صنعاء – «القدس العربي»: قد يبدو للمتابع أن الاشتعال الأخير في اليمن سيُخمد عند استهداف مطاري صنعاء وأبها، لكن التمعن في خيوط الأزمة يكشف أن التصعيد ذاهب إلى أبعد، خاصة بعد إعلان الحوثيين، الثلاثاء، إسقاط طائرة استطلاع من نوع «وينغ لونغ2» قالوا إنها سعودية، فوق محافظة البيضاء وسط البلاد، عطفًا على تحذير بيان المتحدث العسكري للحوثيين للطيران المدني من العبور في الأجواء السعودية، ما يعني استمرار التهديد والتصعيد، يؤكد ذلك استمرار تصاعد موقف الحوثيين السياسي ضد الرياض عقب الهجوم العسكري، فكل ذلك يُشير إلى أن التصعيد لن يقف عند هذا الحد.
تحرّك المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، خلال أقل من أربع وعشرين ساعة من قصف المطارين، متوجهًا إلى مسقط، حيث التقى مسؤولين عُمانيين وكبير مفاوضي جماعة «أنصار الله»، في مسعى لاحتواء التدهور.
في ظل تداعيات القصف، تقود وساطة أممية إلى جانب أطراف إقليمية ودولية، سباقًا دبلوماسيًا محمومًا لإقناع «أنصار الله» بكبح جماح ضرباتها الصاروخية.
أما الجماعة فتتمسك بخيار الرد العسكري، وتعلن صراحة موقفها المتمثل في أن وقف الهجمات أو أي تهدئة مرهونة «برفع القيود المفروضة على مطار صنعاء بالكامل» وتأمين ممر الرحلات بين صنعاء وطهران.
وقال عضو المكتب السياسي في الجماعة، حزام الأسد، إن «استئناف الرحلات المجدولة بين صنعاء وطهران يمثل خطوة مهمة في كسر الحصار وتخفيف معاناة أبناء الشعب اليمني، ولا سيما المرضى والطلاب والمسافرين»، مضيفًا أن «مطار صنعاء ليس حكرًا على شركة طيران محددة، بل هو متاح أمام جميع شركات الطيران المدني والتجاري للعمل إلى مختلف الوجهات، وفق الأنظمة المتبعة، وبما يخدم مصالح الشعب اليمني وحقه الطبيعي في حرية التنقل».
وردّ عضو المكتب السياسي للجماعة، محمد الفرح، على من يسأل «ماذا بعد؟ » بالإشارة إلى بيان القوات المسلحة، الذي أكد «أنها مصممة على الموقف الحق في دفع العدوان ورفع الحصار الجائر»، محذراً شركات الطيران من العبور في أجواء السعودية «حتى رفع الحصار عن مطار صنعاء الدولي».
وأكّدت الحكومة اليمنيّة المعترف بها دولياً، عبر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، أنها لن تسمح بانتهاك أجوائها، لكنها تسعى في الوقت نفسه لضبط النفس تجنباً للانزلاق إلى حرب شاملة قد تجرّ البلاد إلى صراع إقليمي أوسع.
لكن عقب تأكيدها على «عدم توسيع نطاق المواجهة»، قال مجلس القيادة الرئاسي في بيان اجتماع مع مجلس الدفاع المشترك «إنه لا يمكن، تحت أي ظرف، السماح مستقبلا بدخول أو هبوط أي طائرة أجنبية أو تسيير أي رحلة جوية إلى أي مطار في أراضي الجمهورية اليمنية خارج موافقة الحكومة والسلطات المختصة».
وأشعلت الأزمة تهديدات عسكرية متبادلة بين الطرفين جراء رحلة لطائرة إيرانية وصلت إلى مطار صنعاء الدولي في الثالث من يوليو/تموز، وقالت الحكومة اليمنيّة إنها حملت خبراء إيرانيين وتقنيات ومنظومات وغيرها، بينما قالت الجماعة إنها أقلت 200 من المرضى والعالقين اليمنيين، كما أقلت عند عودتها إلى طهران، وفد الجماعة للمشاركة في تشييع المرشد الأعلى.
وهي الأزمة التي أخذت في التصاعد عقب إعلان الجماعة الإصرار على عودة وفدها على ذات الطائرة، واستمرار الرحلات الجوية بين صنعاء وطهران كسرًا لما وصفته بـ «الحصار الظالم المفروض على اليمن منذ 11 عاما»، وهو ما ترتب عليه قصف مطار صنعاء بتاريخ 13 يوليو/تموز، بينما هبطت الطائرة في مطار الحُديدة في اليوم ذاته.
في المقابل، اعتبرت الجماعة أن استهداف مطار صنعاء «إعلان بداية مرحلة جديدة من الحرب» ونهاية لمرحلة خفض التصعيد، فبادرت باستهداف مطار أبها في جنوب السعودية بصواريخ باليستية ومسيّرات.
هل سيتوقف التصعيد عند المطارين؟تقول المؤشرات الحالية إن الأمور لن تتوقف عند حدود مطاري صنعاء وأبها، بل إننا نتجه -وفق مراقبين- نحو أحد سيناريوهات أكثر تعقيداً:الأول: تصعيد تدريجي منضبط على أكثر من جبهة داخلية، مع عودة الاشتباكات المتقطعة والقصف المتبادل دون إعلان حرب شاملة، حيث يُستخدم الضغط الميداني كورقة تفاوضية لتحسين الشروط، وصولًا إلى اتفاق جديد يضبط إيقاع المرحلة المقبلة من خفض التصعيد.
الثاني: عودة إلى الحرب الشاملة، تترجمها الجماعة في شن هجمات صاروخية ومسيّرات تستهدف مطارات ومنشآت حيوية داخل السعودية، وهو ما قد يتطور إلى عمليات في البحر الأحمر، وفي المقابل قد تعود عمليات التحالف، وبالتالي دخول اليمن والمنطقة في دورة عنف جديدة، أو تسفر هجمات الجماعة تحت ضغوط محاصرة التوتر الإقليمي، عن فرض تهدئة بشروط جديدة.
الثالث: احتواء دبلوماسي عبر تدخل وساطات إقليمية سريعة، تمثلها سلطنة عُمان، لوضع بروتوكول صارم لتفتيش وإدارة الرحلات الجوية إلى مطار صنعاء لضمان عدم تكرار الحادثة، مقابل التزام جماعة «أنصار الله» بوقف التصعيد العسكري.
تبقى المنطقة على شفا انفجار يحرص أطرافها الفاعلون على عدم توسعته، وهو ما قد يخدم المحطة الراهنة من الصراع في اليمن، ويدفع إلى اتفاق جديد على طريق التسوية.
بناءً على ذلك، يقف اليمن اليوم في منعطف حرج وخطير للغاية.
جمرة مطار صنعاء تهدد بإحراق تفاهمات سنوات من التهدئة، والكرة -وفق مراقبين- في ملعب قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على كبح هذا التدهور، قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن السيطرة عليها والتحكم بحدود جغرافيتها ونتائجها.
وهو ما يؤمل عليه متابعون، لاسيما في ظل التوتر الإقليمي القائم، وهو ما قد يحاصر احتمال الحرب الشاملة ويدعم أدوات التهدئة والاحتواء وفق شروط جديدة، كفرضية مطروحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك