دعنا من محاولات التعلم وأخذ العبر من تجمعات ومؤسسات، مثل الاتحاد الأوروبي، أو الناتو، أو التعاونيات ما بين دول أمريكا الجنوبية، أو مما قبلهم مثل الاتحاد السوفييتي، ولنحاول أن نولّي وجوهنا نحو الشرق لنتعلم ونأخذ العبر من تجمع آسيان الاقتصادي التعاوني في شرق آسيا.
ذاك التجمع الذي تكوّن في عام 1967 من بضع دول لا يجمعها دين واحد، ولا لغة واحدة، ولا تاريخ واحد، ولا تواجه عدواً وجودياً مشتركاً.
فجمهورية تايلند البوذية جلست مع الفلبين المسيحية ومع إندونيسيا الإسلامية، على سبيل المثال، ليكونوا ذلك التجمع الذي نمى عدداً وقوي خطوة خطوة، وأوجد لنفسه بروتوكولات لحل أية خلافات، أو صراعات ما بين أعضائه، وبالتالي تجنب الدخول في أية أزمات، أو انسحابات أو تصرفات فردية تضر بالمجموعة.
نحن أمام مشهد فيه الكثير من الفصول الغنية بشتى صنوف التعاون في شتى المجالات الحياتية والعلمية والتكنولوجية، تحت المظلة التنموية الشاملة وهدف الرخاء المعيشي.
وإذ ننظر إلى الشرق لنتعلم منه، دعنا نتوقف، ولو مؤقتاً وإلى حين، عن نظرات الإعجاب والانبهار، التي مرّت عليها ثلاثة قرون، بكل ما طرحته الحضارة الغربية لنغرف منه، وعلى الأخص الأسس التي بنتها وتبنيها الولايات الأمريكية المتحدة قائدة تلك الحضارة وراسمة سلوكياتها القيمية والأخلاقية، خصوصاً أن تلك الحضارة هي برمتها في مرحلة المراجعة والنقد وإعادة التفكير من قبل أصحابها.
أنظمة ومؤسسات الحكم وقادتها، فضلوا ممارسة الانبهار الطفولي والتقليد الأعمى، بدلاً من ممارسة التعلم الجاد الإبداعي ومن بناء إرادة الحياة الحرة الناهضة عند مجتمعاتهم التي يقودونهاولمن لا يتابع تلك المراجعة نحيله إلى الفصل المسمى “الأسرار والأكاذيب والديمقراطية في أمريكا” الذي جاء على لسان الناقد والمفكر الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي، في كتابه المعنون “كيف يعمل العالم”.
إنه يتحدث عن زيف وكذب مسمى الديمقراطية الأمريكية، التي أصبحت في مجملها تحت هيمنة شركات أمريكا الكبرى ومالكيها وأموالها وإعلامها، إنه يبرز كيف تخلى نظام الحكم الأمريكي عن مسؤولياته والتزاماته الأخلاقية بالنسبة لحماية الفقراء، بدلاً من إغداق الدعم على الأغنياء، وعن الرعاية الصحية، وعن معاقبة الجريمة، وعن مواجهة امتلاك الملايين للسلاح وزعزعته للسلام الاجتماعي، وعن الوقوف في صفوف العمال وحقوقهم ونقاباتهم، بدلاً من دعم الأغنياء، وعن الأدوار السلبية التي تلعبها “سي آي أي”، وعن تلاعبات الإعلام في خدمة أصحاب المال والقوة على حساب المواطنين، وعن غض الطرف عن الفساد في عالم الرياضة، وعن عدم الوقوف في وجه الأصولية الدينية المتطرفة في الكثير من أشكالها، وعن بالطبع ما تفعله من أخطاء وانحيازات وجرائم في العالم، وعلى الأخص في أمريكا الجنوبية وعن… وعن الكثير مما لا تسمح محدودية المقال بذكره.
لقد أبرزت الجوانب السلبية الأمريكية، مع علمي بأن هناك جوانب إيجابية في الحياة الأمريكية المجتمعية على الأخص.
والأمر نفسه ينطبق على بعض دول القارة الأوروبية، التي هي الأخرى تراجع ما وصلت إليه ثورتها التنويرية من تشويه وتلاعب لقيمها الكبرى، وبالتالي في حاجة إلى مواجهتها قبل فوات الأوان.
ما أكتبه ليس جديدا، فقد طرحه الكثير من الكتاب والمثقفين والإعلاميين، لكن من دون أن تأخذه بجد أنظمة ومؤسسات الحكم وقادتها.
لسبب ما فضلوا في غالب الأحيان ممارسة الانبهار الطفولي والتقليد الأعمى، بدلاً من ممارسة التعلم الجاد الإبداعي ومن بناء إرادة الحياة الحرة الناهضة عند مجتمعاتهم التي يقودونها.
وفي النهاية، المطلوب أيضاً من شابات وشباب هذه الأمة العربية أن يدرسوا بتمعن شديد تجربة آسيان الشرقية تلك، ويأخذوا منها بعضاً من الشعارات التي سيطرحونها وسيناضلون من أجلها في المستقبل إن شاء الله.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك