أستاذ جامعي في مجال الصحة العامةالمدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدراتالمدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبياناتيتناول المقال إشكالية تاريخية ودستورية تتعلق بمدى استقلال الإدارة البريطانية في السودان خلال فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري بين عامي 1899 و1956، مبيناً أن القضية لا تقتصر على طبيعة السيطرة البريطانية على السودان، وإنما تتعلق أيضاً بالعلاقة بين الإدارة البريطانية الميدانية في الخرطوم والحكومة البريطانية المركزية في لندن.
وينطلق من أن فهم هذه القضية يتطلب التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة هي: المستوى الدستوري المتعلق بالموقع القانوني للسودان داخل الإمبراطورية البريطانية، والمستوى المؤسسي المرتبط بتكوين ثقافة إدارية وهوية مهنية خاصة لدى المسؤولين البريطانيين العاملين في السودان، والمستوى التفسيري الذي يبحث فيما إذا كان هذا التمايز يمثل مجرد هامش إداري طبيعي أم استقلالاً فعلياً في صنع القرار.
ويبين المقال أن اتفاقية الحكم الثنائي لعام 1899 أنشأت نظاماً دستورياً فريداً جمع السلطات التشريعية والتنفيذية والمالية في يد الحاكم العام الذي ترشحه بريطانيا ويعينه الخديوي المصري شكلياً، بينما كانت تبعية السودان الإدارية لوزارة الخارجية البريطانية بدلاً من وزارة المستعمرات، وهو وضع غير مألوف داخل الإمبراطورية البريطانية.
وقد أدى هذا الترتيب إلى اتساع صلاحيات الحاكم العام والإدارة الموجودة في الخرطوم نتيجة محدودية الإشراف اليومي من لندن، دون أن يعني ذلك انتقال السيادة إليها.
كما أدى انشغال وزارة الخارجية بالقضايا الدولية الكبرى إلى منح الإدارة السودانية مساحة واسعة لإدارة الشؤون اليومية واتخاذ المبادرات التنفيذية.
ويستعرض المقال الأدلة التي يستند إليها أنصار فكرة استقلال الإدارة البريطانية في السودان، ومن أبرزها رفض السكرتير المدني السير جيمس روبرتسون عام 1953 الاستجابة لطلب وزير الدولة البريطاني للخارجية بإبطاء عملية سودنة الوظائف، معللاً ذلك بأن مسؤوليته المباشرة تقع تجاه الحاكم العام وليس تجاه وزارة الخارجية.
كما يعرض شهادات تشير إلى وجود اختلافات بين رؤية المسؤولين البريطانيين العاملين في السودان ورؤية دوائر صنع القرار في لندن، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع مصر ومستقبل السودان السياسي، إضافة إلى مواقف متعددة عارض فيها المسؤولون في الخرطوم بعض توجهات الحكومة البريطانية بشأن الاعتراف بلقب ملك مصر والسودان، أو إدارة المفاوضات المتعلقة بالاستقلال، أو التعامل مع نتائج انتخابات عام 1953.
ويرى المقال أن هذه الوقائع تثبت وجود تباينات حقيقية في الرؤى والمواقف بين الإدارة الميدانية والحكومة المركزية، لكنها لا تثبت استقلالاً مؤسسياً أو سيادياً للإدارة البريطانية في السودان، لأن الحكومة البريطانية احتفظت دائماً بحق تعيين كبار المسؤولين وعزلهم، كما بقيت القرارات الإستراتيجية النهائية، المتعلقة بالدفاع والسياسة الخارجية ومستقبل السودان الدستوري، خاضعة لموافقة لندن.
ويعرض المقال الرأي المقابل الذي يرى أن ما حدث لا يخرج عن كونه تنافساً بيروقراطياً مألوفاً بين المركز والأجهزة التنفيذية في المستعمرات، وأن ظاهرة امتلاك الإدارات الميدانية هامشاً واسعاً من حرية الحركة كانت سمة عامة للإدارة الإمبراطورية البريطانية وليست حالة سودانية استثنائية.
كما يؤكد أن القرارات الكبرى، مثل إعلان الحماية على مصر، والتعامل مع أزمة اغتيال السير لي ستاك، والانتقال إلى الحكم الذاتي ثم الاستقلال، ظلت تصدر عن الحكومة البريطانية أو تعتمد منها بصورة نهائية، وأن الحاكم العام ظل يستمد شرعيته وصلاحياته من السلطة البريطانية العليا.
ويستعين المقال بالإطار النظري الذي قدمه رونالد روبنسون وجون غالاغر حول العلاقة بين “العقل الرسمي” في لندن و”الرجل الموجود في الميدان”، والذي يفسر كيفية تأثير الإداريين المحليين في صياغة السياسات الإمبراطورية نتيجة امتلاكهم المعرفة المباشرة بالواقع المحلي، وقدرتهم على اتخاذ قرارات عاجلة تفرض نفسها أحياناً على صناع القرار في المركز.
ويخلص إلى أن هذا الإطار يفسر الحالة السودانية بصورة أفضل من ثنائية الاستقلال الكامل أو التبعية المطلقة، إذ كانت الإدارة البريطانية في السودان جزءاً من الإمبراطورية، لكنها تمتعت في الوقت نفسه بقدر معتبر من الاستقلال التنفيذي والتأثير السياسي.
ويناقش المقال كتاب “الوصاية العظيمة” لمحمد النجومي بوصفه أحد أبرز النصوص التي قدمت الإدارة البريطانية في السودان باعتبارها تجربة مختلفة عن الاستعمار التقليدي، إذ يصور المسؤولين البريطانيين باعتبارهم أوصياء يسعون لتنمية السودان لا لاستغلاله، ويتجنب استخدام مصطلح الاستعمار لصالح مفهوم الوصاية.
ويرى المقال أن هذا الطرح يؤدي وظيفة خطابية تتمثل في تبرئة التجربة الاستعمارية أخلاقياً من خلال فصلها عن بقية التجارب الإمبراطورية البريطانية، ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه خطاباً اعتذارياً أكثر من كونه تفسيراً تاريخياً موضوعياً.
كما يناقش دراسة جمال الشريف التي تتجاوز فكرة التباين الإداري لتطرح فرضية وجود “لوبي” من الإداريين البريطانيين تولى عملياً رسم السياسة السودانية بصورة مستقلة عن الحكومة البريطانية، وربطت هذا اللوبي لاحقاً بالحركة الصهيونية من خلال مجموعة من الوقائع الجزئية.
ويقر المقال بأن الدراسة تقدم معلومات مفيدة حول الخلافات بين الخرطوم ولندن، إلا أنه يوجه إليها نقداً منهجياً بسبب اعتمادها على مصدر غير محكم، وصعوبة التحقق من بعض وثائقها، وانتقالها من عرض الوقائع إلى بناء استنتاجات واسعة لا تستند إلى أدلة حاسمة.
كما يشير إلى وجود أخطاء تاريخية موثقة في بعض تفاصيلها المتعلقة بأورد ونجت، بما يضعف البناء الاستدلالي الذي تقوم عليه فرضية وجود شبكة منظمة تقود السياسة السودانية بعيداً عن الحكومة البريطانية.
ويقدم المقال في النهاية قراءة تركيبية تجمع بين ثلاثة أبعاد مترابطة.
يتمثل البعد الأول في الطبيعة المؤسسية الخاصة للحكم الثنائي التي منحت الإدارة البريطانية في السودان هامشاً تنفيذياً واسعاً نتيجة تبعيتها لوزارة الخارجية.
ويتمثل البعد الثاني في الدور الفعلي الذي لعبه الإداريون البريطانيون في التأثير على بعض السياسات اعتماداً على خبرتهم المحلية ومكانتهم داخل جهاز الحكم.
أما البعد الثالث فيتعلق بتوظيف هذه الظاهرة في اتجاهين متعارضين، أحدهما يسعى إلى تبرئة الاستعمار البريطاني من خلال تصويره كوصاية حضارية، والآخر يحول التباين الإداري إلى نظرية مؤامرة واسعة لا تدعمها الوثائق الأكاديمية المتاحة.
ويخلص المقال إلى أن الإدارة البريطانية في السودان لم تكن مستقلة عن السيادة البريطانية، لكنها لم تكن أيضاً مجرد جهاز ينفذ أوامر لندن بصورة آلية، بل كانت تمتلك ثقافة مؤسسية متميزة وهامشاً واسعاً من المبادرة والتأثير في صياغة السياسات اليومية، مع بقاء السلطة النهائية والقرارات الإستراتيجية الكبرى بيد الحكومة البريطانية.
ومن ثم فإن التفسير الأكثر توازناً يتمثل في النظر إلى العلاقة بين لندن والخرطوم بوصفها علاقة تفاعل مستمر بين مركز الإمبراطورية وأجهزتها التنفيذية، وليس باعتبارها علاقة تبعية مطلقة أو استقلال كامل، مع ضرورة التمييز بين الوقائع التاريخية الموثقة والتفسيرات الأيديولوجية أو التأويلات التي تتجاوز ما تسمح به الأدلة المتاحة.
مدخل: طبيعة الجدل ومستوياته المتعددةيثير تاريخ الحكم الثنائي الإنجليزي المصري للسودان (1899-1956) إشكالية دستورية وتاريخية عميقة تتجاوز السؤال المعتاد عن طبيعة السيطرة البريطانية على مصر والسودان، لتطرح سؤالاً أكثر دقة: هل كانت الإدارة البريطانية في السودان نفسها، أي جهاز الحاكم العام والسكرتير المدني والخدمة السياسية السودانية (Sudan Political Service)، تتمتع بقدر من الاستقلالية العملية عن الحكومة البريطانية في لندن، بحيث كانت تصوغ سياساتها وتتخذ قراراتها المصيرية دون خضوع كامل لتوجيهات وايتهول؟ هذا الجدل، الذي يبدو للوهلة الأولى تفصيلاً إدارياً، هو في جوهره مدخل لفهم كيف تشكل مصير السودان السياسي، ولماذا اتخذت بريطانيا الرسمية مواقف متذبذبة أحياناً تجاه وحدة وادي النيل واستقلال السودان (الشريف، 2011؛ Daly, 1986).
والتعامل الجاد مع هذا الجدل يستوجب تفكيكه أولاً إلى مستوياته المنفصلة، إذ يخلط كثير من الكتابات بين ثلاث قضايا متمايزة يمكن أن تتقاطع لكنها ليست الشيء نفسه: الأولى مسألة قانونية دستورية تتعلق بموقع السودان الشكلي داخل الهيكل الإداري البريطاني (تبعيته لوزارة الخارجية لا لوزارة المستعمرات)؛ والثانية مسألة سوسيولوجية-مؤسسية تتعلق بنشوء ثقافة إدارية وهوية جماعية خاصة لدى الموظفين البريطانيين العاملين ميدانياً في الخرطوم، بحيث طوروا مصالح ورؤى قد تتعارض أحياناً مع تفضيلات صناع القرار في لندن؛ والثالثة مسألة تفسيرية تتعلق بالدرجة التي بلغها هذا التمايز، هل هو مجرد هامش مناورة تنفيذي طبيعي، أم استقلال شبه كامل عن السيادة البريطانية، أم بالأحرى تعبير عن مخطط منظم ذي أبعاد تتجاوز الإدارة الاستعمارية؟ إن الخلط بين هذه المستويات الثلاثة هو ما يفسر تفاوت الأطروحات المطروحة في هذا الملف تفاوتاً حاداً، من التوصيف الأكاديمي الرصين إلى التأويل الأقل انضباطاً منهجياً.
نشأة الحكم الثنائي والوضع الدستوري الغامض لاتفاقية 1899أنشأت اتفاقية الحكم الثنائي الموقعة في 19 يناير 1899 بين بريطانيا ومصر نظاماً لم يكن له نظير سابق في القانون الدولي، إذ مركزت جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والمالية في يد ضابط واحد هو الحاكم العام، الذي يرشحه الجانب البريطاني ويصدر بتعيينه مرسوم خديوي مصري (المعرفة، 2026؛ ويكيبيديا العربية، 2026).
ومن الناحية الشكلية، كان الحاكم العام مسؤولاً أمام وزارة الخارجية البريطانية عبر المعتمد والقنصل العام البريطاني في القاهرة، وليس أمام وزارة المستعمرات كما هو الحال في سائر ممتلكات التاج البريطاني (أرابيكا، تاريخ السودان الإنجليزي المصري).
وقد تولى السير ريجنالد ونجت منصب الحاكم العام خلفاً لكتشنر عام 1899 واستمر فيه حتى عام 1916، قبل أن ينتقل إلى منصب المندوب السامي البريطاني في مصر (1917-1919) (Reginald Wingate, ويكيبيديا).
غير أن هذا الترتيب الشكلي لتبعية السودان أخفى، بحسب عدد من المؤرخين والشهود المعاصرين، واقعاً مختلفاً تماماً على الأرض، إذ مارس الحاكم العام سلطات استثنائية وأدار حكومة السيادة المشتركة من الخرطوم وكأنها حكومة استعمارية مستقلة، بعيداً عن الإشراف اليومي المباشر من لندن (أرابيكا، تاريخ السودان الإنجليزي المصري).
وقد لاحظت المؤرخة ديبورا لافين أن تبعية السودان لوزارة الخارجية البريطانية، لا لوزارة المستعمرات، كانت أمراً شاذاً ونادراً ضمن الإمبراطورية البريطانية، وأن هذا الوضع الاستثنائي جعل الإدارة السودانية أكثر انكشافاً على تحولات النظام الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية من نظيراتها في المستعمرات الخاضعة لوزارة المستعمرات (Lavin, 1991).
وقد عبّر أحد وزراء المستعمرات البريطانيين في وقته عن أسفه لأن السودان وقع تحت مسؤولية وزارة خارجية غير مهتمة بشؤونه الإدارية اليومية، بدلاً من وزارة المستعمرات الأكثر دراية بمثل هذه الأقاليم (Kirk-Greene, 2000).
هذا التنافر البنيوي بين الوزارتين في لندن هو أحد الجذور التي استند إليها من قال بوجود هامش استقلالية فعلي للإدارة البريطانية في السودان.
وتفكيك هذه الملاحظة يكشف أنها ملاحظة بنيوية بحتة لا تتعلق بنوايا الإداريين في الخرطوم بقدر ما تتعلق بضعف قدرة وزارة الخارجية البريطانية نفسها، المنشغلة عالمياً بملفات أكبر، على متابعة تفاصيل الشأن السوداني اليومي، وهو ما ترك فراغاً تنفيذياً ملأه الحاكم العام وجهازه بحكم الواقع لا بحكم تفويض متعمد.
الشواهد التاريخية على استقلالية الإدارة عن لندنيستند أنصار أطروحة الاستقلالية إلى مجموعة من الوقائع الواردة في دراسة الباحث السوداني جمال الشريف “المؤامرة والصراع السياسي في السودان 1874-2006” (2011)، وهي دراسة منشورة عبر منتدى نقاشي عام وليست عملاً أكاديمياً محكّماً، وهو ما يستوجب التعامل مع تفاصيلها بحذر منهجي أكبر من التعامل مع الأعمال الأكاديمية المرجعية.
فقد أورد الشريف، نقلاً عن الباحث غراهام توماس، واقعة دالة جرت عام 1953، حين طلب وزير الدولة البريطاني للخارجية سولوين لويد من السير جيمس روبرتسون، السكرتير المدني لحكومة السودان، إبطاء وتيرة “سودنة” الوظائف حتى تترتب الأوضاع السياسية في لندن، فرفض روبرتسون الطلب موضحاً أنه يتبع للحاكم العام لا لوزارة الخارجية البريطانية، وهو ما اعتبره توماس مؤشراً مهماً على استقلالية الإدارة البريطانية في السودان عملياً عن الحكومة المركزية (الشريف، 2011).
كذلك أشار الشريف إلى أن السياسي السوداني منصور خالد وصف السياسة البريطانية تجاه السودان، منذ أوائل الأربعينيات على الأقل، بأنها كانت تتجاذبها قوتان متعارضتان: دوائر وايتهول (الحكومة المركزية) التي تنظر إلى السودان من منظور استراتيجي تخدم فيه مصر مصالح بريطانيا الكبرى، والإداريون البريطانيون العاملون في السودان أنفسهم، الذين اعتبروا أنفسهم أوصياء مباشرين على السودانيين وطوروا علاقات محلية دفعتهم أحياناً إلى معارضة توجيهات رؤسائهم في لندن (خالد، مقتبس في الشريف، 2011).
ويورد الشريف كذلك سلسلة من المواقف الموثقة في دراسته بين عامي 1950 و1954 تكشف عن هذا التوتر: تقارير من السكرتير المدني تتهم وزارة الخارجية البريطانية وسفارتها في القاهرة بالتفريط في مصير السودان لتحقيق مكاسب سياسية في قضايا أخرى كقناة السويس، وتحذيرات متكررة من الحاكم العام لحكومته من قبول الاعتراف بلقب “ملك مصر والسودان”، وتقرير من السير جيمس روبرتسون إلى زعيم حزب العمال البريطاني يتهم فيه الحكومة ببيع السودان لصالح الملك فاروق (الشريف، 2011).
كما يشير الشريف إلى أن مجموعة من الإداريين البريطانيين في السودان، بقيادة المستشار وليم لوس، لعبت دوراً مؤثراً في مسار الأحداث السياسية التي أفضت إلى استقلال السودان عام 1956، بما في ذلك التحول عن دعم حزب الأمة بعد خسارته انتخابات 1953 والعمل على إقناع حزب الأزهري الفائز بالتخلي عن خيار الوحدة مع مصر لصالح الاستقلال (الشريف، 2011).
وعند تفكيك هذه الشواهد إلى عناصرها المكونة، يتضح أنها تنتمي في معظمها إلى نمط واحد من الأدلة: مواقف فردية لموظفين رفيعين يعبّرون عن استياء من سياسة لندن أو يرفضون تعليمات بعينها، وهو ما يوثق تبايناً في وجهات النظر أكثر مما يوثق استقلالاً مؤسسياً بالمعنى الدستوري.
فرفض روبرتسون تنفيذ طلب لويد، وإن كان دالاً على جرأة تنفيذية، لم يمنع الحكومة البريطانية من أن تحتفظ، لو أرادت، بسلطة إقالته أو تجاوزه، وهو ما يضع هذا الحادث في خانة “هامش المناورة التنفيذي” لا “الاستقلال السيادي”.
الرأي المضاد: حدود هذه “الاستقلالية”في المقابل، يرى فريق من الباحثين أن هذا التوتر الإداري بين لندن والخرطوم لا يرقى إلى وصفه استقلالية حقيقية عن بريطانيا بالمعنى السيادي، بل هو تعبير عن تنافس بيروقراطي طبيعي بين مركز القرار في وايتهول والجهاز التنفيذي الميداني، وهو نمط متكرر في كل الإدارات الاستعمارية البريطانية وليس خاصية سودانية صرفة.
فمارتن دبليو دالي، في مسحه الشامل لتاريخ الحقبة، يوثق أن القرارات المصيرية الكبرى، كإعلان الحماية على مصر عام 1914، والتعامل مع أزمة اغتيال السير لي ستاك عام 1924، وقرار الاعتراف باستقلال السودان أو تأجيله، ظلت في نهاية المطاف قرارات تتخذها الحكومة البريطانية المركزية أو تصادق عليها، وأن ما بدا استقلالية في التنفيذ اليومي لم يتجاوز هامش المناورة الذي تتمتع به أي بيروقراطية إمبراطورية ميدانية (Daly, 1986; Daly, 1991).
كما أن اعتماد الحاكم العام في تعيينه وصلاحياته على القرار البريطاني ابتداءً، وخضوع الميزانية والسياسة الخارجية والدفاعية للسودان لموافقة لندن حتى في مرحلة الحكم الذاتي بعد اتفاقية 1953، يقوّض فكرة استقلالية جوهرية عن السيادة البريطانية العليا (Sudan Self-Government Statute، ويكيبيديا).
كذلك تشير أعمال روبرت أو.
كولينز عن ضباط الخدمة السياسية السودانية إلى أن هؤلاء الإداريين، رغم اعتزازهم بطابعهم الخاص وشعورهم بالتفرد عن باقي الخدمات الاستعمارية البريطانية، ظلوا في نهاية الأمر جزءاً من المنظومة الإمبراطورية الأوسع، يخضعون لتعيين لندن ولإشرافها في المسائل الجوهرية، وإن كانوا يتمتعون بحرية تنفيذية واسعة على مستوى الإدارة اليومية للأقاليم (Collins, 1983؛ مشار إليه في Kirk-Greene, 2000).
الإطار النظري: “العقل الرسمي” و”الرجل الموجود في الميدان”لفهم هذا الجدل فهماً أعمق يتجاوز سرد الوقائع المتفرقة، من المفيد استحضار الإطار النظري الذي طرحه المؤرخان رونالد روبنسون وجون غالاغر، بمشاركة أليس ديني، في عملهما المرجعي عن “العقل الرسمي للإمبريالية”، والذي أحدث تحولاً جوهرياً في كتابة تاريخ الإمبراطورية البريطانية.
فقد ذهب روبنسون وغالاغر إلى أن التوسع الإمبراطوري البريطاني في أفريقيا لم يكن نتاج مخطط مركزي متماسك تصوغه الحكومة في لندن، بل كان غالباً ما يُفرض على “العقل الرسمي” في وايتهول بفعل ديناميكيات الأطراف نفسها، أي بفعل “الرجل الموجود في الميدان” (the man on the spot) الذي يواجه أزمات محلية آنية تضطره لاتخاذ قرارات سريعة تسبق أو تتجاوز التوجيه المركزي، لتجد لندن نفسها بعد ذلك مضطرة إما لإقرار هذه الوقائع أو التنصل منها بكلفة سياسية (Robinson, Gallagher and Denny, 1961).
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإطار النظري نفسه ظل موضع نقاش أكاديمي مستمر منذ صدوره، إذ أخذ عليه بعض المؤرخين، مثل ساندرسون، أنه لا يفسر بالقدر نفسه من الكفاءة كل حالات التوسع الإمبراطوري، وأنه يركز على النوايا الذاتية لصناع القرار دون تفسير جذورها الاجتماعية.
وتطبيق هذا الإطار على الحالة السودانية يقدم قراءة أكثر توازناً من ثنائية “استقلال كامل” مقابل “تبعية كاملة” التي يقع فيها كثير من الكتابات حول الموضوع.
فالحاكم العام والسكرتير المدني وجهاز الخدمة السياسية السودانية لم يكونوا “مستقلين” عن بريطانيا بالمعنى السيادي، إذ ظلت شرعيتهم وتعيينهم ومواردهم في النهاية بريطانية المصدر، لكنهم في الوقت نفسه لم يكونوا مجرد منفذين آليين لتعليمات وايتهول، بل شكلوا حلقة وسيطة تتمتع بمعرفة محلية دقيقة ومصالح مؤسسية متبلورة عبر عقود من الخدمة الميدانية، وهي المعرفة والمصالح التي مكنتهم من التأثير في صياغة القرار المركزي نفسه، لا مجرد تنفيذه بحرية تكتيكية محدودة.
كتاب “الوصاية العظيمة” لمحمد النجومي: الرواية الاعتذارية وتفكيك خطابهامن أبرز النصوص التي طرحت مسألة استقلال الإدارة البريطانية في السودان عن إدارة المستعمرات في لندن كتاب “الوصاية العظيمة” (العنوان الإنجليزي الأصلي: A Great Trusteeship)، لمؤلفه محمد أ.
النجومي، الذي صدرت طبعته الإنجليزية الأصلية عام 1958، بعد عامين فقط من الاستقلال، فيما لم تصدر ترجمته العربية، التي أنجزها المهندس محمد يوسف فائق، إلا عام 2021 (صحيفة الراكوبة، 2025).
ويتميز هذا الكتاب بنبرة مادحة صريحة للاستعمار الإنجليزي، إذ يصور الإداريين البريطانيين بوصفهم حملة حضارة وعلم أنقذوا السودان من التخلف، ويتجنب المؤلف طوال صفحات الكتاب استخدام مصطلحي “استعمار” أو “مستعمر”، بل ينفي بشكل متكرر ومتعمد أي صلة بين الإدارة البريطانية في السودان وإدارة المستعمرات في لندن، مقدماً السودان بوصفه حالة “وصاية” فريدة ومنفصلة عن المنظومة الاستعمارية العامة (صحيفة الراكوبة، 2025).
وتفكيك الوظيفة الخطابية لهذا النفي المتكرر يكشف آليته البلاغية بوضوح: فحين يُفصل “الإدارة البريطانية في السودان” عن “إدارة المستعمرات في لندن”، ويُستبدل مصطلح “الاستعمار” بمصطلح “الوصاية”، يتحول الاستقلال الإداري المزعوم من ملاحظة تاريخية إلى أداة تبرئة أخلاقية، إذ يوحي الخطاب بأن ما جرى في السودان لم يكن استعماراً بالمعنى الاستغلالي المرتبط بالتجربة الإمبراطورية العامة، بل تجربة إدارية خاصة قوامها النية الحسنة والرعاية.
وهذا ما يجعل الاستشهاد بأطروحة “الاستقلالية” الواردة في هذا الكتاب استشهاداً يستوجب حذراً منهجياً مضاعفاً، إذ الغرض البنيوي من الأطروحة هنا ليس تفسيرياً بل تبريرياً (صحيفة الراكوبة، 2025).
أطروحة جمال الشريف: من الاستقلالية الإدارية إلى نظرية “اللوبي” – نقد المصدر والمنهجيذهب جمال الشريف في دراسته إلى ما هو أبعد من مجرد رصد توتر بيروقراطي بين لندن والخرطوم، فيطرح فرضية أن مجموعة من الإداريين البريطانيين شكلت ما يسميه “اللوبي” الذي صاغ عملياً السياسة السودانية بمعزل عن الحكومة البريطانية الرسمية، بل وأحياناً في مواجهتها، بدءاً من دفع الحاكم العام لإسقاط بروتوكول صدقي-بيفن عام 1946، وصولاً إلى إدارة كامل مسار التفاوض على الاستقلال في الفترة 1953-1955 (الشريف، 2011).
وتشكل هذه الفرضية، من حيث توثيقها لتفاصيل المفاوضات وتضارب المواقف بين الحاكم العام ووزارة الخارجية، إضافة معلوماتية ذات قيمة للباحث في تاريخ الفترة.
غير أن نقداً منهجياً لهذه الدراسة يستوجب التوقف عند نقطتين جوهريتين.
الأولى تتعلق بطبيعة نشر الدراسة نفسها: فالنص متداول عبر منتدى نقاشي عام لا عبر دار نشر أكاديمية محكّمة أو مؤسسة بحثية معترف بها، وهو ما يجعل تتبع مصادره الأولية وتقييم دقة نسبة الاقتباسات فيه أمراً صعباً على القارئ، خلافاً لأعمال دالي أو كولينز أو لافين المستندة إلى أرشيفات موثقة يمكن التحقق منها.
والثانية أن الدراسة تنتقل، دون فاصل منهجي واضح، من مستوى التوثيق التاريخي للتوترات الإدارية الموثقة نسبياً (كحادثة روبرتسون-لويد) إلى مستوى التأويل التفسيري الشامل القائم على الربط بالتضمين والتلميح.
فالدراسة تذهب في خاتمتها إلى استنتاج أبعد وأكثر إثارة للجدل، إذ تربط بين هذا “اللوبي” الإداري والحركة الصهيونية استناداً إلى وقائع فردية متفرقة، من بينها انتماء أحد الضباط البريطانيين الذين عملوا في السودان إلى عائلة ونجت وعمله لاحقاً في التنظيمات اليهودية بفلسطين، ووجود جالية يهودية ضمن موظفي الإدارة البريطانية في الخرطوم، واتصالات جرت بين قيادات حزب الأمة وممثلين إسرائيليين في لندن واسطنبول خلال 1953-1954 سعياً لكسب الدعم الدولي لاستقلال السودان (الشريف، 2011).
غير أن التحقق الدقيق في تفاصيل هذه الحلقة تحديداً كشف عن أخطاء وقائعية في المصدر نفسه: فالضابط المقصود هو أورد تشارلز ونجت (1903-1944)، الذي كانت صلته بالحاكم العام السير ريجنالد ونجت صلة قرابة من جهة الأب (ابن عم) لا صلة “ابن أخ”، وكانت فترة خدمته الفعلية في السودان محصورة بين 1928 و1933، لا حتى 1936 كما ورد في نص الشريف؛ فعام 1936 هو تاريخ انتقاله إلى فلسطين حيث بدأ نشاطه مع الهاغاناه لاحقاً (Orde Wingate، ويكيبيديا؛ Reginald Wingate، ويكيبيديا).
وهذا التدقيق مهم لأنه يكشف أن الاستدلال في هذا الجزء من الدراسة يسير وفق منطق تراكمي إسنادي: كل واقعة فردية تُستخدم بذاتها كدليل ضمني على فرضية شاملة، دون تقديم وثيقة حاسمة تربط هذه الوقائع بخطة منسقة واحدة، مع وجود أخطاء وقائعية موثقة في بعض تفاصيل هذا الإسناد نفسه (كما في حالة صلة القرابة وتواريخ الخدمة).
ولذلك ينبغي التعامل مع استنتاج الدراسة الختامي، القائل إن الإدارة البريطانية في السودان كانت في جوهرها “إدارة إسرائيلية”، بوصفه أطروحة لا تستند إلى وثائق حاسمة، ولم يرد ما يسندها في الأدبيات الأكاديمية المحكّمة لمؤرخين متخصصين في الحقبة كدالي أو كولينز أو لافين، بل تحتوي في تفاصيلها الجوهرية أخطاء وقائعية موثقة، وهو ما يستوجب حذراً نقدياً أعلى من حذر مجرد الإشارة إلى كونها أطروحة أقلية غير مؤكدة.
تركيب وتوليف نقدي: نحو قراءة تفسيرية مركبة للجدليمكن، بعد تفكيك الأطروحات المتنافسة، اقتراح توليف تفسيري يوازن بين ثلاثة أبعاد متكاملة لا متعارضة بالضرورة:البعد البنيوي: يكمن في الطابع الاستثنائي لتبعية السودان لوزارة الخارجية لا لوزارة المستعمرات، وهو معطى مؤسسي موضوعي منح جهاز الحاكم العام هامشاً تنفيذياً واسعاً بحكم ضعف المتابعة اليومية من لندن، لا بحكم تفويض متعمد أو استقلال سيادي (Lavin, 1991؛ Kirk-Greene, 2000).
البعد الوكالي (Agency): يتمثل في الدور الفعلي الذي لعبه الإداريون الميدانيون في صياغة سياسات محددة أحياناً بمعزل عن رغبة لندن الآنية، وهو ما يمكن تفسيره ضمن الإطار النظري لروبنسون وغالاغر وديني عن العلاقة الجدلية بين “العقل الرسمي” في المركز و”الرجل الموجود في الميدان” على الأطراف، دون حاجة لافتراض مؤامرة منظمة (Robinson, Gallagher and Denny, 1961؛ الشريف، 2011).
البعد الأيديولوجي-التأويلي: ويتجلى في كيفية توظيف هذا التوتر البنيوي والوكالي في خطابين متعارضين تماماً في غايتهما: خطاب اعتذاري يسعى لتنقية صورة الاستعمار البريطاني عبر عزله عن المنظومة الإمبراطورية الأوسع كما في كتاب النجومي، وخطاب تفسيري يسعى لتفسير مسار الاستقلال السوداني عبر شبكة مصالح خفية تتجاوز حتى بريطانيا نفسها كما في خاتمة دراسة الشريف، وهو خطاب تبيّن أن بعض تفاصيله الوقائعية الجوهرية غير دقيقة.
يمكن القول إن الحقيقة التاريخية تقع على مسافة بين الطرحين المتطرفين، وأن الأداة التحليلية الأنسب لفهمها هي الجدلية الديناميكية بين مركز القرار في لندن وأطرافه التنفيذية في الخرطوم.
فمن جهة، ثمة أدلة موثقة كافية على أن الإدارة البريطانية الميدانية في السودان طورت هوية مؤسسية وثقافة إدارية متمايزة عن لندن، واكتسبت بحكم بعدها الجغرافي وتبعيتها لوزارة خارجية غير متخصصة في الشؤون الاستعمارية هامشاً من حرية الحركة لم تتمتع به مستعمرات أخرى خاضعة لإشراف مباشر من وزارة المستعمرات (Lavin, 1991؛ Kirk-Greene, 2000).
ومن جهة أخرى، ظلت هذه الحرية التنفيذية محكومة بحدود السيادة البريطانية العليا، إذ لم يخرج أي قرار سوداني مصيري عن دائرة الموافقة النهائية للحكومة البريطانية المركزية (Daly, 1986; Daly, 1991).
أما الروايات التي تذهب إلى تحويل هذا التوتر البيروقراطي إلى استقلال شبه كامل عن بريطانيا، سواء بدافع تلميع صورة الاستعمار كما في كتاب النجومي، أو بدافع تفسير شامل غير مسنود بالوثائق الحاسمة كما في خاتمة دراسة الشريف، فتستدعي تمحيصاً نقدياً أكبر يميز بين التوثيق التاريخي الدقيق للوقائع والتأويل المضاف إليها.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك