الرباط ـ «القدس العربي»: بين صراع الجمالية، مصيدة الدعم، وأوهام الأفق المؤسساتي المعطوب، يفكك الناقد والكاتب المسرحي والأكاديمي سعيد الناجي واقع المسرح المغربي المعاصر، مشرحا أزماته الهيكلية والجمالية، ومقدما رؤية نقدية مغايرة تتجاوز السائد لتضع الإصبع على مكامن الداء، في منظومة الدعم والإنتاج والممارسة الإبداعية.
سألته «القدس العربي» حول ما إذا كان المسرح المغربي يعيش اليوم قلقا وجوديا، أمام طغيان الوسائط الرقمية، أم أنه استطاع تدجينها لصالح العرض الحي؟يرى سعيد الناجي، أن «القلق» ليس طارئا، بل هو صفة ملازمة للمسرح منذ نشأته، وهي الآلية التي تسمح له بتجديد نفسه والتفاعل مع التحولات التقنية والاجتماعية، إلا أن التحدي الراهن يبدو أعقد، يوضح المتحدث، لأن الوسائط الرقمية لم تعد مجرد «أدوات افتراضية» بتعبير أمبرتو إيكو، بل تحولت إلى «الحياة نفسها» والضامن للتوازن النفسي للبشر، ما غير مفهوم الزمن وإيقاعه.
ورغم أن المعركة الحالية تميل لصالح المسرح بصعوبة بالغة ـ نظرا لأن توغل الإنسان في الرقميات يضاعف حاجته للتعبير الحي والحقيقي ـ فإن المسرح يقف اليوم أمام مواجهة شرسة مع لغة الأرقام وخطاطات التصميم الرقمي.
ولأن العديد من المسرحيين يعتبرون أن الأصل في الممارسة المسرحية في المغرب هو «مسرح الهواة»، انتقلنا مع الناقد الناجي إلى المسافة الفاصلة بين هذا المسرح، الذي كان تاريخيا مشتلا للأفكار الكبرى، و»المسرح الاحترافي» الحالي المحكوم بقوانين الدعم المالي والإنتاج، ليؤكد في ما يشبه الحكم القاسي أننا «قتلنا مسرح الهواة وخلقنا مسرحا احترافيا معطوبا ومعوقا».
وزاد موضحا، أنه بعد أن استبشر المسرحيون خيرا بنظام الدعم في نهاية التسعينيات كجسر نحو صناعة مسرحية حقيقية (خاصة مشروع الفرق الجهوية)، تم إقبار هذا الطموح، ليتحول الدعم إلى آلية تستهلك طاقة الفنان في مطاردة المعاملات الإدارية وإعداد الملفات الفارغة وانتظار الأقساط المادية.
والنتيجة اليوم هي غياب أي فنان مغربي يشتغل بهدوء على مشروع مسرحي يمتد لسنتين، أو أكثر، من دون إكراهات الإدارة، ما جعل الدعم السنوي المستقل بمثابة «مصيدة حقيقية» تشلّ الخيال الإبداعي للفرق.
وأمام هذا الواقع، سألنا الناجي عن مدى قدرة الحساسيات الجديدة في المسرح المغربي على خلق قطيعة معرفية وجمالية حقيقية، أم أن الممارسة لا تزال أسيرة جلباب الرواد؟ ليوضح أن المسرح المغربي اعتمد دوما على الشباب لأنه فن «لا يضمن الشيخوخة»، حيث ينتهي مسار أغلب الرواد بطرق مأساوية تفتقر لأبسط شروط الرعاية الصحية.
ومع ذلك، يسجل الناقد نفسه ملاحظة مفادها، أن العروض الحالية تعاني من التكرار في جمالياتها وبنيتها وطرق إخراجها، إذ بات من الصعب العثور على تلك «المسرحية الفارقة» التي تحطم أفق انتظار الجمهور والنقاد بتقديم لغة بصرية ونص متميز.
وفي رأيه، يعود هذا الشلل الإبداعي بالدرجة الأولى إلى اضطرار الفرق لتسريع إنتاجاتها لملاحقة مواسم الدعم المتلاحقة.
وبحكم انتماء الناجي الأكاديمي كناقد، تفحصنا معه الفجوة بين ما يكتب في الجامعات من نظريات وما يقدم فعليا على خشبات المسارح في المهرجانات، ليسجل المتحدث غيابا شبه تام للجسور بين منصات التفكير الأكاديمي والممارسين الميدانيين.
والمفارقة الغريبة تكمن في الإقبال الهائل للفنانين على نيل شهادات الماجستير والدكتوراه في المسرح، ومع ذلك تظل القطيعة قائمة بين التنظير والممارسة بشكل فج.
ويتسع هذا الشرخ عند التساؤل عما إذا كان النقد المسرحي يعاني اليوم من مجاملة العروض أم من عزلة الناقد عن تفاصيل العملية الإبداعية، حيث يؤكد الناجي أن كلا الأمرين واقع، فالنقد يعيش عزلة جغرافية لتركز الحراك في المدن الكبرى، والفرق لا ترحب بالنقد إلا إذا كان مادحا.
علاوة على ذلك، فإن وزارة الثقافة استثنت النقد من الدعم، ما يجبر الناقد على الإنفاق من ماله الخاص لمتابعة العروض، في ظل تراجع الصحافة الورقية وفوضى الرقميات.
هذا الواقع تزامن مع تحول واهتمام الرأي العام نحو الحقل السياسي والدراما الرمضانية، على حساب الشأن الثقافي والمسرحي عامة.
وفي المقابل، وأمام هذا «القلق الوجودي» الذي يعيشه المسرح، تبدو المهرجانات المسرحية في المغرب عديدة ومستمرة بكثافة، وسألنا الناجي هنا عن أدوار هذه الفعاليات المنتشرة هنا وهناك في عدد من المدن المغربية، وهل تساهم في تطوير الرؤية النقدية أم تحولت إلى منصات للاحتفاء وتوزيع الجوائز فقط؟يرى الناجي أنها «سلاح ذو حدين»، فهي مكسب لتنشيط الحركة المسرحية وتوفير فضاءات عرض نادرة، لكنها في المقابل تحولت ـ عبر بريق الجوائز ـ إلى غاية في حد ذاتها.
وبدلا من أن يتفاعل المسرح مع احتياجات المجتمع الثقافية، أصبح يتشكل وفق مقاسات لجان التحكيم، ما أوقع تجارب مسرحية كثيرة في فخ «أوهام الجوائز» وتسبب في تراجعها.
كما يطرح الناجي مفارقة بنيوية، فالمهرجانات لا تؤسس لصناعة مسرحية في المدن المحتضنة لها، مشيرا إلى مدينة فاس التي عرفت مهرجانات كثيرة وهي تفتقر لقاعات مسرحية مؤهلة (أو تضم قاعة يتيمة مغلقة)، وهو ما ينطبق على مدن أخرى تخلق فيها المهرجانات وهما بوجود صناعة ثقافية هي غائبة في الأصل.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك