية ومدنية، زخماً متزايداً هذه الأيام بإطلاقها حملة بعنوان “رد كرامة المعدنين”.
ويضع شباب الحركة الحواجز على “طريق شريان الشمال” الذي يربط السودان بمصر، بهدف الضغط على السلطات في السودان ومصر، وتحقيق مطالب يتعلق بعضها بما يعتبرونه هيمنة مصرية على السودان واستغلال ظالم لموارده.
نحن نقدر كامل التقدير المشاعر الوطنية والثورية الكامنة وراء هذه المبادرة، ونرجو أن تكون بمثابة فعالية تعبوية لبث الوعي بالقضية وضرورة التفكير الاستراتيجي لحلها.
لكنها ليست هي الحل.
ونجد في تجارب التاريخ دروسًا مغايرة لا بد من استصحابها والاسترشاد بها.
فالدول القوية لم تبنِ استقلالها بإيذاء غيرها، وإنما بتقوية نفسها.
ولم تتحرر من النفوذ الخارجي لأنها أغلقت طريقًا أو قاطعت سلعة، بل لأنها بنت اقتصادًا منتجًا، ومؤسسات راسخة، وقرارًا وطنيًا مستقلاً.
وإني لأمضي إلى القول غير هيّاب إن الغضب العارم الذي نراه تجاه الخارج، لا سيما مصر، ما هو إلا جزء من فائض الغضب المُعتمل في صدور السودانيين تجاه بعضهم البعض في الداخل.
ولن يحدث بناء ولا نماء ما لم يعمل أبناء وبنات السودان على إطفاء نار الغضب الداخلي التي تؤدي إلى الشقاق والخلافات والحروب.
فعندما تضيق صدور أبناء البلد الواحد، تضيق أرضهم بما رحبت، فيصدِّرون فائض غضبهم إلى الخارج.
والوفاق الداخلي هو أساس كل بناء وطني.
ولن يتحقق الوفاق بالاتفاق وإنما بالقبول: أن يقبل السودانيون بعضهم بعضا رغم الاختلافات الكثيرة فيما بينهم.
وربما تمنح الإجراءات التي يمليها الغبن والرغبة في التشفي شعورًا مؤقتًا بالانتصار والإنجاز، لكنها لا تغير ميزان القوى، ولا تعطي الضعيف عصا سحرية.
الشيء الوحيد الذي يغير المعادلة هو الانشغال ببناء عناصر القوة الذاتية.
وعندئذ تتغير قواعد اللعبة ويرضخ اللاعبون الخارجيون للقواعد الجديدة.
لا تنقص السودان الموارد، بل تنقصه القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قوة.
فالطاقات البشرية، والأرض، والمياه، والثروة الحيوانية، والمعادن، والموقع الجغرافي، كلها عناصر كفيلة بأن تجعل منه دولة ذات وزن إقليمي كبير، إذا أُحسن استثمارها.
وحين يمتلك السودان اقتصادًا قويًا، وزراعة متطورة، وصناعة قادرة على المنافسة، فإن طبيعة علاقته مع جميع جيرانه ستتغير تلقائيًا.
وعندها لن يكون احترام الآخرين له منحة، بل نتيجة طبيعية للقوة التي اكتسبها بجهده.
ولن تتحقق هذه الطفرة الاقتصادية المرجوة إلا بقيام مؤسسات وطنية قوية يكون الجيش الوطني هو حارسها الأمين الخاضع لها، وليس المتغوِّل عليها، ولا المستنزف لموارد البلد، ولا حصان طروادة للنفوذ الأجنبي.
لكن أن تتحول سياسة مجابهة النفوذ الخارجي إلى سلسلة من التصريحات الغاضبة وردود الأفعال المتسرعة، في ظل حالة الضعف والتشظي الداخلي، فإن ذلك قد يحدث ضجيجًا إعلاميًا، وتخديرا وقتيا، ولكنه لا يصنع دولة، ولا يبني اقتصادا، ولا يحقق استقلالًا، ولا يغير موازين القوى.
وكما أسلفنا، تقتضي الحكمة السياسية أن نفرق بين إيذاء الخصم وبناء الذات.
فالأول قد يرضي العاطفة، أما الثاني فهو الذي يصنع المستقبل.
ولعل القاعدة التي تستحق أن تتفق عليها الأجيال المتعاقبة من السودانيين هي أنه يجب ألا نواجه الهيمنة بالصراخ والضجيج، ولا بالوعيد والتهديد، ولا بالشتائم والسباب، وإنما بالعمل في صمت على بناء شتى مصادر القوة.
عندئذٍ سوف تصبح الهيمنة مستحيلة.
وعندما يتحول السودان من بليد ضعيف يحكمه لوردات الحرب إلى قطب اقتصادي وثقافي وعسكري ودبلوماسي في المنطقة، فإنه لن يكون حتى بحاجة إلى المطالبة بحقوقه المسلوبة: فحلايبه وشلاتينه سوف تُحملان إليه مكسوّتين بورق السوليفان ومصحوبتين بعبارة “تفضل يا بيه”!elrayahabdelgadir@gmail.
com.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك