عمان- في الوقت الذي خلصت فيه ورقة سياسات رسمية صدرت أخيرا إلى أن تطبيق الاقتصاد الدائري في الأردن قد يخفض فاتورة المستوردات بنسبة تتراوح بين 5 % و15 % خلال السنوات العشرة المقبلة، ويوفر نحو 25 ألف فرصة عمل، أكد صناعيون أن تبني هذا النموذج أصبح ضرورة لتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية، وخفض كلف الإنتاج، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وزيادة قدرة الصادرات الأردنية على النفاذ إلى الأسواق العالمية، خصوصا الأوروبية.
ويعرف مختصون الاقتصاد الدائري بأنه نموذج اقتصادي يهدف إلى القضاء على الهدر والتلوث عبر إبقاء المنتجات والمواد قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة، ويقوم على الصيانة، إعادة الاستخدام، الإصلاح، التجديد، وإعادة التدوير.
ودعا الصناعيون، في أحاديث منفصلة لـ" الغد"، إلى تبني إستراتيجية وطنية متكاملة للاقتصاد الدائري، تتضمن تشريعات وحوافز داعمة، مؤكدين أن هذا التحول يمثل فرصة لتعزيز الاستثمار، وخلق فرص عمل، وتقليل الاعتماد على المستوردات، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
وقالوا إن التحول نحو الاقتصاد الدائري يمثل فرصة إستراتيجية للصناعة الأردنية لرفع الإنتاجية، وتقليل الاعتماد على المواد الخام المستوردة، وتطوير صناعات جديدة قائمة على إعادة التدوير والتكنولوجيا النظيفة، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني وقدرته على مواكبة التحولات العالمية في مجالات الاستدامة والتصنيع الأخضر.
ويضم القطاع الصناعي قرابة 17 ألف منشأة صناعية وحرفية توظف قرابة 271 ألف عامل وعاملة، فيما يشكل ربع الاقتصاد الوطني، وينتج 1500 سلعة ويصدر 1400 سلعة متنوعة، من إجمالي 5300 سلعة منتجة ومتداولة في العالم فيما تصل صادراته إلى أسواق 150 دولة حول العالم.
ركيزة لتعزيز تنافسية الصناعةوأكد رئيس غرفة صناعة الأردن، المهندس فتحي الجغبير، أن الاقتصاد الدائري بات يمثل أحد المحركات الرئيسة لتطوير الصناعة الأردنية، في ظل التوجه المتزايد نحو رفع كفاءة استخدام الموارد وخفض كلف الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والعالمية.
وقال الجغبير إن العديد من المنشآت الصناعية الأردنية بدأت بالفعل بتطبيق ممارسات الاقتصاد الدائري، وإن تفاوتت مستوياتها بين القطاعات، من خلال إعادة استخدام المواد الخام، وإعادة تدوير مخلفات الإنتاج، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة والمياه، والاستفادة من المنتجات الثانوية كمدخلات إنتاج جديدة.
وأوضح أن هذه الممارسات أصبحت أكثر وضوحا في قطاعات الصناعات الغذائية، والكيماوية، والبلاستيكية، والإنشائية، والتعدينية، التي نجحت في استثمار المخلفات الصناعية وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية، إلى جانب التوسع في استخدام تقنيات الإنتاج الأنظف والطاقة المتجددة، وتطوير مواد تعبئة وتغليف قابلة لإعادة التدوير.
وأشار إلى أن غرفة صناعة الأردن تعمل على تسريع التحول نحو الاقتصاد الدائري من خلال مركز الطاقة والاستدامة، الذي يقدم الدعم الفني للمصانع في مجالات كفاءة الطاقة والاستدامة، إضافة إلى تطوير منصة لتبادل واستثمار المخلفات الصناعية، بما يتيح تحويل مخلفات بعض المنشآت إلى مدخلات إنتاج لمنشآت أخرى، فضلا عن تنفيذ برامج تدريب وتوعية لنشر مفاهيم الاقتصاد الدائري في القطاع الصناعي.
وأضاف الجغبير أن الاقتصاد الدائري يوفر فرصة إستراتيجية للصناعة الأردنية لخفض كلف الإنتاج، وتقليل الهدر، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد والطاقة، وتقليل الاعتماد على المستوردات، بما يسهم في رفع القيمة المضافة المحلية وتعزيز الأمن الصناعي، خاصة في ظل محدودية الموارد الطبيعية وارتفاع كلف مدخلات الإنتاج.
وأكد أن تبني مبادئ الاقتصاد الدائري أصبح عاملا أساسيا لتعزيز فرص نفاذ المنتجات الأردنية إلى الأسواق العالمية، ولا سيما الأسواق الأوروبية، التي تفرض متطلبات متزايدة تتعلق بالاستدامة، والبصمة الكربونية، وكفاءة استخدام الموارد، مشيرا إلى أن مواكبة هذه المتطلبات تعزز تنافسية المنتج الأردني على المدى الطويل.
وبين أن تسريع التحول نحو الاقتصاد الدائري يتطلب توفير حزمة متكاملة من الحوافز، تشمل برامج تمويل ميسرة للمشروعات التي تعتمد تقنيات إعادة التدوير وكفاءة استخدام الموارد، ومنح حوافز ضريبية وجمركية للاستثمارات الخضراء، إلى جانب تشجيع تحديث خطوط الإنتاج، وتطوير التشريعات الخاصة بإدارة المخلفات الصناعية، وإنشاء بنية تحتية متخصصة لمعالجة وفرز المخلفات.
وشدد الجغبير على أهمية تحديث المواصفات القياسية للمنتجات المعاد تدويرها، وتوحيد متطلبات المطابقة والجودة بين المنتج المحلي والمستورد، بما يحقق عدالة المنافسة ويشجع الاستثمار في الصناعات القائمة على إعادة التدوير، داعيا كذلك إلى توسيع استخدام هذه المنتجات في المشتريات الحكومية والمشروعات الكبرى متى استوفت المواصفات الفنية.
وأشار إلى أن الاقتصاد الدائري يفتح المجال أمام استثمارات صناعية جديدة في مجالات إعادة التدوير، والتكنولوجيا النظيفة، وإدارة الموارد، وتصنيع المواد المعاد تدويرها، كما يسهم في خلق فرص عمل نوعية في مجالات الهندسة، والبحث والتطوير، والخدمات اللوجستية، والصيانة، وإدارة الموارد.
وأكد الجغبير أن نجاح الاقتصاد الدائري يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص، من خلال إستراتيجية وطنية واضحة تربط بين السياسات الصناعية والبيئية والاستثمارية، بما يعزز تنافسية الصناعة الأردنية، ويحفز الاستثمار، ويوفر فرص عمل، ويحقق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
وأكد رئيس جمعية شرق عمان الصناعية، الدكتور إياد أبو حلتم، أن الاقتصاد الدائري بات يمثل أحد أهم المحركات لتعزيز تنافسية الصناعة الأردنية، موضحا أن المفهوم يتجاوز إعادة تدوير النفايات ليشمل منظومة متكاملة تقوم على الاستخدام الأمثل للموارد والطاقة، وتقليل الفاقد والهدر في مختلف مراحل الإنتاج وسلاسل التزويد.
وقال أبو حلتم إن تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري يسهم في خفض كلف الإنتاج والحد من الاعتماد على المواد الخام المستوردة، إلى جانب تقليل كلف التخلص من النفايات، ما يحقق وفورات اقتصادية كبيرة للقطاع الصناعي والاقتصاد الوطني، متوقعا أن تتجاوز هذه الوفورات التقديرات الحالية مع التوسع في استخدام التقنيات الحديثة.
وأضاف أن الاقتصاد الدائري لا يقتصر على إعادة تدوير البلاستيك أو الورق، بل يشمل إعادة توظيف مختلف المخلفات الصناعية، بما فيها النفايات الإلكترونية، والأجهزة الكهربائية، والمنسوجات، ومخلفات التعبئة والتغليف، وتحويلها إلى مواد أولية تدخل مجددا في العمليات التصنيعية، بدلا من التخلص منها وما يرافق ذلك من كلف اقتصادية وآثار بيئية.
وأوضح أن النفايات الإلكترونية تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الأردن، في ظل تزايد كميات الحواسيب والهواتف المحمولة والأجهزة الكهربائية التي تنتهي صلاحيتها، مبينا أن إعادة تدوير هذه المخلفات والاستفادة مما تحتويه من مواد أولية يسهم في تقليل كلف التخلص منها، والحد من آثارها البيئية، وتحويلها إلى مدخلات إنتاج ذات قيمة مضافة.
وأشار أبو حلتم إلى أن تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري داخل المصانع يشمل أيضا تقليل الفاقد داخل العمليات الإنتاجية، ورفع كفاءة استخدام المواد الخام والطاقة، والاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة كلما أمكن، الأمر الذي ينعكس على خفض كلف التصنيع، وتعزيز الإنتاجية، وتقوية القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية.
وبين أن تقليل الهدر في مراحل الإنتاج يخفف الكلف التشغيلية على المصانع، ويحد من انتقال هذه الكلف إلى المستهلك النهائي، مؤكدا أن تحقيق أعلى كفاءة في استخدام الموارد والطاقة أصبح أحد أهم عناصر نجاح الصناعة الحديثة.
وأكد أن التحول نحو الاقتصاد الدائري لم يعد خيارا تنمويا فحسب، بل أصبح ضرورة للحفاظ على تنافسية الصادرات الأردنية، في ظل توجه الاتحاد الأوروبي وعدد متزايد من الأسواق العالمية إلى تشديد متطلبات الاستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية، وربط دخول المنتجات بالحصول على شهادات تثبت كفاءة استخدام الموارد والطاقة، والالتزام بممارسات الاقتصاد الدائري والاقتصاد الأخضر.
وحذر من أن عدم مواكبة هذه المتطلبات قد يحد من قدرة المنتجات الأردنية على النفاذ إلى الأسواق الخارجية خلال السنوات المقبلة، لافتا إلى أن العديد من الدول باتت تربط التبادل التجاري بمعايير الاستدامة والاقتصاد الدائري.
خفض كلف الإنتاج والاستيرادوأكد رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الأردن، المهندس محمد الصمادي، أن التحول نحو الاقتصاد الدائري أصبح ضرورة اقتصادية للأردن، لما يوفره من فرص لخفض كلف الإنتاج والاستيراد، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وجذب الاستثمارات، وتعزيز تنافسية الصادرات الأردنية في الأسواق الأوروبية.
وقال الصمادي إن الأردن قطع خطوات مهمة في تبني مبادئ الاقتصاد الدائري من خلال مبادرات في مجالات إعادة التدوير، والطاقة المتجددة، وإدارة النفايات، وكفاءة استخدام المياه والطاقة، والاستفادة من المخلفات الزراعية والصناعية، إلا أن هذه الجهود ما تزال بحاجة إلى الانتقال من مبادرات متفرقة إلى نموذج اقتصادي متكامل يربط بين السياسات الصناعية والاستثمارية والتجارية.
وأضاف أن محدودية الموارد الطبيعية واعتماد الأردن على استيراد جزء كبير من احتياجاته من الطاقة والمواد الخام يجعل الاقتصاد الدائري خيارا إستراتيجيا، إذ يسهم في استعادة المواد القابلة لإعادة الاستخدام، وتقليل الفاقد، وخفض كلف الإنتاج، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة اضطرابات سلاسل التوريد وتقلبات الأسعار العالمية.
وأوضح أن المستثمر الأوروبي لم يعد ينظر فقط إلى كلفة العمالة أو الموقع الجغرافي، بل أصبح يقيم كفاءة استخدام الموارد، والبصمة الكربونية، ومدى الاعتماد على الطاقة النظيفة، وإمكانات إعادة التدوير، ومدى توافق المشاريع مع المعايير البيئية الأوروبية، ما يجعل الاقتصاد الدائري عاملا أساسيا في جذب الاستثمارات الأوروبية.
وأشار إلى أن الأردن يمتلك مقومات مهمة تؤهله ليكون مركزا إقليميا للصناعة الخضراء وإعادة التدوير وإعادة التصنيع، بفضل موقعه الجغرافي، واتفاقياته التجارية، وكفاءاته البشرية، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وعلاقاته الإستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، مؤكدا أن المطلوب هو تحويل هذه الميزات إلى عرض استثماري متكامل.
وأكد الصمادي أن معايير الاستدامة والاقتصاد الدائري أصبحت اليوم عاملا مؤثرا في نفاذ الصادرات إلى الأسواق الأوروبية، موضحا أن الاتحاد الأوروبي بات ينظر إلى دورة حياة المنتج بالكامل، بدءا من مصدر المواد الخام، واستهلاك الطاقة والمياه، والانبعاثات الكربونية، وصولا إلى إمكانية إعادة الاستخدام والتدوير بعد انتهاء عمر المنتج.
وأضاف أن تطبيق آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، إلى جانب التشريعات الجديدة المتعلقة بالتصميم البيئي وجواز المنتج الرقمي، يجعل من الضروري أن تبدأ الشركات الأردنية بحساب البصمة الكربونية لمنتجاتها، وتحسين كفاءة استخدام الموارد والطاقة، وتطوير أنظمة لتتبع المواد وسلاسل التوريد، والحصول على الشهادات البيئية والفنية المطلوبة.
وشدد على أن الشركات التي تبادر إلى تطبيق هذه المعايير لن تحقق الامتثال فقط، بل ستتمكن من الحصول على عقود تصديرية طويلة الأجل، والاندماج في سلاسل التوريد الأوروبية، وخفض كلف التشغيل، وتعزيز قدرتها التنافسية.
وأضاف أن التحول نحو الاقتصاد الدائري يتيح أيضا الاستفادة من الخبرات الأوروبية في مجالات التكنولوجيا النظيفة، وكفاءة الطاقة، ومعالجة المياه الصناعية، والتصميم البيئي، إلى جانب الاستفادة من برامج التمويل الأخضر والقروض الميسرة وصناديق الاستثمار المناخي، التي باتت توفر فرصا متزايدة لدعم المشاريع المستدامة.
ودعا الصمادي إلى تبني إستراتيجية وطنية متكاملة للاقتصاد الدائري، تتضمن أهدافا واضحة ومؤشرات أداء لكل قطاع، إلى جانب تطوير التشريعات الخاصة بإدارة الموارد والمخلفات، واعتماد نظام مسؤولية المنتج الممتدة، ووضع مواصفات واضحة للمواد المعاد تدويرها، وتقديم حوافز ضريبية وتمويلية للاستثمارات في التكنولوجيا الخضراء.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك