تلقيت اتصالًا هاتفيًا نزل علي كالصاعقة، وما زلت حتى هذه اللحظة غير قادر على استيعاب أن ابن عمتي، الأستاذ سيد ماضي، معلم الأجيال رحل عنا فجأة، بعد أن أفنى عمره في الخير، وغرس في نفوس تلاميذه وأبنائه ومن عرفوه قيما ستبقى ما بقي الأثر.
يرحل أصحاب القلوب البيضاء، لكنهم لا يغيبون، إذ تظل سيرتهم العطرة حاضرة في القلوب، شاهدة على ما قدموه من خير وإحسان، الراحل واحدًا من أولئك الرجال الذين يتركون في كل مجلس ذكرا طيبا محبة صادقة.
ما إن أصل من القاهرة إلى قريتي، نجع النجار بمحافظة سوهاج، حتى يبادرني باتصال يغلفه الود والاطمئنان، محافظا على صلة الرحم.
كان يردد أمام أبناء القرية بكل فخر ومحبة: " أنا بحب أخوالي"، ولم تكن كلماته مجرد عبارة تقال، بل كانت منهجا عاشه، وخلقا تجسد في أفعاله ومواقفه.
عرف الود، وحفظ الجميل، وأدى الواجب، وكان في مجالس الرجال صوتا للحكمة، يسعى إلى الإصلاح، ويطفئ نار الخلاف، لم يعرف الكبر إلى نفسه سبيلًا، بل كان التواضع زينته، وحسن الخلق عنوانه، وكرم النفس شيمته.
في آخر زيارة لي إلى القرية، عاتبني عتاب المحبين لأنني لم أزره، فاعتذرت إليه بقصر الإجازة، ولم أكن أعلم أنها ستكون آخر مرة أسمع فيها عتابه الذي كان يحمل من المحبة أكثر مما يحمل من اللوم.
كان اسمه نصيبًا من صفاته، فكان سيدًا في أخلاقه، وسيدًا في مروءته، وسيدًا في عطائه، وربّى أبناءه على صلة الرحم، وبر الجار، وإكرام القريب والغريب، فترك لهم إرثًا من القيم والأخلاق، هو خير ما يورثه الآباء لأبنائهم.
رحم الله معلم الأجيال الأستاذ سيد ماضي، رحمةً واسعة، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وجعل ما قدمه من علم، وما زرعه من خير، وما تركه من أثر طيب، في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
وإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا أبا بهاء لمحزونون، نسأل الله أن يجمعنا بك في مستقر رحمته.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك