لا شيء من الأحداث الخطيرة التي تجري هذه الأيام في مجال الأعراف الحكومية في إسرائيل، يضاهي في خطورته الطريقة التي تتعامل فيها حكومة إسرائيل – أو بالأحرى، تفشل في التعامل معها – مع ظاهرة الجرائم القومية والإرهاب اليهودي في المناطق المحتلة.
أصبحت التقارير عن المذابح دون اعتقالات، أمراً روتينياً، وكأنها ظاهرة طبيعية: يأتون، ينفذون مذبحة، ثم يغادرون دون أي اعتقالات.
وحتى عندما تصل قوات الجيش الإسرائيلي إلى المنطقة وتتدخل وتشوش على منفذي المذبحة أثناء تأدية واجبهم، أو تساعد السكان على الهرب من بيت يحترق، لا يتم اعتقال أحد.
ما دام الائتلاف الحاكم الحالي في السلطة فلن يتغير شيء.
مع ذلك، إذا تغيرت الحكومة في الانتخابات القادمة، فقد يفتح الطريق، ليس فقط لتغيير السياسة، بل أيضاً لإجراء تحقيق في الأحداث الخطيرة وغير المسبوقة التي حدثت وتحدث في هذا الصدد.
عندها، إضافة إلى لجنة التحقيق الرسمية في أحداث 7 أكتوبر (قضية يتوقع أن تحظى بتوافق واسع)، ينبغي تشكيل لجنة تحقيق رسمية أخرى: للتحقيق في أفعال وتقصير الحكومة الإسرائيلية والمؤسسة الأمنية فيما يتعلق بالإرهاب اليهودي.
هناك احتمالية أن تضم أي حكومة ائتلافية مستقبلية قوى مستعدة للنضال من أجل هذا الأمر.
الموضوع الأول للتحقيق فيه هو أمر وزير الدفاع إسرائيل كاتس، الذي يحظر الاعتقالات الإدارية لليهود في المناطق المحتلة، الذي بدأ فيه ولايته.
لا صلة لهذا الأمر بالنقاش الذي يجري حول الاعتقالات الإدارية.
فالوزير لم يأمر بوقفها أو الحد منها، أو وضع آلية جديدة تمنع إساءة استخدام هذه السلطة، بل أمر باستخدامها ضد العرب وليس ضد اليهود.
بمعنى آخر، يجب على السلطات الأمنية في المناطق المحتلة استخدام هذا الإجراء لحماية اليهود من العرب، لكن لا يسمح لها باستخدامه لحماية العرب من اليهود، بغض النظر عن مستوى خطورة التهديد.
هذا ليس قراراً ليبرالياً أو قراراً أمنياً محافظاً، بل قرار إجرامي؛ فهو يشجع الزعران والمخربين والإرهابيين، ويصعب على ملاحقتهم، ويوحي لهم بأن الحكومة تحابيهم.
تجرى تحقيقات قانونية في مثل هذه الأمور، وعلى كاتس أن يدرك بأن ما يناسب الانتخابات التمهيدية ليس بالضرورة مناسباً عند المساءلة القانونية.
بالطبع، المسؤول الأول عن تصرفات الحكومة، خاصة في المسائل الأمنية، هو رئيس الحكومة نتنياهو، الذي يفوض وزير الدفاع بتنفيذ هذه السياسة.
يشهد قادة الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية بأن هذا القرار يصعّب عليهم التعامل مع الجرائم القومية.
وهذا ليس غريباً، فهذا هو الغرض منه بالتحديد.
ولكن هؤلاء القادة أنفسهم، وعلى رأسهم رئيس الأركان والقائد العام للمنطقة، بحاجة أيضاً إلى التحقيق؛ فهم إلى جانب قادة الشرطة والوزير بن غفير، مسؤولون عن ندرة الاعتقالات غير الإدارية.
ترتكب المذابح أمام أنظار جنود الجيش الإسرائيلي، وفي معظم الحالات لا تسفر عن أي اعتقالات.
يتصرف الجيش الإسرائيلي بشكل منهجي وكأنه لا يملك أي سلطة، وكأن اعتقال مثيري الشغب اليهود الذين يرتكبون أعمالهم أمام الجنود، ليس من مهماته.
ولكن التوجيهات الأمنية التي تخول كل جندي في المناطق باعتقال أي شخص يخل بأمن المنطقة أو بالنظام العام، لا تميز بين اليهود والعرب، وسياسة عدم اعتقال مثيري الشغب اليهود في مسرح الجريمة هي سياسة إجرامية أيضاً.
وعندما يوثق جندي وهو يشارك في نوع من الإجرام كهذا، كما حدث مؤخراً، يعلن الجيش الإسرائيلي بأنه سيعالج الأمر بصورة انضباطية.
لماذا انضباطية؟ هذه جريمة كراهية.
رغم كل هذه الأمور الخطيرة، لا خيار جدياً لأي شخص يعيش ويرغب في الاستمرار في العيش في هذه الدولة، للتخلي عن الجيش الإسرائيلي؛ لأننا ما كنا لنعيش هنا لولا الجيش الإسرائيلي.
ولكن جيش الدفاع الإسرائيلي أعظم من كل قادته ورؤساء أركانه.
لذلك، يجب على كل من يساهم اليوم في الوضع الإجرامي السائد في هذه المنطقة أن يضع في اعتباره أنه قد يسأل عن أفعاله.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك