العربي الجديد - سوق سوداء للقاحات داء الكلب في اليمن العربي الجديد - دي لا فوينتي يتفوق في صراع العقول.. أوقف نجوم فرنسا وأنهى أحلامهم Euronews عــربي - الصين تتهم الولايات المتحدة بتأجيج التوتر في الشرق الأوسط خلال جلسة لمجلس الأمن التلفزيون العربي - فيديو يورط نقيب الموسيقيين في مصر وبرلماني يطالب بإقالته قناة القاهرة الإخبارية - بمشاركة مئات الطائرات و20 سفينة حربية.. واشنطن تبدأ تنفيذ الحصار البحري على إيران قناة الجزيرة مباشر - Billions for Settlements vs. Sanctions.. International Escalation Follows Israel's Plans in the W... الجزيرة نت - بعد عودة الحصار البحري.. كيف يمكن أن ترد إيران؟ العربية نت - ترامب يهدد بضرب محطات الطاقة في إيران حال عدم التوصل لاتفاق Euronews عــربي - لشبونة ليست "ساونا": جمعيات بيئية تطالب بتدابير لتهيئة المدن للحرارة CNN بالعربية - أول تعليق من مدرب إسبانيا بعد بلوغ نهائي كأس العالم 2026
عامة

الطرطنقجي (3) عندما تموت المؤسسات واقفة

سودانايل الإلكترونية
2

لم يكن هدفي من هذه المقالات أن أضيف إلى أدبيات التذمر الإداري، ولا أن أبحث عن عزاء متأخر لتجربة مهنية مضت. فالطرطنقجي، في نهاية الأمر، ليس سوى عرض من أعراض مرض أعمق، هو اختلال العلاقة بين السلطة والمع...

لم يكن هدفي من هذه المقالات أن أضيف إلى أدبيات التذمر الإداري، ولا أن أبحث عن عزاء متأخر لتجربة مهنية مضت.

فالطرطنقجي، في نهاية الأمر، ليس سوى عرض من أعراض مرض أعمق، هو اختلال العلاقة بين السلطة والمعرفة.

وما يشغلني حقًا ليس الرجل الذي يجلس على الكرسي، وإنما الكرسي حين يتحول إلى جدار يحجب عن صاحبه رؤية الحقيقة.

لقد رأيت، خلال أكثر من عقد من العمل في مؤسسة إنسانية قطرية، ما يكفي لأدرك أن المال، مهما عظم، لا يصنع مؤسسة عظيمة، وأن الرسالة النبيلة، مهما سمت، لا تحمي أصحابها من الوقوع في أخطاء الإدارة.

فالمؤسسات، كالبشر، لا تعيش على النوايا الحسنة وحدها، وإنما على قدرتها الدائمة على التعلم، ومراجعة النفس، واحترام من يعرفون أكثر.

ولذلك لم أكن يومًا ممن يفسرون تعثر المؤسسات بقلة الإمكانات.

فقد رأيت مؤسسات محدودة الموارد تحقق منجزات مدهشة لأنها أحسنت الإصغاء إلى أهل الخبرة، ورأيت مؤسسات تفيض بالمال والإمكانات، لكنها كانت تنفق جزءًا غير يسير من طاقتها في مقاومة الأفكار التي يمكن أن تنقذها.

وأحسب أن أخطر ما يفعله الطرطنقجي أنه يقنع المؤسسة، ببطء شديد، بأن الخبرة رفاهية، وأن التفكير يبطئ الإنجاز، وأن كثرة النقاش علامة ضعف.

ومع مرور الزمن، تتحول هذه الأوهام إلى ثقافة.

ويصبح المدير الذي لا يستشير مثالًا للحزم، والذي لا يراجع قراراته مثالًا للحسم، والذي لا يعترف بخطئه مثالًا للقوة.

ففي المؤسسات الحية، تُقاس قوة القائد بعدد العقول التي يستطيع أن يجمعها حوله، أما في جمهورية الطرطنقجية، فتُقاس بعدد العقول التي نجح في إسكاتها.

ولعل أكثر ما آلمني في تلك السنوات لم يكن ضياع فكرة هنا أو مشروع هناك، فالأفكار يمكن أن تعود، والمشروعات يمكن أن تُستدرك.

الذي آلمني هو ذلك النزيف الصامت للكفاءات.

كانت المؤسسة تستقبل كل عام وجوهًا جديدة، لكنها كانت، في الوقت نفسه، تودع وجوهًا حملت معها سنوات من التجربة، من غير أن يتوقف أحد ليسأل: لماذا يغادر الذين نحتاج إليهم أكثر من غيرهم؟إن دوران الوظائف ليس رقمًا في تقرير الموارد البشرية، بل مقياس لصحة المؤسسة.

فحين يصبح الرحيل هو الخيار الأكثر جاذبية لأصحاب الخبرة، ينبغي ألا تنشغل الإدارة بسرعة التوظيف، بل بسبب الاستنزاف.

فالمؤسسات لا تفقد موظفين فحسب؛ إنها تفقد ذاكرتها.

والذاكرة المؤسسية لا تُشترى، ولا تُستورد، ولا تُبنى بقرار إداري، وإنما تتراكم عامًا بعد عام، في عقول الرجال والنساء الذين يمنحون المؤسسة أفضل سنوات أعمارهم.

ولهذا فإن أكثر ما يثير دهشتي في بعض البيئات الإدارية أنها تستثمر بسخاء في بناء المدارس والمستشفيات والجامعات خارج حدودها، لكنها تبخل على نفسها ببناء ثقافة داخلية تقوم على الاحترام، والإصغاء، والتعلم المتبادل.

وكأنها أدركت أن التنمية تبدأ بالإنسان، لكنها نسيت أن موظفيها بشر أيضًا.

ولست أكتب هذا دفاعًا عن الخبراء، فالخبراء يخطئون كما يخطئ غيرهم، ولا عن الموظفين، ففيهم المجتهد والمقصر.

وإنما أكتب دفاعًا عن فكرة أراها أساس كل إدارة رشيدة: أن الحقيقة لا تعرف التسلسل الوظيفي.

فقد تأتي أفضل فكرة من أصغر موظف، وقد يقع أكبر خطأ من أعلى مسؤول.

والمؤسسة التي تفهم هذه الحقيقة تظل شابة، مهما تقدم بها العمر.

ولعل ما يحتاج إليه العالم العربي اليوم ليس مزيدًا من الخطط الاستراتيجية، ولا مزيدًا من الشعارات الرنانة، بل قدرًا أكبر من التواضع المؤسسي؛ ذلك التواضع الذي يجعل المدير يفرح حين يجد من يصحح له، ويشكر من يلفت نظره إلى خطأ، ويعد اختلاف الرأي موردًا لا تهديدًا.

لقد تعلمت من تلك السنوات أن المنصب لا يرفع صاحبه بقدر ما يكشفه.

فمن كان واسع الأفق، زاده المنصب اتساعًا.

ومن كان محبًا للعلم، أحاط نفسه بمن هو أعلم منه.

أما الطرطنقجي، فإنه يحمل إلى الكرسي مخاوفه القديمة، ثم يستخدم السلطة لإخفائها، فيحسب الناس أنه قوي، بينما هو في الحقيقة يحتمي بالمنصب من امتحان المعرفة.

ولا أخشى على المؤسسات من وجود هذا الطراز من المديرين؛ فكل مجتمع يعرف نماذج منهم.

وإنما أخشى عليها حين تعتادهم، وتكيف لوائحها وثقافتها لتلائمهم، حتى يصبح السؤال خروجًا على النظام، ويغدو التملق مهارة قيادية، ويُعامل الاختلاف كما لو كان خللًا في الولاء.

عندئذ تبدأ المؤسسة في خسارة أهم ما تملك: قدرتها على تصحيح نفسها.

وقد يطول بها العمر بعد ذلك سنوات.

وقد تتوسع ميزانياتها، وتزداد مشروعاتها، وتحصد الجوائز، وتملأ تقاريرها بصور الإنجازات.

لكن المظاهر كثيرًا ما تخدع.

فالأشجار لا تموت يوم تتساقط أوراقها، بل يوم تصاب جذورها بالعطب، ثم تظل واقفة زمناً، يظنها العابرون حية، بينما تكون الحياة قد غادرتها في صمت.

إنها لا تموت حين يقل المال، ولا حين تتعثر المشروعات، بل حين يصبح المنصب أكبر من الفكرة، والولاء أغلى من الكفاءة، والصمت أضمن من الصدق.

وحين تبلغ هذه المرحلة، فإنها لا تسقط دفعة واحدة….

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك