تُفتح أبواب البيوت للصلة، والتهنئة، والمواساة، وتقوية أواصر المحبة، لكن بعض الزيارات تنتهي وقد تركت في القلوب ما لم يكن مقصودًا.
فكم من مريض ازداد ألمه بقصص المرض والموت، وكم من نُفَساء استقبلت المهنئين ثم غادر الفرح قلبها بعدما امتلأت أذناها بحكايات الاكتئاب، وتعسر الولادة، وما أصاب فلانة بعد نفاسها.
وكم من مجلس فرح خفتت بهجته بذكر طلاق، أو خلاف قديم، أو مقارنة جارحة، أو حديث لا يليق بالمقام.
وحتى مجالس العزاء، التي يُفترض أن تكون موطنًا لجبر الخواطر والتذكير بالله، قد تتحول إلى أحاديث عن التجارة، والأسهم، والإرث، والخطبة، والزواج، وكأن المناسبة غابت عن الأذهان.
في مثل هذه المواقف، يبدو وكأن صاحب البيت يعلّق على بابه لوحة صغيرة كُتب عليها: " توقف.
واختر براند كلماتك قبل أن تدخل.
"فالكلام هو أناقة الروح، كما أن اللباس أناقة الجسد، وقد يخدع المظهر العين، لكن اللسان يكشف حقيقة صاحبه، ويترجم ما يحمله قلبه.
والأناقة الكلامية ليست مجرد زينة لفظية أو مهارة اجتماعية، بل هي قبل ذلك وعيٌ ديني وأدبٌ إسلامي.
فالزيارة في أصلها عبادة، وقربة إلى الله عز وجل؛ صلةً للرحم، وعيادةً للمريض، وتعزيةً للمصاب، وإدخالًا للسرور على المسلمين، ونشرًا للمودة والألفة بينهم، لا سببًا للأذى أو التنفير.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى أصل هذا الأدب بقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فالكلمة الحسنة تجبر الخاطر، وتخفف الألم، وتدخل السرور على أهل البيت، وتترك أثرًا طيبًا يبقى بعد انصراف الزائر.
ولنا في رسول الله ﷺ القدوة الحسنة؛ فقد كان يجبر القلوب بكلامه، وينزل الناس منازلهم، ويخاطب كل إنسان بما يناسب حاله، ويختار من الألفاظ ألينها وأحسنها وأقربها إلى الإصلاح.
والأناقة الكلامية عنوانٌ لصاحبها.
وكما يختار الإنسان براند ملابسه وعطره، فإن للكلمات أيضًا براندات.
ولكل مجلسٍ برانده الذي يليق به.
غير أنها لا تُشترى بالمال، بل تُكتسب بحسن النية، ووعي المقام، وحسن اختيار الألفاظ.
وفيما يلي أبرز براندات الكلام الأنيق:1.
براند اللطف والوفاء (للقاءات اليومية):براند الحياة اليومية؛ يعلم صاحبه كيف يشكر، ويعتذر، ويختلف بأدب، ويعترف بفضل الناس، امتثالًا لقول النبي ﷺ: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
2.
براند البلسم (للمنكسرين والمرضى):براند المواساة؛ كلماته قليلة، لكنها دافئة.
يبتعد عن فضول الأسئلة والقصص المخيفة، ويستبدلها بالدعاء والكلمة الطيبة، اقتداءً بقول النبي ﷺ للمريض: «لا بأس، طهورٌ إن شاء الله».
3.
براند الفأل الحسن والبشر (للأفراح والبدايات):براند المناسبات السعيدة؛ يملأ المجالس بالأمل والسرور، ويبتعد عن التشاؤم، وقصص الفشل، والأمراض، وكل ما يعكر صفو الفرح.
4.
براند الحكمة والسكينة (للمواقف الصعبة):براند الخلافات والمواقف المتوترة؛ يختار الكلمة التي تهدئ، ويؤثر الصمت إذا كان أصلح، عملًا بقول النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
5.
براند الوقار (للمجالس العامة):براند المجالس التي تجمع مختلف الأعمار؛ يقوم على احترام الجميع، وحسن اختيار الموضوع، والبعد عن السخرية والجدل.
وفي المقابل، يجب أن نحذر من" براندات العشوائيات الكلامية" الرديئة التي تقع من الناس غفلةً فتفسد العلاقات وتقطع الأرحام، وهي بمثابة الداء الاجتماعي: طيش اللسان والاندفاع، والفضول والتدخل فيما لا يعني، والتخبيب وتصفية الحسابات، والنفاق والاستعلاء اللفظي، والتهويل وزرع الخوف.
في النهاية، قد لا يتذكر الناس بعد سنوات لون ثوبك، أو نوع عطرك، أو براند حقيبتك، لكنهم سيتذكرون كيف جعلتهم كلماتك يشعرون.
فالكلمة الجميلة ضيافة، واللسان المهذب أناقة، وأثرهما يبقى في القلوب طويلًا بعد أن ينتهي اللقاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك