في وقت تعاني فيه الصحافة المحلية في الولايات المتحدة من تراجع الموارد وإغلاق الصحف وتسريح الصحفيين، تستعد صحيفة نيويورك تايمز لخوض تجربة جديدة قد تعيد رسم علاقتها بالأخبار المحلية، عبر إطلاق نشرة إخبارية مجانية، تستهدف في مرحلتها الأولى جمهور مدينتي مينيابوليس وسانت بول بولاية مينيسوتا.
وتكشف المبادرة عن تحول لافت في إستراتيجية الصحيفة، التي بنت خلال السنوات الأخيرة منظومة متكاملة تضم الأخبار والرياضة والألعاب والطبخ والمراجعات الاستهلاكية، لتضيف الآن بعدا جديدا يتمثل في تقديم محتوى محلي، مع تأكيدها أن الهدف ليس منافسة وسائل الإعلام الإقليمية، بل التعاون معها وتعزيز حضورها.
وأوضح مارك لايسي، رئيس التحرير الإداري في نيويورك تايمز، وجودي رودورين، المديرة التحريرية للنشرات البريدية، أن المشروع سينطلق في أغسطس/آب المقبل عبر نشرة تصدر ثلاث مرات أسبوعيا، بهدف" تعميق العلاقة مع القراء في مينيابوليس وسانت بول، ومساعدتهم على الشعور بمزيد من الترابط من خلال الصحافة".
وأضافا أن التجربة تمثل نموذجا أوليا يمكن تعميمه لاحقا في مناطق أخرى من الولايات المتحدة إذا أثبت نجاحه.
جمهور جديد خارج قاعدة المشتركينوتؤكد رودورين أن المشروع لا يستهدف فقط المشتركين الحاليين، بل يسعى أيضا للوصول إلى أشخاص لم يسبق لهم التفاعل مع نيويورك تايمز، إلى جانب تعزيز ارتباط القراء العابرين والمشتركين الدائمين بالصحيفة.
وأشارت إلى أن النشرة ستكون مجانية بالكامل، ولن تقتصر على المشتركين، لأن الصحيفة ترى أن احتياجات الجمهور المحلي متشابهة، سواء كانوا من قرائها الدائمين أو لا، وتشمل التقارير الأصلية، والتحليلات، والاختيارات الذكية لأبرز الموضوعات، والحوار مع القراء، وتقديم المعلومات بطريقة واضحة ومفيدة.
وستجمع النشرة بين التقارير الميدانية والخدمات الصحفية والتغطيات الثقافية والرياضية، إلى جانب إعادة تقديم محتوى نيويورك تايمز من منظور محلي يراعي اهتمامات سكان المنطقة.
ولا تعد هذه أول تجربة لنيويورك تايمز في دعم الصحافة المحلية، إذ أطلقت عام 2023 برنامج زمالة للتحقيقات المحلية، وفر للصحفيين وغرف الأخبار الإقليمية موارد وخبرات ساعدت في إنتاج تحقيقات حصد بعضها جوائز بوليتزر.
لكن المشروع الجديد يختلف عن تلك المبادرة، إذ ينتقل من دعم المؤسسات المحلية إلى تقديم منتج إعلامي مباشر للجمهور، وهو ما يراه مراقبون مؤشرا إلى رغبة الصحيفة في سد جزء من الفراغ الذي تعانيه الصحافة المحلية، وربما بناء شبكة نشرات إخبارية محلية على غرار النموذج الذي تطبقه مؤسسة" أكسيوس"، التي أعلنت مؤخرا توسع شبكتها إلى أكثر من 40 سوقا محلية داخل الولايات المتحدة.
ورغم أن دخول مؤسسة بحجم نيويورك تايمز إلى المجال المحلي قد يثير مخاوف المؤسسات الإقليمية، فإن الصحيفة تؤكد أنها تنظر إلى وسائل الإعلام المحلية باعتبارها شركاء لا منافسين.
ولهذا اختارت منطقة" المدينتين التوأم"، التي تضم مينيابوليس وسانت بول، رغم أنها لا تعد من" صحارى الأخبار" التي تفتقر إلى التغطية الإعلامية، بل تتميز ببيئة صحفية نشطة ومتنوعة.
ويرى القائمون على المشروع أن وجود منظومة إعلامية قوية في المنطقة يمنح فرصة لبناء نموذج يقوم على التكامل بدلا من الإحلال، حيث ستروج النشرة لتقارير المؤسسات المحلية وصحفييها، كما ستبحث عن صيغ جديدة للتعاون معهم.
وفي هذا الإطار، أعلنت نيويورك تايمز أنها ستسجل حلقة خاصة من بودكاست" واير كاتر" خلال معرض ولاية مينيسوتا بالتعاون مع إذاعة مينيسوتا العامة، كما سترعى مؤتمر" نورث ستار" الذي تنظمه صحيفة" مينيسوتا ستار تريبيون" في سبتمبر/أيلول المقبل، وهي الصحيفة التي أعلنت الشهر الماضي تسريح عدد من موظفيها وبدأت دراسة التحول إلى مؤسسة غير ربحية.
واعتمدت نيويورك تايمز على صحفيين من أبناء المنطقة لإدارة المشروع، إذ سيتولى تقديم النشرة كل من شادي بشرة، القادم من منصة" مين بوست"، وجاي غابلر، الذي انضم من صحيفة" دولوث نيوز تريبيون".
كما تقود المشروع هانا إنغبر، نائبة رئيس قسم النشرات البريدية في الصحيفة، بينما تتولى تاليا مينسبرغ، وهي من مواليد مدينة سانت بول، منصب المحررة الرئيسية، لتكون حلقة الوصل بين فرق التحرير المركزية والصحفيين العاملين في الميدان.
وستعتمد النشرة على أدوات متنوعة في السرد الصحفي، تشمل الفيديو، ومنصات التواصل الاجتماعي، وتعليقات القراء، والرسوم البيانية، وتحليل البيانات، بهدف بناء مجتمع تفاعلي حول المحتوى المحلي.
رهان على مستقبل الصحافة المحليةتعكس هذه المبادرة تحولا في رؤية نيويورك تايمز لدورها داخل المشهد الإعلامي الأميركي، فبعد سنوات من التركيز على بناء منتجات رقمية تجذب الاشتراكات، تتجه الصحيفة اليوم إلى اختبار نموذج يوسع حضورها داخل المجتمعات المحلية، مع محاولة الجمع بين قوتها التحريرية وشبكة العلاقات التي تمتلكها المؤسسات الإقليمية.
ويبقى نجاح التجربة مرهونا بقدرتها على تحقيق معادلة دقيقة: تقديم قيمة مضافة للجمهور المحلي، من دون إضعاف المؤسسات التي تنتج الأخبار على الأرض.
وإذا نجحت" ذا لوكال" في هذا الاختبار، فقد تصبح بداية مرحلة جديدة تعيد تعريف علاقة المؤسسات الإعلامية الوطنية بالصحافة المحلية، ليس باعتبارها سوقا جديدة فحسب، بل شريكا أساسيا في بناء منظومة إعلامية أكثر تنوعا واستدامة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك