ويرى الباحث في الشأن السياسي والعسكري أحمد الشوقي أن زيارة الزيدي إلى واشنطن تحمل" علامات استفهام كثيرة جدا"، وأن تعهده بحصر السلاح بيد الدولة بحلول الثلاثين من سبتمبر المقبل يصطدم بواقع سياسي واقتصادي وأمني أكثر تعقيدا مما تعكسه التصريحات الرسمية.
وفي مقابلة مع برنامج" التاسعة" على قناة" سكاي نيوز عربية"، فكّك الشوقي بنية القرار المرتقب، محذرا من أن التوقيت الإقليمي الملتهب قد يحوّل الملف من" معالجة حقيقية للأزمة" إلى مجرد" ترحيل" لها.
قرار سياسي موحد لا قرار فرديشدد الشوقي على أن قضية حصر السلاح" ليست بقرار أن يكون بيد الزيدي لوحده"، بل يجب أن تتمثل في قرار سياسي موحّد تشترك فيه السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وتساءل عمّا إذا كان هناك إجماع سياسي فعلي يمرّ عبر قبة البرلمان لتشريع قانون واضح يحدد آلية حصر السلاح والإجراءات المطلوبة من السلطة التنفيذية لتطبيقه.
وذكّر الشوقي في هذا السياق بوجود سند دستوري صريح، يتمثل بالمادة التاسعة، التي تمنع صراحة وجود أي ميليشيات أو جهات مسلحة خارج المؤسسات العسكرية الرسمية الدستورية، أي الجيش العراقي وما يتبعه للقائد العام للقوات المسلحة.
وأوضح أن الأزمة تحتاج إلى ما هو أبعد من" مفهوم الدولة الأساسية" وأبعد من مجرد التصريحات أو التمنيات، لافتا إلى أن كل حكومة تتعاقب على السلطة تكرر الوعد ذاته دون أن يُترجم إلى إسناد دستوري حقيقي تفرضه السلطة التشريعية.
فصائل متجذّرة في عمق المشهد السياسي والبرلمانيلفت الشوقي إلى أن إشكالية القرار لا تقف عند حدود السلطة التنفيذية وحدها، بل تتعلق بوجود" عملية استباقية حتى في القرار السياسي"، مردها إلى التداخل العميق لهذه الفصائل في" عمق الجانب السياسي وعمق الجهات السياسية"، فضلا عن سيطرتها البرلمانية من خلال" أعداد كثيرة ممن يمثلون هذه الفصائل داخل قبة البرلمان".
وفيما يتعلق بالجدول الزمني لحصر السلاح، عبّر الشوقي عن تشككه في إمكانية ضبط أي توقيت في خضم تصاعد" حرب شرق أوسطية" متداخلة الساحات، متسائلا: " من يضمن خلال هذه الفترة في تصاعد ما يحدث في الحرب الأميركية الإيرانية وقواعد الاشتباك أن الحرس الثوري لا يفعّل استراتيجيته بتعدد الساحات؟ ".
وبيّن الشوقي أن" التوقيت هو الفارق" في هذا الملف، موضحا أن العراق" في توقيتات ضائعة" في ظل تصاعد الحرب في الشرق الأوسط.
وتابع قائلا: " من يضمن، في ظل الحرب بين أميركا وإيران وإسرائيل وقواعد الاشتباك المتصاعدة، ألا يعمد الحرس الثوري إلى تفعيل استراتيجية (تعدد الساحات) التي تبناها صراحة بعد أن انقطعت (وحدة الساحات) إثر المتغيرات التي شهدتها المرحلة الانتقالية في سوريا؟ ".
وحدد الشوقي أبرز هذه الساحات المتعددة على أنها تشمل: جبهة اليمن، والجبهة العراقية، إضافة إلى جبهة لبنان، معتبرا أن هذا الواقع الإقليمي يجعل من الصعب حصر معالجة الملف" بالتمني" أو عبر عملية قد تكون في حقيقتها" ترحيلا للأزمة لا تصديا لها".
وفق الشوقي فإن ملف الفصائل المسلحة" ليس وليد أيام أو أشهر بل سنوات"، وأنها تداخلت مع كل المشاريع الاقتصادية للدولة العراقية، بل كانت الأساس في العديد من العمليات والعقود التي جرى تمويلها، نظرا لتشابك القرار السياسي مع الاقتصادي والأمني والعسكري.
ولفت إلى أن الحسم في هذا الملف يقتضي حصر القوائم الكاملة بالأسماء والشخصيات والشبكات التي تموّل تلك الفصائل وتهرّب الأموال العراقية بالمليارات، وهي أموال استفاد منها الحرس الثوري في تطوير صواريخه الباليستية، على حد قوله.
وحسبما ذكر الشوقي فإن ما تحقق حتى الآن لم يتجاوز" بداية خط الشروع" في تفكيك هذه الشبكات، وأن عمليات تجفيف الأموال لم تصل بعد إلى جوهر تمويل الفصائل، مستدلا بأن شبكات بسيطة نسبيا تبيّن أنها كانت تمتلك مليارات الدولارات، متسائلا: " فكيف بالشبكات المعقدة؟ كيف بالبنوك؟ كيف بشركات الصيرفة؟ ".
وكشف الشوقي في هذا السياق أن السيد الزيدي لم يجد في خزينة الدولة، التي دخلتها في السنوات الماضية نحو 350 مليار دولار، سوى خزينة فارغة، متسائلا عن مصير تلك الأموال التي يرى أنها باتت بحوزة الجهات المسلحة التي تحوّلت إلى" إمبراطوريات مال" داخل العراق.
رغم تأكيده أنه" لا يشكك في نية الزيدي جملة وتفصيلا"، يرى الشوقي أن رئيس الوزراء العراقي" لا يمتلك عصا موسى ليصنع المعجزات"، خصوصا أنه جاء إلى العملية السياسية من خارجها وبوقت محدود لا يتجاوز الشهرين، في مواجهة تراكمات معقدة من عمليات التهريب والاختلاس والنهب، وشبكات مرتبطة بالأذرع الإيرانية وبعمليات تمويل خارجية وداخلية معا.
وتتطلب معالجة هذا الملف وفقا للشوقي" ضربة بيد من حديد وبإصرار، لا عملية ترحيل جديدة"، خصوصا أن الساحة العراقية باتت، بحسب وصفه، " جزءا لا يتجزأ من خارطة المواجهة العسكرية الجغرافية المرتبطة بإيران، وهو ما تجلّى خلال 38 يوما شهدت انطلاق مسيّرات وصواريخ من الأراضي العراقية، في ظل تصاعد العمليات وقواعد الاشتباك عند مضيق هرمز".
ختم الشوقي بالتساؤل عمّا إذا كانت القوائم والشبكات التي كُشف عنها حتى الآن مجرد أسماء زوّد بها الجانب الأميركي بغداد ضمن عمليات مراقبة مرتبطة بتجفيف أموال الحرس الثوري في دول متعددة، معتبرا أن ما يجري قد لا يعدو كونه" إرضاء مؤقتا"، أو" إشارات" موجهة للجانب الأميركي.
وخلص الشوقي إلى أن أي تغيير حقيقي، في ظل هذه المرحلة الخطرة والتوقيتات الضائعة، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تفعيل حقيقي لمفهوم الدولة والنظام السياسي، بحيث تتولى السلطة التشريعية سد الثغرات القانونية الخطيرة القائمة، فيما يقع على عاتق السلطة التنفيذية واجب تفعيل هذه القوانين على أرض الواقع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك