القدس العربي - “لا أحد فوق القانون”.. إلهان عمر تطالب بانضمام الولايات المتحدة للجنائية الدولية بعد تهديدات روبيو العربية نت - طائرة أميركية تعطّل سفينة حاولت كسر الحصار عن إيران وكالة الأناضول - سفارة تركيا بالمغرب تحيي ذكرى "يوم الديمقراطية والوحدة الوطنية" وكالة الأناضول - مساجد تركيا تحيي ذكرى "شهداء 15 تموز" برفع الأذان والأدعية الجزيرة نت - صفعة لنتنياهو.. تجميد قانون يحظر اعتقال "الحريديم" المتهربين من التجنيد روسيا اليوم - فانس: لن نرسل قوات برية إلى إيران لتغيير النظام ووزراء إسرائيليون يريدون استمرار الحرب لأجل غير مسمى وكالة الأناضول - إعلام إيراني: دوي انفجارات في 4 مدن عقب هجمات أمريكية CNN بالعربية - إليك موعد نهائي كأس العالم 2026 بين إسبانيا والأرجنتين رويترز العربية - القيادة المركزية الأمريكية: تعطيل سفينة متجهة نحو ميناء إيراني روسيا اليوم - بعد 252 مليون سنة من الغموض.. حل لغز الانقراض الأعظم في تاريخ الأرض وتحذير صادم لمستقبلنا
عامة

شهوة البحث عن ضحايا

القدس العربي
القدس العربي منذ 47 دقيقة

يبدو أن القتل، كل القتل في زمننا هذا على الهواء مباشرة، لا يتقنه القتلة وحدهم، الذين ينصّبون أنفسهم قتلة فوق القتلة، بل ثمة شهوة أيضًا لدى كثير ممن ينصِّبون أنفسهم ضحايا فوق الضحايا، ضحايا مُطلَقة، تن...

يبدو أن القتل، كل القتل في زمننا هذا على الهواء مباشرة، لا يتقنه القتلة وحدهم، الذين ينصّبون أنفسهم قتلة فوق القتلة، بل ثمة شهوة أيضًا لدى كثير ممن ينصِّبون أنفسهم ضحايا فوق الضحايا، ضحايا مُطلَقة، تنادي بحماية ضحايا لا يريدون حمايتها حقًّا، لأن الذين استُشهِدوا لا يريدون لا مزيداً من القتلى، ولا مزيداً من الشهداء في معارك لم تُحسم بعد لصالح دمهم.

بات القتل على المنصّات سهلاً، أسهل من جرعة ماء، وأقصر من الزمن الذي يحتاج لكتابة منشور، وهناك مَن يهبّون للمساعدة فوراً، لأنهم جاهزون لفعل ذلك، إما ببحثهم عن مكان لهم في عالم لا يراهم، وإما عن قَبَلِيَّة الصداقة، أو قبَليِّة الوطنية المحتقنة، وإما انطلاقاً من كونهم قد أُعِدّوا، كذباب إلكتروني، ليقوم بسلخ الضحية، وتشويه ماضيها، ودفنها وإخراجها من قبرها ثانية لقتلها مرّة تلو أخرى.

وكل ذلك، يربك الفلسطينيين، يمزّقهم، بين فيض افتراءات موزعة كما لو أنها حقائق، وتعليقاتٍ لأُناس من المفترض أنهم يحظون باحترام أو شبه احترام، بحيث لا يعود المرء قادرًا على التّمييز بين الحقيقة والكذبة والادعاء والوطنية والتخاذل، والعمالة والبطولة، والشهيد ويهوذا الذي أشار إليه من بعيد وسهَّل قتله.

لم يعد في استطاعة أحد أن ينجو من هذا، حتى أولئك الذين أمضوا أعمارهم يُقاتلون من أجل فكرة نبيلة، ودفعوا الثمن غالياً طوال أعمارهم أيضاً، فبالبساطة التي يمكن أن يُطلق فيها القاتل الرصاص عليها، يتم اغتيال الضحية المضاءة بتضحياتها، وكان يمكن أن تكون ضحية العدو، لكن، بالمصادفة نجت، أو كما نقول «لم يزل لها عُمُر»، هذه التي كان يمكن أن تكون في أي مكان آخر من هذا العالم، ليس أمامها غير متابعة مسلسل سقوط الضحايا بصمت، أو تزايد عدد القتلة بصمت، ولكنها لم ترحل مع الراحلين، أو من يتمنّون الرحيل.

ثمة تدمير مرعب للبشر، البشر الطيبين، بصورة تكاد تصبح ممنهجة، بحجة أنْ لا أحد فوق النقد، وإذا كانت هذه القاعدة صحيحة، لكنها باتت تتحول لتصبح لا أحد فوق القتل؛ بالاستباحة والتشويه وإنكار الدور بكل هذا التنمّر، سواء كان مبنياً على حالة غضب لن يغفِرَ لها قهر كبير، أو بطالة ثقافية مكرسة لهجاء الآخرين بسذاجة كلما أرادت أن تخربش على صفحاتها، مستعينة بكل ما تملكه من فشل وجهل معزَّزين بالضغينة، أو كان مبنيًا على حالة من وطنية متضخمة، لفرط تضخمها باتت تلتهم وطنيين تعتبرهم طبقة دنيا في سلم حب الوطن.

هؤلاء، للمفارقة، ليس لديهم بعدُ ما يكفي من الصّواب، ليتفرّغوا لإحصاء أخطاء الآخرين.

فلسطين، بشكل خاص لا يمكن أن تكون قاتلة، بحيث يُستعار اسمها ليكون اسماً لجرائم ترتكب باسمها.

شهداؤها لا يمكن أن يقبلوا بهذا النمط المتدنّي لممارسة القتل.

أسراها لا يمكن أن يقبلوا بهذا النمط المتدنّي لممارسة القتل.

ملايين أشجارها التي تمّ ويتمّ إعدامها على يد الصهاينة، لا تقبل بممارسة هذا النط المدنّي من القتل.

500 قرية وبلدة باتت تحت التراب، لا تقبل أن تلقى فوق ترابها ضحايا أخرى من أبنائها، فقط لأن هناك من يقتل دون حساب.

فلسطين لا تقبل في جوهرها أي إهانة توجّه للبشر باسم الدفاع عنها.

هذه الكلمات ليست ضد فكرة النقد، ولكنها بالتأكيد ضد فكرة المحو واغتيال الشخصيات واغتيال تاريخها، وضد التجرؤ، كما حدث في بعض الحالات، على اغتيال عائلاتها، وأخواتها وإخوتها وآبائها وأمهاتها، مع أن هؤلاء عُرضة للموت اليومي الذي يزرعه العدو على عتبة كلّ بيت فلسطيني، وفي كل شارع وعلى كل حاجز، باغتيالهم سواء كانوا صغاراً يلعبون في الحارة، أو طلبة في طريقهم إلى مدارسهم أو جامعاتهم.

في كل مجتمع سوي هناك المعارضة بأشكالها المختلفة وتبايناتها المختلفة، وهناك التباين في الآراء، وهناك القول الفصل، والقول الأقل منه، وهناك ما يمكن أن يقال، وما لا يمكن أن يقال، لكن اغتيال الشخصية ومحو تاريخها أمر لا يجوز.

فحتى الأنبياء أخطأوا القول وتم تصحيحهم، لا انتزاع النبوة منهم، وأنا هنا لا أشبه أحداً بالأنبياء، بل أقول إن البشر بشر.

أما ما يجعل الأمر محزناً أكثر، فهو أن المرء لا يرى هذا النمط من المحو الذي يمارس بصورة فردية أو جماعية، بهذه الشراسة، يمارس على شخصيات غارقة في الفساد ومغرقة للمجتمع بالفساد، ومروِّضة لكل ضوء فيه لا بالنفخ عليه، بل باستخدام بساطيرها، وهذا ما يفسر ويؤكد أن هذه الشخصيات ما كان يمكن أن تستمر لو أنّ نصف هذه الحملات تم توجيهها ضدها.

لم يحدث في التاريخ البشري أن انتصرت أمّة لا تحتمل التعدّد، كما أن كل أمّة، وفي كل زمان، انتهت مهزومة حين امتلك زمامها رأي واحد وحيد، مهما حققت من انتصارات واهمة في مطالع رحلة صعودها.

لذا، يمكن القول لكل من يدعي الحقيقة بهذا اليقينيّة: تمهّل، فالبشرية نفسها رغم عمرها الطويل، ما زالت تخطئ أكثر مما تصيب.

وفلسطين لم تستمر إلّا لأنها احترمت تعدُّدَها، وحتى الذين اختلفت فئات وتنظيمات من هذا الشعب معهم، لم يتمّ محوهم، وخرج الجميع فيما بعد في جنازات بعضهم، شهداءً.

يعتقد شخص في موجة غضبه، أو موجة وعيه، أنه سيغّير العالم، وهذه كذبة أكبر من أن تُحتمل، لأن الجداول الصغيرة كلها هي أم النهر.

كفّوا عن الدفاع عن فلسطين بتدميركم لفلسطين، بضيقكم هذا الذي يمليه عليكم غضبكم أحياناً.

هذا الغضب يبقى مبرراً، بل ولازماً، إلى ما قبل الدرجة التي يبدأ فيها بإطلاق النار العشوائي، واغتيال الناس، من أجل أخطاء، أو شبه أخطاء، وأحياناً من دون أن يرتكبوا أيّ خطأ، بل قد يكون الأمر بسبب ما أنجزوه.

يا للهول.

اختلِفوا كما شئتم، لكن، قليلاً من احترام تاريخ البشر في نضالاتهم بكل أشكالها، سياسية كانت أم ثقافية أم عسكرية أم سواها؛ نضالات كان هدفها الوحيد أياماً أجمل لفلسطين ولشعبها ولقيمها التي حافظت على استمرار قضيتها، بعيدًا عن كل أشكال هذا التنمّر.

فلننتقد، لكن لنترك التدمير والمحو للذباب الإلكتروني، الذي لم يعد العدو بحاجة لأن ينشئ له صحيفة أو محطة تلفزيونية ليبث سمومه، بل أصبح ثمنه أقل بكثير.

لا تكونوا كابوساً يهشّم ما في رؤوس هؤلاء من أحلام لفلسطين وأعمار كُرست لفلسطين، ففلسطين أجمل وأرحم، فارحموها «ارحموها من هذا الحبّ القاتل».

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك