لم يعد الجدل الدائر حول مضيق هرمز يقتصر على التوترات العسكرية أو أمن إمدادات الطاقة، بل فتح الباب أمام سؤال غير مسبوق قد يعيد رسم قواعد الملاحة البحرية العالمية: هل يمكن للدول المطلة على المضائق الطبيعية أن تفرض رسوماً على السفن المارة فيها؟ فبعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وما أعقبها من إغلاق طهران للمضيق لفترة وفرضها رسوماً على بعض السفن، بدأت سلطنة عُمان وإيران تدرسان إنشاء نظام دائم لفرض مقابل مالي على عبور السفن.
كما أثار الرئيس الأميركي دونالد ترامب جدلاً إضافياً عندما أكد أمس الاثنين أن الولايات المتحدة ستتولى" حماية" المضيق وستفرض رسوماً نسبتها 20% على الشحنات العابرة، قبل أن يتراجع عن اقتراحه اليوم الثلاثاء.
وتسلط هذه التطورات الضوء على هشاشة سلاسل الإمداد العالمية واعتمادها على عدد محدود من الممرات البحرية الاستراتيجية، في وقت يحذر فيه خبراء من أن ما يجري في هرمز قد يتحول إلى سابقة دولية تغير قواعد إدارة المضائق الطبيعية حول العالم.
ورغم أن القانون الدولي، بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يكفل حق المرور العابر عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، ولا يسمح للدول الساحلية بفرض رسوم لمجرد العبور، فإنه يجيز تقاضي مقابل لقاء خدمات محددة تقدم للسفن، مثل الإرشاد الملاحي أو خدمات السلامة والإنقاذ.
وفي المقابل، تخضع القنوات الصناعية مثل السويس وبنما لأنظمة قانونية مختلفة تتيح لمشغليها فرض رسوم عبور باعتبارها بنية تحتية سيادية.
وفي ما يلي خريطة بتفاصيل إدارة المرور لأهم الممرات البحرية العالمية، وفقاً لتقرير أوردته بلومبيرغ اليوم الثلاثاء:مضيق هرمز.
أخطر شريان للطاقة في العالميربط مضيق هرمز الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، ويمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال القادم من السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر وإيران نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية والعالمية.
ولسنوات طويلة تمتع المضيق بوضع قانوني يضمن حرية الملاحة باعتباره ممراً طبيعياً دولياً، إلا أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران غيّرت هذا الواقع.
فمع اندلاع المواجهات، أغلقت إيران المضيق فعلياً عبر مهاجمة السفن العابرة، فيما طالبت السفن التي واصلت المرور بدفع ما يصل إلى مليوني دولار عن كل رحلة.
وفي إطار الهدنة التي أُبرمت مع الولايات المتحدة في منتصف يونيو/حزيران، أعلنت طهران تعليق هذه الرسوم لمدة 60 يوماً لإفساح المجال أمام استئناف التجارة، لكنها اشترطت في المقابل حصول السفن التجارية على موافقة مسبقة لعبور المضيق.
كما واصلت بين الحين والآخر استهداف سفن استخدمت المسار الذي تعتبره إيران" غير مقبول" داخل المياه الإقليمية العُمانية، وهو الممر الذي وفرت فيه القوات الأميركية قدراً من الحماية، ما أدى إلى تقويض الهدنة.
وتؤكد طهران أن الرسوم ستعود بعد انتهاء فترة الإعفاء في أغسطس/آب، لكنها تصر على أنها ليست" رسوم عبور"، بل مقابل خدمات تشمل الملاحة والأمن والخدمات البيئية، وفق ما أعلنه المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي.
ولا يزال حجم الرسوم المستقبلية غير محسوم.
فقد نشرت وكالة" تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية في مارس/آذار تقديرين للعائدات المحتملة، أحدهما يفترض فرض مليوني دولار على كل سفينة، والآخر يعتمد رسوماً بنحو 400 ألف دولار، باعتبارها كلفة تقارب رسوم العبور في قناتي السويس وبنما.
وأثار المشروع معارضة قوية من الولايات المتحدة وحلفائها الذين يعتبرون أن هذه الرسوم ليست سوى رسوم عبور مقنعة تتعارض مع قواعد الملاحة الدولية.
وزاد ترامب الجدل عندما أعلن في 13 يوليو/تموز أن الولايات المتحدة ستفرض رسوماً بنسبة 20% على جميع الشحنات العابرة للمضيق مقابل توفير الأمن والحماية، قبل أن يتراجع في اليوم التالي، معلناً أن الإيرادات المتوقعة سيجري تعويضها عبر استثمارات مباشرة من دول الخليج في الولايات المتحدة، من دون الكشف عن قيمتها أو الدول المشاركة.
البوسفور والدردنيل.
النموذج الوحيد لفرض رسوم على مضيق طبيعييشكل مضيقا البوسفور والدردنيل، اللذان يقعان بالكامل داخل الأراضي التركية، بوابة البحر الأسود إلى البحر المتوسط، ويمر عبرهما النفط والغاز والحبوب والبضائع القادمة من روسيا وأوكرانيا وجورجيا ورومانيا وبلغاريا.
وشهد المضيقان العام الماضي عبور أكثر من 40 ألف سفينة.
وتخضع الملاحة فيهما لاتفاقية مونترو الموقعة عام 1936، التي أعادت السيادة على المضيقين إلى تركيا مع الإبقاء على حرية مرور السفن التجارية.
وتسمح الاتفاقية لأنقرة بفرض رسوم محددة مقابل خدمات فعلية، مثل خدمات المنارات والإنقاذ والإرشاد الملاحي، وليس مقابل حق العبور نفسه.
كما تُلزم بعض السفن الكبيرة، وبينها ناقلات نفط، بالاستعانة بقاطرات مرافقة لقاء رسوم إضافية.
ويصف كبير محللي الجغرافيا الاقتصادية في" بلومبيرغ إيكونوميكس" آدم فارار المضيقين بأنهما" النموذج الحديث الوحيد الذي تُفرض فيه رسوم على المرور عبر مضيق طبيعي".
وتُحتسب الرسوم وفق الحمولة الصافية للسفينة وبوحدة" الفرنك الذهبي" التي اعتمدتها اتفاقية مونترو، فيما تقوم تركيا بتحديث سعر الصرف بصورة دورية.
واعتباراً من 1 يوليو/تموز، تدفع ناقلة نفط من فئة" سويزماكس" نحو 240 ألف دولار لقاء رحلة ذهاب وإياب عبر المضيقين.
وارتفعت إيرادات تركيا من هذه الرسوم إلى نحو 223 مليون دولار خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يونيو/حزيران 2025، بزيادة تقارب ستة أضعاف مقارنة بعام 2021، بحسب وكالة الأناضول.
كما برزت أهمية المضيقين خلال الحرب الروسية الأوكرانية، إذ استخدمت تركيا اتفاقية مونترو عام 2022 لإغلاقهما أمام السفن الحربية التابعة للدول المتحاربة، مع استثناء السفن الروسية العائدة إلى قواعدها البحرية، وفقاً لأحكام الاتفاقية.
مضيق أوريسند.
عبور مجاني في قلب بحر البلطيقيفصل مضيق أوريسند، المعروف أيضاً باسم" ذا ساوند"، بين الدنمارك والسويد، ويعد أحد الممرات الرئيسية التي تربط بحر البلطيق بالمحيط الأطلسي ضمن ما يعرف بالمضائق الدنماركية.
ويخدم الممر موانئ رئيسية في السويد وفنلندا ودول البلطيق وبولندا وألمانيا، وتنقل عبره شحنات متنوعة تشمل السيارات والحبوب والنفط.
ولا تُفرض أي رسوم على عبور السفن، إلا أن المنظمة البحرية الدولية توصي بالاستعانة بمرشدين ملاحيين مقابل رسوم منفصلة.
وازدادت أهمية المضيق الاستراتيجية منذ الحرب الروسية الأوكرانية، مع تعزيز حلف شمال الأطلسي وجوده العسكري في منطقة البلطيق، وتحوله إلى ممر رئيسي لمراقبة صادرات الطاقة الروسية، إلى جانب دوره التجاري.
مضيق ملقا.
شريان آسيا الذي يرفض الرسوميُعد مضيق ملقا أقصر طريق بحري يربط الشرق الأوسط بشرق آسيا، عبر وصل المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ.
ويمر عبر الممر الممتد على 800 كيلومتر (500 ميل) أكثر من 20% من التجارة البحرية العالمية، بقيمة تقديرية تبلغ 2.
4 تريليون دولار سنوياً، تشمل النفط الخام والبروبان والمركبات وسلعاً أخرى.
وتتولى إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة إدارة المضيق بالتنسيق مع تايلاند، من خلال ترتيبات مشتركة للأمن والسلامة ومكافحة القرصنة.
ولا تُفرض أي رسوم على السفن العابرة، لكن الدول الثلاث تتلقى مساهمات مالية طوعية عبر صندوق دولي يُستخدم لصيانة العوامات والمنارات ومساعدات الملاحة.
وشاركت في تمويل الصندوق دول عدة، منها اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية والإمارات، إضافة إلى مؤسسات بحرية وصناعية.
وأكدت هيئة الموانئ البحرية في سنغافورة أن هذه المساهمات" لا ينبغي اعتبارها رسوماً أو ضرائب أو مقابلاً للعبور".
وبلغ رصيد الصندوق نحو 4.
11 ملايين دولار بنهاية الربع الثالث من عام 2025، فيما أُقرّت له موازنة قدرها 4.
8 ملايين دولار خلال العام الجاري.
ورغم مجانية العبور، عاد النقاش حول فرض رسوم إلى الواجهة في إبريل/نيسان، عندما لمح وزير المالية الإندونيسي بوربايا يودهي ساديوا إلى إمكانية استحداث رسوم عبور بعد إغلاق إيران مضيق هرمز، قبل أن يتراجع سريعاً عن الفكرة.
وفي مطلع يوليو/تموز، أكد الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، عقب لقائه رئيس وزراء سنغافورة لورنس وونغ، استمرار التعاون بين البلدين لضمان حرية الملاحة في المضيق وفق أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
باب المندب.
من" بوابة الدموع" إلى ساحة تهدد التجارة العالميةيقع مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، رابطاً المحيط الهندي بقناة السويس، ويُعد أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
ويحمل اسمه، الذي يعني" بوابة الدموع"، دلالة تاريخية تعود إلى قرون، حين كانت التيارات البحرية العنيفة والرياح المتقلبة والشعاب المرجانية تتسبب في غرق كثير من السفن.
ويحد المضيق اليمن من الشرق، فيما تقع جيبوتي وإريتريا على ضفته الغربية.
وحتى السنوات الأخيرة، كان يستوعب نحو 15% من التجارة البحرية العالمية، ويشهد عبور أكثر من 22 ألف سفينة سنوياً تنقل النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والحبوب والسلع الاستهلاكية.
إلا أن حركة الملاحة فيه تراجعت بصورة حادة منذ أواخر عام 2023، بعدما بدأت جماعة الحوثي، المدعومة من إيران والمسيطرة على أجزاء من اليمن، شن هجمات متكررة على السفن التجارية في البحر الأحمر، ما دفع العديد من شركات الشحن إلى تحويل مساراتها والإبحار حول رأس الرجاء الصالح.
ولا تُفرض حالياً أي رسوم على عبور باب المندب، لكن صحيفة لويدز ليست المتخصصة في الشحن البحري كشفت في إبريل/نيسان أن الحوثيين يدرسون فرض رسوم على السفن المارة، مستندين إلى السابقة التي أرستها إيران عندما فرضت رسوماً على السفن العابرة لمضيق هرمز.
مضيق تايوان.
شريان تجارة بقيمة 2.
45 تريليون دولار وسط صراع السيادةيُعد مضيق تايوان من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ يفصل الجزيرة عن البر الصيني، ويربط اقتصادات شمال شرقي آسيا بجنوب شرقها، كما يشكل ممراً رئيسياً للتجارة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
ويمر عبر المضيق سنوياً ما قيمته نحو 2.
45 تريليون دولار من السلع، أي ما يزيد على خمس التجارة البحرية العالمية، وهو شريان حيوي لاقتصادات تعتمد على التصدير، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والصين.
ولا تُفرض أي رسوم على السفن التجارية العابرة، كما يمكنها الالتفاف شرق جزيرة تايوان لتجنب المضيق، إلا أن ذلك يزيد زمن الرحلة واستهلاك الوقود والتكاليف التشغيلية.
أما تايوان نفسها فتعتمد بصورة شبه كاملة على المضيق في تجارتها البحرية.
ورغم استمرار حركة الملاحة التجارية بصورة طبيعية، يبقى المضيق أحد أخطر بؤر التوتر الجيوسياسي في العالم.
فالصين تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها، وترى أن المضيق يقع ضمن مياهها الداخلية، في حين ترفض الولايات المتحدة ودول أخرى هذا التفسير، وتواصل إرسال قطعها البحرية عبر المضيق رغم احتجاجات بكين.
وخلال السنوات الأخيرة كثفت الصين مناوراتها العسكرية حول تايوان، وأرسلت سفناً حربية بصورة متكررة عقب تطورات سياسية مختلفة، ما زاد المخاوف من أن يؤدي أي صراع عسكري إلى تعطيل أحد أكثر طرق التجارة البحرية ازدحاماً في العالم.
مضيق جبل طارق.
بوابة المتوسط المجانيةيشكل مضيق جبل طارق حلقة الوصل بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ويفصل أوروبا عن أفريقيا، حيث تقع إسبانيا إلى الشمال والمغرب إلى الجنوب.
ويبلغ عرض المضيق في أضيق نقطة نحو 13 كيلومتراً فقط، لكنه يُعد أحد أكثر الممرات البحرية أهمية بالنسبة للدول الأوروبية، ولا سيما في غرب وشمال القارة، التي تعتمد عليه في تجارتها مع آسيا.
وتعبر المضيق سنوياً أكثر من 100 ألف سفينة تجارية، أي ما يعادل نحو 10% من حركة التجارة البحرية الدولية.
ورغم هذه الأهمية، لا تُفرض أي رسوم على السفن العابرة للمضيق.
رأس الرجاء الصالح.
البديل المكلف عندما تغلق الممراتلا يُعد رأس الرجاء الصالح، الواقع في أقصى جنوب أفريقيا، مضيقاً بحرياً، لكنه يمثل أهم طريق بديل أمام السفن عندما تصبح الممرات الرئيسية غير آمنة.
ويربط هذا المسار المفتوح بين طرق التجارة الممتدة من آسيا إلى أوروبا والأميركيتين، وتميل السفن إلى الالتزام بمحاذاة الساحل الأفريقي لتجنب الأمواج العاتية في المحيطين الأطلسي والهندي.
ولا تُفرض أي رسوم على استخدام هذا الطريق.
غير أن أهميته تتضاعف كلما تعرضت الممرات الرئيسية، مثل قناة السويس أو البحر الأحمر أو مضيق هرمز، لاضطرابات أمنية أو عسكرية.
وخلال الأزمة الأخيرة في مضيق هرمز، ارتفعت حركة السفن حول جنوب أفريقيا بما يصل إلى 90%، بحسب بيانات الملاحة.
لكن هذا الخيار يحمل كلفة تشغيلية مرتفعة، إذ يضيف آلاف الأميال البحرية إلى الرحلات، ويرفع استهلاك الوقود ويزيد مدة الإبحار، ما ينعكس مباشرة على تكاليف الشحن العالمية.
قناة بنما.
الرسوم حق سيادي وعائدات بالملياراتعلى عكس المضائق الطبيعية، تُعد قناة بنما منشأة مائية اصطناعية، ولذلك تخضع لنظام قانوني مختلف يمنح الدولة المشغلة حق فرض رسوم عبور على السفن.
ويمتد الممر المائي لمسافة 80 كيلومتراً، ويربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، موفراً أقصر طريق بحري بين آسيا والساحل الشرقي للولايات المتحدة، كما يختصر زمن الرحلات بين أوروبا والساحل الغربي الأميركي.
وافتُتحت القناة عام 1914 بعدما أنشأتها الولايات المتحدة، قبل أن تنقل إدارتها إلى بنما عام 1999، لتتولى منذ ذلك الحين هيئة قناة بنما تشغيلها وإدارة حركة الملاحة فيها.
وشهدت القناة خلال السنة المالية 2025 عبور 13.
404 سفن، بزيادة بلغت 19% مقارنة بالعام السابق، فيما يمر عبرها نحو 6% من التجارة البحرية العالمية.
وتفرض الهيئة رسوماً تختلف باختلاف نوع السفينة وحمولتها والبضائع التي تنقلها.
وتدفع ناقلة نفط متوسطة الحجم ما بين 350 ألفاً و400 ألف دولار لحجز موعد عبورها، إلا أن هذه الكلفة قد ترتفع إلى نحو مليون دولار عندما تُطرح مواعيد العبور في مزادات خلال فترات الجفاف أو الاضطرابات الجيوسياسية التي تزيد الطلب على القناة.
وبلغت إيرادات قناة بنما خلال السنة المالية 2025 نحو 5.
7 مليارات دولار.
ولم تسلم القناة من التنافس الجيوسياسي، فقد تحولت منذ العام الماضي إلى إحدى ساحات التوتر بين الولايات المتحدة والصين، بعدما أثار الرئيس الأميركي دونالد ترامب مخاوف بشأن النفوذ الصيني المحتمل نتيجة تشغيل شركة CK Hutchison Holdings، ومقرها هونغ كونغ، ميناءي بالبوا وكريستوبال عند مدخلي القناة.
وفي مطلع عام 2026، أبطلت بنما عقد الشركة لتشغيل الميناءين، في خطوة عكست الحساسية الاستراتيجية المتزايدة لهذا الممر الحيوي.
قناة السويس.
شريان التجارة بين آسيا وأوروباتمثل قناة السويس أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمتد لمسافة 193 كيلومتراً عبر الأراضي المصرية، لتربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتوفر أقصر طريق بحري بين أوروبا وآسيا، بما يغني السفن عن الدوران حول القارة الأفريقية.
ومنذ افتتاحها عام 1869، أصبحت القناة ركيزة أساسية للتجارة العالمية، وسجلت عام 2023 أعلى حركة عبور لها منذ ما يقرب من نصف قرن، بمرور 26.
434 سفينة، فيما تستوعب عادة نحو 15% من التجارة البحرية العالمية.
وتتولى هيئة قناة السويس، التابعة للدولة المصرية، إدارة الممر الملاحي وتحديد قواعد ورسوم العبور، باعتبار القناة منشأة سيادية، على غرار قناة بنما.
وتختلف الرسوم بحسب نوع السفينة وحمولتها، وتبلغ كلفة عبور ناقلة نفط محملة من الفئة الأكثر انتشاراً عالمياً نحو 380 ألف دولار للرحلة الواحدة.
وأعلن رئيس هيئة قناة السويس، الفريق أسامة ربيع أن إيرادات القناة بلغت 4.
67 مليارات دولار خلال السنة المالية 2025/ 2026.
ولطالما كانت القناة محوراً للأزمات الدولية.
ففي عام 1956 اندلعت أزمة السويس عقب قرار مصر تأميم القناة، ما دفع إسرائيل وبريطانيا وفرنسا إلى شن تدخل عسكري انتهى بالفشل.
وفي عام 2021 تعطلت الملاحة لمدة ستة أيام بعد جنوح سفينة الحاويات العملاقة إيفر غيفن وإغلاقها المجرى الملاحي بالكامل.
كما تكبدت القناة خسائر كبيرة في 2024، عندما تراجعت إيراداتها بنسبة 61% بسبب عزوف السفن عن البحر الأحمر خشية هجمات الحوثيين، قبل أن تتحسن الأوضاع تدريجياً مع عودة جزء من حركة الملاحة، لترتفع الإيرادات في السنة المالية 2025/ 2026 بنسبة 23% مقارنة بالعام السابق.
مضيق هرمز.
سابقة قد تعيد رسم قواعد الملاحة العالميةتكشف المقارنة بين أبرز الممرات البحرية في العالم عن قاعدة قانونية واضحة؛ فالمضائق الطبيعية، مثل هرمز وملقا وباب المندب وجبل طارق وتايوان، تقوم في الأصل على حرية العبور، ولا تُفرض فيها رسوم لمجرد المرور، باستثناء رسوم محددة مقابل خدمات ملاحية في حالات خاصة، فيما تبقى المضائق التركية المثال الوحيد تقريباً الذي تُستوفى فيه رسوم منظمة بموجب اتفاقية دولية.
في المقابل، تختلف الصورة في القنوات الاصطناعية، مثل السويس وبنما، حيث يُنظر إليها باعتبارها بنية تحتية سيادية، ما يمنح الدول المشغلة حق فرض رسوم عبور تشكل أحد أهم مصادر الإيرادات الوطنية.
غير أن التطورات التي أعقبت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران فتحت باباً جديداً للنقاش.
فإصرار طهران على استيفاء رسوم مقابل ما تصفه بخدمات الملاحة والأمن، وتلميحات سلطنة عُمان إلى دراسة نماذج إدارة الممرات العالمية، ثم الجدل الذي أثاره الرئيس الأميركي دونالد ترامب باقتراح فرض رسوم أميركية على الشحنات العابرة قبل تراجعه عنه، كلها مؤشرات إلى أن مضيق هرمز قد يتحول إلى اختبار غير مسبوق للقانون البحري الدولي.
ويرى مراقبون أن ما سيؤول إليه مستقبل هرمز لن يحدد فقط قواعد الملاحة في الخليج، بل قد يرسم ملامح مرحلة جديدة لإدارة أهم شرايين التجارة العالمية، في وقت أصبحت فيه الجغرافيا السياسية عاملاً لا يقل تأثيراً عن القانون الدولي في رسم خرائط التجارة والطاقة حول العالم.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك