فقيد الوطن الكبير.
رائد العمل الإنسانيإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنّا على فراق صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لمحزونون.
فقد رحلت شخصية عظيمة تركت بصمات راسخة من الخير والعطاء والمحبة في نفوس أبناء قطر، وفي قلوب الملايين حول العالم.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته.
لقد اضطلع صاحب السمو الأمير الوالد، رحمه الله، بدور محوري في ترسيخ مكانة دولة قطر كواحدة من أبرز الدول الفاعلة في مجال العمل الإنساني والخيري على المستويين الإقليمي والدولي، وذلك من خلال دعمه المتواصل للمؤسسات الإنسانية والخيرية، وإنشاء العديد منها في عهده، وتطوير آليات عملها، حتى أصبحت نموذجًا يحتذى به في مجالات الإغاثة والتنمية والعمل التطوعي.
كما شهد عهده صدور عدد من التشريعات التي مكّنت مؤسسات العمل الإنساني من الانطلاق إلى آفاق أوسع، وأسهمت في وصول مساعداتها إلى المحتاجين في مختلف أنحاء العالم، بما خفف من معاناة الفقراء والمتضررين من الحروب والكوارث والأزمات الإنسانية.
وقد تبنى، رحمه الله، رؤية إنسانية قائمة على التنمية المستدامة وبناء الإنسان، وليس الاكتفاء بالمساعدات الآنية، فكانت توجيهاته أساسًا لتنفيذ عشرات المشروعات الإنسانية والتنموية في مختلف القارات.
وكان، رحمه الله، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، لا يبتغي من ذلك إلا وجه الله تعالى، فأسس نهجًا جديدًا للعمل الخيري والإنساني في دولة قطر، وشهد عهده إنشاء وتطوير عدد من أبرز المؤسسات الإنسانية، فتوسع عمل قطر الخيرية، وأنشئت مؤسسة الشيخ ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية «راف» التي تواصل اليوم مسيرتها باسم «ثاني الإنسانية»، ومؤسسة الشيخ عيد الخيرية، إضافة إلى مؤسسة «صلتك»، و»التعليم فوق الجميع»، ومؤسسة أيادي الخير نحو آسيا «روتا»، وغيرها من المؤسسات التي اتسع نشاطها ليشمل عشرات الدول، حتى بلغ العمل الإنساني القطري آفاقًا عالمية.
ومن أبرز إنجازات صاحب السمو الأمير الوالد «رحمه الله» في هذا المجال ترسيخ مفهوم العمل الخيري المؤسسي، حتى أصبحت المؤسسات القطرية تنفذ مشاريعها الإنسانية في أكثر من 90 دولة حول العالم، كما أولى اهتمامًا كبيرًا بتطوير الإطار القانوني المنظم للعمل الخيري، فأنشئت هيئة تنظيم الأعمال الخيرية لتكون الجهة المختصة بالإشراف على القطاع، وتنظيمه، وتعزيز الشفافية والحوكمة فيه، ومراقبة جمع التبرعات وتحويلها، والإشراف على الجمعيات والمؤسسات الخيرية، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وفق أعلى المعايير.
وكان، رحمه الله، يدير الدولة بروح الأب الحريص على أبنائه، ويحث أبناء الوطن على فعل الخير، ويشجع المبادرات الإنسانية والتطوعية، وهو ما أسهم في توسع المؤسسات الخيرية القطرية لتصبح من أبرز المؤسسات الإنسانية في المنطقة والعالم.
وشهدت المؤسسات الإنسانية القطرية خلال عهد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، توسعًا غير مسبوق في حجم أعمالها وانتشارها، حتى أصبحت من أبرز الجهات العاملة في المجال الإنساني والتنموي على المستويين الإقليمي والدولي.
فقد واصلت قطر الخيرية مسيرتها في تنفيذ المشاريع الإنسانية والتنموية داخل دولة قطر وخارجها، وتطورت لتصبح واحدة من أكبر المنظمات الإنسانية في المنطقة، ونفذت آلاف المشاريع في مجالات الإغاثة، والتعليم، والصحة، والمياه والإصحاح، والتنمية المستدامة، وكفالة الأيتام، والأمن الغذائي، وتمكين الأسر، بما أسهم في تحسين حياة ملايين المستفيدين حول العالم.
كما شهدت جمعية الهلال الأحمر القطري تطورًا كبيرًا خلال تلك المرحلة، وعززت حضورها في مجالات الإغاثة الإنسانية والرعاية الصحية والاستجابة للكوارث والأزمات، ولم تتوقف مسيرة العطاء عند ذلك، بل شهد عهد الأمير الوالد دعمًا متواصلًا لقيام مؤسسات خيرية وإنسانية عديدة، كان لها أثر ملموس داخل دولة قطر وخارجها، إضافة إلى العديد من المؤسسات والمبادرات الإنسانية التي عملت في مجالات التنمية والإغاثة والرعاية الاجتماعية.
وشهد العمل الخيري والإنساني في دولة قطر خلال الفترة الممتدة من عام 1995 حتى عام 2013 نقلة نوعية، إذ انتقل من جهود خيرية متفرقة إلى منظومة مؤسسية متكاملة ذات حضور إقليمي ودولي، وأسهمت في ترسيخ مكانة دولة قطر كإحدى أبرز الدول الداعمة للعمل الإنساني والتنموي، سواء في العالم العربي أو على المستوى الدولي.
ومن أبرز الإنجازات التي تحققت خلال تلك المرحلة ترسيخ العمل الخيري المؤسسي، ودعم إنشاء وتطوير المؤسسات الإنسانية الكبرى، ووضع الأطر القانونية والتنظيمية التي عززت الشفافية والحوكمة في القطاع الخيري، إلى جانب توسيع نطاق العمل الإنساني ليشمل الإغاثة العاجلة، والتنمية المستدامة، وبناء القدرات، وتمكين المجتمعات المحلية.
كما توسع الحضور الإنساني القطري عالميًا، وأصبحت المؤسسات القطرية تنفذ مشاريعها في عشرات الدول، فيما واصلت دولة قطر دعم المبادرات الإنسانية والتنموية التي تستهدف تحسين حياة المجتمعات المتضررة، وترسيخ قيم التضامن والتكافل الإنساني، وهو النهج الذي وضع أسسه الأمير الوالد، رحمه الله، وجعل من العمل الإنساني أحد أبرز ملامح السياسة القطرية في عهده.
ومن أبرز المحطات التي عززت الدور الإنساني لدولة قطر خلال عهد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، إنشاء صندوق قطر للتنمية عام 2002، ليكون الذراع التنموي الرسمي للدولة في دعم المشاريع الإنسانية والتنموية حول العالم.
وأسهم الصندوق في تمويل وتنفيذ مشاريع في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والتنمية المستدامة، إضافة إلى الاستجابة للكوارث والأزمات الإنسانية في مختلف القارات.
ومن الإنجازات المهمة التي تحققت خلال تلك المرحلة، تعزيز الشراكات مع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية، حيث أصبحت دولة قطر شريكًا رئيسيًا للعديد من الوكالات الدولية، وازدادت مساهماتها في تمويل برامج الإغاثة والتنمية، كما توسعت الشراكات مع المنظمات الدولية لتنفيذ المشاريع الإنسانية والاستجابة للأزمات والكوارث في مختلف أنحاء العالم.
ولم يقتصر العمل الإنساني في عهد الأمير الوالد على تقديم المساعدات والإغاثة العاجلة، بل ارتكز على مفهوم التنمية المستدامة وبناء الإنسان، من خلال إنشاء المدارس، والمستشفيات، والمراكز الصحية، وتنفيذ مشاريع المياه والإصحاح، والإسكان الاجتماعي، والتدريب المهني، وتمكين الأسر المنتجة، بما يسهم في تحسين مستوى المعيشة وتحقيق التنمية طويلة الأمد.
كما أولى، رحمه الله، اهتمامًا كبيرًا بنشر ثقافة العمل التطوعي، فشهدت المؤسسات الخيرية توسعًا في برامج التطوع، وازداد إقبال الشباب القطري على المشاركة في الحملات الإنسانية داخل الدولة وخارجها، كما جرى تأهيل كوادر وطنية متخصصة في العمل الإنساني والإغاثي، بما أسهم في بناء خبرات قطرية متميزة في هذا المجال.
وإلى جانب ذلك، شهد القطاع الخيري تطويرًا مستمرًا في بيئته التشريعية والتنظيمية، وتعزيز الرقابة والشفافية، ورفع كفاءة إدارة المشاريع الإنسانية، وهو ما أسهم في ترسيخ الثقة بالمؤسسات الخيرية القطرية، وتعزيز مكانة دولة قطر كإحدى أبرز الدول الداعمة للعمل الإنساني على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد رسّخ صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، نهجًا إنسانيًا متكاملًا، جعل من العمل الخيري والإنساني أحد المرتكزات الأساسية لمسيرة التنمية في دولة قطر، ومنح المؤسسات الوطنية القدرة على الوصول إلى مختلف أنحاء العالم، لتقديم الدعم والمساندة للمحتاجين والمتضررين دون تمييز، انطلاقًا من المبادئ الإسلامية والإنسانية التي آمن بها، والقيم الأصيلة التي حرص على ترسيخها في المجتمع.
ولم تقتصر هذه المسيرة على تقديم المساعدات الإنسانية، بل امتدت إلى بناء شراكات دولية فاعلة، وتعزيز التنمية المستدامة، ودعم التعليم والرعاية الصحية، وتمكين المجتمعات، بما جعل دولة قطر نموذجًا عالميًا في الجمع بين العمل الإغاثي والعمل التنموي، ورسخ مكانتها كإحدى أبرز الدول المانحة في مجال العمل الإنساني.
واستمرت هذه المسيرة المباركة في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله، الذي واصل دعم العمل الإنساني والخيري، وتعزيز حضور دولة قطر في مختلف المبادرات الإنسانية والتنموية، بما يجسد استمرارية النهج الذي أرساه الأمير الوالد، ويؤكد أن العمل الإنساني سيظل أحد الثوابت الراسخة في سياسة دولة قطر ورسالتها تجاه الإنسانية.
وفي عام 2024، جاء إنشاء مؤسسة حمد بن خليفة الخيرية ليشكل امتدادًا طبيعيًا لهذا الإرث الإنساني، حيث أُسست كمؤسسة خاصة ذات نفع عام تُعنى بتحسين مستوى معيشة المحتاجين، وتقديم الدعم في مجالات التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية داخل دولة قطر وخارجها، بما يعكس استمرار رسالة العطاء التي ارتبطت باسم الأمير الوالد، رحمه الله.
وسيظل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضرًا في ذاكرة الوطن، ليس بما حققه من إنجازات سياسية واقتصادية وتنموية فحسب، بل أيضًا بما غرسه من قيم العطاء والتكافل والرحمة، وبما تركه من إرث إنساني سيبقى مصدر إلهام للأجيال القادمة، وشاهدًا على مرحلة تاريخية رسخت مكانة دولة قطر بين الدول الرائدة في ميادين الخير والعمل الإنساني.
رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه وأمته والإنسانية جمعاء، وألهم أسرته الكريمة والشعب القطري الصبر والسلوان، إنا لله وإنا إليه راجعون.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك