وضع رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي اليوم الثلاثاء الإطار التنفيذي لتحركات الحكومة في ملف تطوير الإعلام حتى نهاية العام.
جاء ذلك خلال اجتماع لمتابعة تنفيذ تكليفات الرئيس الخاصة بتطوير المنظومة الإعلامية وتعزيز الحوار الإعلامي، في أول اجتماع حكومي موسع يعقد بعد إعلان الرئيس إطلاق مؤتمر سنوي للحوار الإعلامي مقرر عقده في ديسمبر/كانون الأول.
الاجتماع حضره رئيس الوزراء، وضم وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المهندس خالد عبد العزيز، ورئيس الهيئة الوطنية للصحافة المهندس عبد الصادق الشوربجي، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني،وأكد مدبولي أن لجنة تطوير الإعلام التي ترأسها خالد عبد العزيز انتهت بالفعل إلى إعداد مجموعة من التوصيات التي سيتم تنفيذها بالتنسيق مع الجهات المعنية، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن وزير الدولة للإعلام" لديه أيضاً رؤية متكاملة لتطوير القطاع الإعلامي" ويقود جهود التنسيق مع المؤسسات الإعلامية لمعالجة التحديات، وفي مقدمتها تسوية المديونيات وتحقيق الاستدامة المالية.
وأعلن ضياء رشوان خلال الاجتماع أن الوزارة انتهت من دراسة توصيات اللجنة، وأن" مخرجاتها ستمثل المرجعية الأساسية لخطة الدولة لتطوير الإعلام المصري".
وتشمل محاور مؤتمر الحوار الإعلامي إصلاح الأوضاع الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، وإتاحة المعلومات، والإعلام الحر المسؤول، والقضايا المهنية، والتناول الإعلامي لقضايا الاقتصاد والسياسة الخارجية والأمن القومي، إلى جانب مستقبل الإعلام الرقمي.
واستعرض أحمد المسلماني خطة الهيئة الوطنية للإعلام لتطوير ماسبيرو، من خلال تحديث البنية الرقمية ومحطات الإرسال، واستكمال تسوية مستحقات أصحاب المعاشات، والتوسع في استراتيجية" الرقمية أولاً"؛ فيما تناول عبد الصادق الشوربجي جهود معالجة أوضاع المؤسسات الصحافية القومية، بينما أكد خالد عبد العزيز أن اللجنة التي رأسها جاءت امتداداً للنقاشات التي شهدها الحوار الوطني، وانتهت إلى رؤية متكاملة أحالها الرئيس إلى وزارة الدولة للإعلام لوضع آليات تنفيذها.
ويأتي هذا التحرك الحكومي في وقت يواجه فيه الإعلام المصري تحديات متراكمة، تتعلق بتردي الأوضاع المالية للمؤسسات الصحافية والإعلامية، وتراجع العوائد التقليدية، والتوسّع السريع في الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن استمرار الضغوط المرتبطة بديون المؤسسات المملوكة للدولة.
كما يأتي بعد إعادة استحداث وزارة الدولة للإعلام مطلع العام الجاري، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على رغبة الدولة في وجود جهة تتولى تنسيق السياسات الإعلامية وقيادة عملية تطوير الإعلام المصري.
رغم تأكيد البيان الرسمي على التنسيق بين المؤسسات المعنية، فإنه كشف عن توزيع واضح للأدوار داخل منظومة الإصلاح، فبينما وضعت لجنة تطوير الإعلام التصور العام، أوكل إلى وزارة الدولة للإعلام إعداد البرنامج التنفيذي والإشراف على الإعداد للمؤتمر، وهو ما أثار تساؤلات لدى الصحافيين والإعلاميين المصريين، حول حدود دور الوزارة بعد إعادتها، وما إذا كانت تقود عملية الإصلاح أم تنفذ رؤية سبق إعدادها.
وتتجلى الصورة في تسلسل البيان الذي أصدره مجلس الوزراء مساء اليوم، إذ بدأ رئيس الوزراء حديثه باللجنة وتوصياتها، ثم أشار إلى أن وزير الدولة للإعلام لديه" أيضا رؤية متكاملة"، قبل أن يختتم الاجتماع بالتأكيد مجدداً على أن مهمة الحكومة حتى ديسمبر/كانون الأول هي ترجمة توصيات اللجنة إلى برنامج تنفيذي، بينما أعلن الوزير نفسه أن مرجعية خطة الدولة ستكون التوصيات التي أعدتها اللجنة.
واعتبر مسوؤل بالهيئة الوطنية للإعلام أن هذا الترتيب لا يعني بالضرورة وجود تضارب بين المؤسسات، لكنه يعكس توزيعاً للأدوار داخل منظومة إدارة الإعلام، مشيراً في تصريح لـ" العربي الجديد" إلى أن اللجنة وضعت الإطار الاستراتيجي، والوزارة تتولى التنسيق والإعداد للتنفيذ، بينما يحتفظ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بدوره التنظيمي، وتواصل الهيئتان الوطنيتان إدارة المؤسسات الصحافية والإعلامية المملوكة للدولة، ليظل نجاح هذه الصيغة مرهوناً بوضوح الاختصاصات وسرعة تحويل التوصيات إلى خطوات عملية، بما يضمن عدم تحول تعدد الجهات إلى عائق أمام تنفيذ الإصلاح.
في المقابل، كشف الاجتماع عن أولويات الحكومة خلال المرحلة المقبلة، إذ ركزت كلمات المشاركين على تسوية المديونيات، وتحقيق الاستدامة المالية، وتطوير البنية الرقمية، وتحديث محطات الإرسال، ورفع كفاءة المؤسسات الإعلامية.
وبرز ذلك في حديث المسلماني عن تطوير ماسبيرو ومنصاته الرقمية، والشوربجي عن أوضاع الصحف القومية، ورشوان عن المؤتمر ومحاوره، بما يعكس تركيز كل مؤسسة على الملفات المرتبطة باختصاصها.
رأي الصحافيين في تطوير الإعلامفي المقابل، يرى قطاع من الوسط الصحافي المصري أن تطوير الإعلام لا يقتصر على معالجة الأزمات المالية والإدارية.
فقد رحب نقيب الصحافيين خالد البلشي، في تصريحات صحافية أمس الأول، بدعوة الرئيس لعقد مؤتمر للحوار الإعلامي، معتبراً أنها فرصة لإعادة فتح النقاش حول مستقبل المهنة، لكنه شدّد على أن الإصلاح يتطلّب أيضاً إصدار قانون لحرية تداول المعلومات، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، ومراجعة التشريعات المنظمة للعمل الصحافي والإعلامي، إلى جانب معالجة أوضاع الصحافيين المحبوسين، باعتبار أن تطوير البيئة القانونية لا يقل أهمية عن تحديث المؤسسات.
وفي تصريح صحافي اليوم، اتفق معه وكيل نقابة الصحافيين، محمد الجارحي، الذي اعتبر دعوة الرئيس لتطوير الإعلام اعترافاً رسمياً بوجود أزمة حقيقية داخل المنظومة الإعلامية تراكمت على مدى سنوات، وانعكست آثارها على أداء المؤسسات وثقة الجمهور.
ويرى الجارحي أن استعادة المهنية والاحتراف وإتاحة المعلومات تمثل المدخل الحقيقي لأي إصلاح، مؤكداً أن غياب المعلومات أفسح المجال أمام انتشار محتوى يفتقر إلى المهنية وأضعف دور الإعلام التقليدي.
كما شدّد الجارحي على أهمية تمكين الصحافي من ممارسة دوره في الرقابة والنقد، محذراً من أن تنتهي الدعوات الحالية كما انتهت مبادرات سابقة دون نتائج ملموسة.
واعتبر الجارحي أن منح المؤسسات الإعلامية قدراً أكبر من الاستقلالية يمثل أحد الشروط الأساسية لاستعادة ثقة الجمهور وتعزيز دور الإعلام في تشكيل الوعي العام.
يكشف التباين أن الخلاف لا يدور حول ضرورة تطوير الإعلام، وإنما حول نقطة البداية، فبينما ترى الحكومة أن الأولوية تتمثل في إنقاذ المؤسسات مالياً وإدارياً وتكنولوجياً حتى تتمكن من أداء دورها، يعتقد قطاع واسع من الصحافيين والإعلاميين أن الإصلاح لن يكتمل من دون تحديث البيئة التشريعية، وتوسيع إتاحة المعلومات، وتعزيز الضمانات المهنية التي تمكّن وسائل الإعلام من أداء دورها بكفاءة واستقلالية.
وبينما حسم اجتماع الحكومة الانتقال من مرحلة إعداد التوصيات إلى مرحلة التنفيذ، يبقى نجاح مؤتمر ديسمبر/كانون الأول مرهوناً بقدرته على الجمع بين رؤية الحكومة، التي تركز على إعادة بناء المؤسسات، ورؤية الوسط الصحافي، الذي يدعو إلى إصلاح تشريعي ومهني أوسع.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك