وافق مجلس النواب المصري اليوم الثلاثاء، بصورة نهائية، على مشروع قانون إعادة تنظيم" جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، في خطوة تمنح الجهاز التابع أساساً للقوات الجوية، والذي توسعت أدواره أخيراً في إدارة مشروعات الأمن الغذائي والزراعة، إطاراً قانونياً دائماً.
وجاء إقرار القانون رغم اعتراضات أبداها نواب معارضون ومستقلون حذروا من تأثيره على قواعد المنافسة العادلة مع القطاع الخاص واتساع الصلاحيات الممنوحة للجهاز.
ويأتي تمرير القانون في وقت تؤكد فيه الحكومة التزامها بتوسيع دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، بالتوازي مع برنامج لطرح أصول وشركات حكومية أمام المستثمرين؛ تنفيذاً للتعهدات المقطوعة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي.
وأوضحت الحكومة أن القانون لا ينشئ كياناً جديداً، بل يعيد تنظيم جهاز قائم بالفعل، بهدف توفير إطار تشريعي يتيح له تنفيذ المشروعات الاستراتيجية بكفاءة أكبر، لا سيما في مجالات الأمن الغذائي، واستصلاح الأراضي، والصناعات الغذائية، والخدمات اللوجستية، والتنمية العمرانية.
وبموجب التشريع الجديد، يكتسب الجهاز صفة الشخصية الاعتبارية العامة، ويتمتع بالاستقلال المالي والإداري والفني، على أن يصبح تابعاً لرئيس مجلس الوزراء بدلاً من تبعيته السابقة لوزارة الدفاع.
كما يمنحه القانون صلاحيات واسعة في إنشاء وإدارة مناطق التنمية المستدامة، وتأسيس الشركات أو المساهمة فيها، والدخول في شراكات مع المستثمرين، فضلاً عن إنشاء صندوقين؛ أحدهما خدمي والآخر استثماري لتمويل أنشطته المتنوعة.
ويمنح القانون مناطق التنمية المستدامةالتي يشرف عليها الجهاز نظاماً تنظيمياً وإدارياً خاصاً يهدف، بحسب الرؤية الحكومية، إلى اختصار الإجراءات وتسريع تنفيذ المشروعات، مع السماح بإصدار التراخيص اللازمة للأنشطة داخل تلك المناطق وفق الضوابط التي تحددها اللائحة التنفيذية.
وشهد مشروع القانون تعديلات عدة خلال مناقشاته، حيث أكدت الأغلبية البرلمانية أنها جاءت استجابة للملاحظات التي أبداها النواب.
ومن أبرز هذه التعديلات النص صراحة على خضوع الجهاز لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، فضلاً عن التأكيد على استمرار اختصاص جهات الإدارة المحلية (المحليات) بإصدار تراخيص البناء والهدم والتصالح داخل مناطق التنمية التابعة للجهاز، وذلك بناءً على مقترح مرره النائب المستقل ضياء الدين داود لتفادي التداخل في الصلاحيات مع سلطات الدولة الأخرى.
وفي هذا الصدد، شدد المستشار محمود فوزي، وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، على أن المشروع لا يستهدف إنشاء كيان موازٍ للدولة أو استثناء الجهاز من الرقابة، بل يرمي إلى توحيد الإطار القانوني المنظم لاختصاصاته، مشيراً إلى مرونة الحكومة في الاستجابة للملاحظات النيابية وتعديل المواد المثيرة للجدل.
ورغم التعديلات المدخلة، أعلن عدد من النواب رفضهم للمشروع؛ إذ أوضح النائب إسلام قرطام أن حزبه صوت ضد القانون لأن التعديلات عززت بعض جوانب الرقابة لكنها لم تعالج جوهر المشكلة المتعلقة بضمان المنافسة العادلة.
وحذر قرطام من أن منح جهاز حكومي مزايا تنظيمية وتشريعية استثنائية قد يبعث برسائل سلبية للمستثمرين المحليين والأجانب بشأن حياد بيئة الأعمال، مؤكداً أن جذب الاستثمارات يعتمد بالأساس على تكافؤ الفرص.
من جانبه، أبدى النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، رفضه للمشروع، مشيراً إلى أن النصوص المنظمة للرقابة والمحاسبة كان يجب أن تكون أكثر وضوحاً وحسماً لمنع أي لبس أو تفسيرات مغايرة عند التطبيق الحسي للقانون.
في المقابل، دافع نواب الأغلبية بقوة عن المشروع، مؤكدين أن القانون يوفر مظلة تشريعية ضرورية لمؤسسة أصبحت تضطلع بدور محوري في تنفيذ مشروعات قومية كبرى، وأن التعديلات البرلمانية حققت التوازن المطلوب عبر تعزيز الشفافية والرقابة دون الإخلال بمرونة الجهاز الإدارية والتشغيلية.
يكتسب هذا القانون أهمية استراتيجية بالنظر إلى التوسع الحاد في أدوار جهاز" مستقبل مصر" خلال الأعوام الأخيرة؛ حيث بات يتولى إدارة ملفات حيوية تشمل استصلاح الأراضي، والإنتاج الزراعي، وسلاسل الإمداد، واستيراد السلع الاستراتيجية كالقمح والحبوب والزيوت، بهدف تعزيز الأمن الغذائي وتقليص فاتورة الواردات.
ويفتح القانون باباً متجدداً للنقاش حول حدود الدور الاقتصادي للمؤسسات التابعة للأجهزة السيادية؛ فبينما يرى المؤيدون أن نجاح المشروعات القومية الضخمة يتطلب كيانات مرنة وسريعة في اتخاذ القرار، يرى المعارضون أن هذا لا ينبغي أن يمس قواعد السوق الحرة وتكافؤ الفرص.
وبإقرار مجلس النواب للقانون بصفة نهائية، ينتقل التشريع إلى مرحلة تصديق رئيس الجمهورية ونشره في الجريدة الرسمية، لتبدأ بعدها الحكومة في صياغة اللائحة التنفيذية التي ستحدد تفاصيل التطبيق، وهي المرحلة المحكية التي ستكشف عملياً كيفية الموازنة بين الصلاحيات الواسعة للجهاز والضمانات الرقابية التي كانت محور الجدل.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك