النوازل التي عاشتها الأمّة الإسلامية أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، دلّت بما لا يدع مجالا للشكّ على أنّ محنة الأمّة في هذا الزّمان، قبل أن تكون في بعض الحكّام أفسدوا دينها ودنياها، هي في طائفة من العلماء، كانوا يوصفون بـ”الكبار” وتُرمق كلماتهم وتُتلقّف أقوالهم في مسائل الطهارة والصلاة والحجّ والصيام، لكنّهم عندما توالت النوازل المتعلّقة بالقضايا المصيريّة واحتاجت الأمّة إلى كلمات حاسمة منهم، إذ بهم يخونون أمانة العلم ويطلبون سلامتهم وسلامة مناصبهم ويدبجون فتاوى “تحت الطّلب” ترهن حاضر الأمّة ومستقبلها للأهواء والأمزجة!لقد سقط بعض العلماء من العلياء إلى الغبراء، وتبيّن للعامّ والخاصّ أنّهم علماء دنيا لا علماء دين، أركسوا في الفتنة وأخلدوا إلى الأرض وآثروا الفاني على الباقي، وخافوا المخلوق وآثروا رضاه، يتكلّمون فيما يؤذَن لهم به ويسكتون عن كلّ ما يطلب منهم السّكوت عنه.
بل ربّما يتصدّى كثير منهم لتبرير جنايات “أصحاب المناصب” على دين الأمّة ودنياها.
اعتادوا حياة الدّعة وارتضى بعضهم حياة السّعة، وخالفوا عشرات النّصوص التي تحذّر العلماء من الرّكون إلى الدّنيا وأهلها، وتنكّبوا سِير أسلاف الأمّة من العلماء الربانيين الذين حذروا مِن طلب الدّنيا بالدّين.
أحاديث كثيرة، وأقوال وفيرة غزيرة، لا يحدّث بها كثير من العلماء والدّعاة المعاصرين، لأنّهم يخالفون مدلولاتها، ولأنّها تصف واقع كثير من الأمراء الذين ابتُليت بهم أمّة الإسلام في هذا الزّمان، منها ما رواه الإمام الترمذي عن كعب بن عجرة عن النبي –صلـى الله عليه وسلم- أنّه قال: “إنّه سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدَّقهم بكذبِهم وأعانهم على ظُلمهم فليس مني ولستُ منه وليس بواردٍ عليَّ الحوضَ، ومن لم يدخلْ عليهم ولم يعنْهم على ظلمِهم ولم يصدِّقْهم بكذبهم فهو منّي وأنا منه، وهو واردٌ عليَّ الحوض” (صححه الترمذي وابن حجر وابن حبان)، ومنها أيضا حديث ابن عباس عن النبي –صلـى الله عليه وسلم- قال: “سيكون أمراءُ، تعرفون منهم وتنكرون، فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، ومن خالطهم هلك” (صحّحه الألباني)، ومن الآثار المروية في هذا الباب قول عبد الله بن مسعود –رضـي الله عنه-: “إنّ على أبواب السّلطان فتنًا كمبارك الإبل، والذي نفسي بيده لا تصيبون من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينكم مثله” أو قال: “مثليه” (أخرجه عبد الرزاق في المصنف، وابن عبد البر في “جامع بيان العلم وفضله” وفي “التمهيد”)، ومنها أيضا قول الإمام جعفر الصادق رحمه الله: “الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السّلاطين فاتّهموهم” (رواه أبو نعيم في حلية الأولياء)، وقول الحسن البصريّ رحمه الله: “لا تزال هذه الأمّة تحت يدِ الله وكنفه ما لم يُمالئْ قرَّاؤُها أمراءَها” (تخريج الإحياء، 2/ 187).
لقد ضرب كثير من العلماء والدّعاة المعاصرين عن هذه الأحاديث والآثار صفحا، واقتصروا على رواية الأحاديث والآثار التي تحثّ على طاعة ولاة الأمر والصّبر عليهم والدّعاء لهم، وعلى النّظر إلى فسادهم على أنّه عقوبة للأمّة على فسادها! هذا النّهج الذي ارتضاه كثير من علماء ودعاة الأمّة في هذا الزّمان، كما في محطّات وأزمنة مضت في تاريخ الأمّة، نال رضا كثير من الأمراء، فجعلوه دينا يُرهبون من يخالفه ويحيد عنه مهما اتّصف بالاعتدال والبعد عن الغلوّ والبراءة من نهج الخوارج!لقد أدركت الأمّة في خضمّ النّوازل والأحداث المتعاقبة أنّ الحظّ الأوفر من محنتها هو بسبب هذا الصّنف من العلماء الدنيويين، وأنّها أحوج ما تكون إلى علماء ربانيين، يتحررون من التبعية ومن ربقة المناصب المسكتة، وإلى هيئات علمائية مستقلّة في فتاواها وبياناتها؛ الأمّة أكثر حاجة إلى هؤلاء العلماء وهذه الهيئات من حاجتها إلى استقلال القضاء والصّحافة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك