عمان - لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساندة في البيئة الأكاديمية، بل أصبح جزءا من المشهد اليومي داخل الجامعات الأردنية، حيث يلجأ الطلبة والباحثون إلى أدواته في البحث والترجمة والتدقيق اللغوي وتحليل المعلومات، الأمر الذي يثير حالة من التخوف بشأن مدى تأثير هذه التقنيات في أصالة البحث العلمي.
اضافة اعلانومع استمرار التطور السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يجد قطاع التعليم العالي الأردني نفسه أمام معادلة دقيقة تقوم على الاستفادة من الإمكانات التي توفرها هذه الأدوات في تطوير البحث العلمي وتعزيز الإنتاج المعرفي، مقابل الحفاظ على أصالة البحث، وضمان بقاء الباحث هو المنتج الحقيقي للفكرة والتحليل والاستنتاج، لا مجرد مستخدم لتقنيات قادرة على توليد النصوص والمعلومات بضغطة زر.
وتشير دراسات حديثة أجريت على طلبة الجامعات الأردنية إلى أن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي أصبح واسع الانتشار بين الطلبة، فيما أفاد نحو 39.
8 % منهم بأنهم شاهدوا حالات استخدام غير أخلاقي لهذه الأدوات داخل البيئة الجامعية، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه مؤسسات التعليم العالي في تحقيق التوازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجي والحفاظ على معايير البحث العلمي الرصين.
وفي وقت تتجه فيه الجامعات العالمية إلى دمج الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية والبحثية، بدأت الجامعات الأردنية بدورها التعامل مع هذا التحول، فقد أقرت الجامعة الأردنية عام 2025 تعليمات خاصة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي، استنادا إلى مبدأ أن هذه الأدوات يجب أن تبقى وسيلة مساعدة للباحث، لا بديلا عنه.
وفي دراسة أردنية شملت 885 طالبا جامعيا، اعتبر غالبية المشاركين أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الترجمة والتدقيق اللغوي ومراجعة الدراسات السابقة والتحضير للامتحانات يعد استخداما مقبولا أخلاقيا، بينما رفضوا توظيفه في كتابة الأبحاث أو الواجبات الجامعية بصورة كاملة.
وتعكس هذه النتائج وجود وعي متنامٍ لدى الطلبة بالفارق بين الاستفادة من التكنولوجيا بوصفها أداة داعمة، وبين استخدامهابديلا عن الجهد العلمي الشخصي.
ويعتبر أستاذ علم الاجتماع والباحث الأكاديمي الدكتور موسى شتيوي، وفق حديثه لـ”الغد”، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشكل أداة مهمة لدعم الباحثين، لكنه لا يستطيع إنتاج بحث علمي أصيل بصورة مستقلة، لأن البحث العلمي لا يقوم فقط على جمع المعلومات أو إعادة صياغتها، بل يعتمد على الخبرة الميدانية، والتفكير النقدي، والقدرة على الحكم والتحليل، وفهم الواقع.
وتابع أن الذكاء الاصطناعي يؤدي دورا مهما كمساعد للباحث في مراجعة الأدبيات العلمية، وتوليد الأفكار الأولية، وتصميم الجداول، وتحليل البيانات، وإعداد المسودات الأولية، إلا أنه يفتقر إلى التجربة الإنسانية والميدانية التي تمكّن الباحث من فهم الظواهر وتحليلها في سياقها الحقيقي.
ويضيف أن أحد أبرز أوجه القصور في هذه الأدوات يتمثل في غياب القدرة على التفكير النقدي والحدس العلمي، موضحا أن الذكاء الاصطناعي يستطيع جمع المعلومات وربطها، لكنه لا يمتلك القدرة التي يمتلكها الباحث على تقييم الأفكار ونقدها وربطها بالواقع الاجتماعي والثقافي الذي يدرسه.
وحذر من أن هذه الأدوات قد تنتج أحيانا معلومات غير دقيقة أو مراجع وهمية، وهو ما يعرف بظاهرة “الهلوسة”، الأمر الذي يجعل من الضروري أن يمتلك الباحث المعرفة والخبرة الكافية للتحقق من صحة البيانات وتمييز المعلومات الموثوقة من غيرها.
وحول الحدود الفاصلة بين الاستخدام المشروع والإخلال بأصالة البحث العلمي، يرى شتيوي أن هناك ما يمكن وصفه بـ”المنطقة الخضراء”، التي تشمل التدقيق اللغوي، وتنسيق المراجع، والتلخيص، وبعض أشكال التحليل الإحصائي، وهي استخدامات مقبولة، طالما بقي الباحث صاحب الفكرة وصاحب القرار العلمي.
وفي المقابل، كما يضيف، تبدأ منطقة الخطر عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى بديل عن الباحث في صياغة الأسئلة البحثية، وبناء الفرضيات، وكتابة البحث، وإنتاج نتائجه.
ويشدد على أن الباحث الجيد يجب أن يمتلك القدرة على صياغة السؤال البحثي، وفهم الواقع الذي يدرسه، والإحاطة بالأدبيات العلمية، وممارسة التفكير النقدي، والالتزام بأخلاقيات البحث العلمي، مؤكدا أن الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي يتمثل في توظيفه كمساعد بحثي يعزز كفاءة الباحث، لا كباحث أصيل يحل محله.
ويختصر هذه المعادلة بالقول: “تنتهي حدود المساعدة التقنية ويبدأ الإخلال بأصالة البحث العلمي عندما يصبح الذكاء الاصطناعي هو الدماغ بدلا من أن يكون القلم”.
من جانبه، يرى أستاذ الإعلام الرقمي المشارك في جامعة الشرق الأوسط الدكتور محمود الرجبي أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة داعمة للباحث العلمي، لكنه لا يستطيع إنتاج بحث علمي أصيل بصورة مستقلة، لأن الأصالة لا ترتبط بجودة الصياغة أو جمع المعلومات، وإنما بقدرة الباحث على اكتشاف الفجوة المعرفية، وصياغة المشكلة البحثية، واختيار المنهج المناسب، وتحليل النتائج وتفسيرها.
ويؤكد أن حدود الاستخدام المقبول تبدأ عندما تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في مهام مساندة، مثل التدقيق اللغوي، وتنظيم الأفكار، والبحث عن الدراسات السابقة، وتنسيق الجداول، وتحليل بعض البيانات، بينما يبدأ الإخلال بأصالة البحث العلمي عندما تتحول هذه الأدوات من مساعد للباحث إلى بديل عنه في اتخاذ القرارات العلمية الجوهرية، كصياغة الفرضيات، واختيار المنهج، وتفسير النتائج، وكتابة المناقشات العلمية.
وحذر من أن الذكاء الاصطناعي قد ينتج معلومات غير دقيقة، أو مراجع مختلقة، أو تحليلات متحيزة، الأمر الذي يجعل من الضروري أن يمتلك الباحث مهارات التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات والمراجع العلمية، إضافة إلى الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي، والإفصاح عن استخدام هذه الأدوات عند توظيفها في العملية البحثية.
وشدد على أن المسؤولية العلمية والأخلاقية والقانونية عن البحث تبقى مسؤولية الباحث نفسه، مؤكدا أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُستخدم لتسريع العمل البحثي وتحسين كفاءته، لا ليحل محل الباحث أو يلغي دوره الفكري والمعرفي.
فيما يرى الخبير في أبحاث الذكاء الاصطناعي رامي حموضة أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم التحولات التي يشهدها قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في الوقت الراهن، إلا أن قيمته الحقيقية لا تكمن في قدرته على إنتاج النصوص، بل في دوره كمساعد للباحث في جمع المعلومات وتنظيمها وتحليلها بصورة أكثر كفاءة.
ويؤكد أن أصالة البحث العلمي لا تُقاس بمدى جودة الصياغة اللغوية أو سرعة إنجاز العمل، وإنما بقدرة الباحث على طرح سؤال بحثي جديد، وبناء فرضياته، واختيار منهجيته، وتحليل نتائجه بصورة نقدية ومستقلة.
ومن هذا المنطلق، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التدقيق اللغوي، أو تلخيص الأدبيات السابقة، أو المساعدة في تنظيم الأفكار، لا يشكل مشكلة أكاديمية، ما دام الباحث هو صاحب الجهد الفكري والعلمي الحقيقي.
ويحذر من أن التوسع غير المنضبط في استخدام هذه الأدوات قد يؤدي إلى تراجع بعض المهارات البحثية الأساسية لدى الطلبة، مثل التفكير النقدي، والتحليل، والاستنتاج، وبناء الحجج العلمية، لافتا إلى أن الخطر لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدامها.
فالباحث الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنتاج أجزاء جوهرية من بحثه يفقد تدريجيا قدرته على ممارسة العملية البحثية بصورة مستقلة.
ويضيف أن الجامعات لم تعد مطالبة بمنع استخدام الذكاء الاصطناعي، لأن ذلك أصبح أمرا غير واقعي في ظل الانتشار الواسع لهذه التطبيقات، بل باتت مطالبة بوضع ضوابط واضحة تحدد الاستخدامات المقبولة وغير المقبولة، وإلزام الباحثين بالإفصاح عن أي استخدام لهذه الأدوات ضمن الأبحاث والرسائل العلمية، بما يحافظ على مبادئ الشفافية والنزاهة الأكاديمية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك