غزة- يتنقل الطفل ماهر حمودة بين الخيام المجاورة لمأوى أسرته في أحد مراكز الإيواء شمال قطاع غزة، باحثًا عن ولاعة (قداحة) لوالدته التي تنتظرها لإشعال نار الطهي.
استغرق الطفل وقتًا طويلًا حتى وجد من يعيره ولاعة باتت شبه مفقودة في القطاع، بعدما قفز سعرها إلى أكثر من 100 ضعف منذ أن منعت قوات الاحتلال الإسرائيلي إدخالها مع اندلاع الحرب على القطاع في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ومع شح الولاعات، رغم ارتباطها بتفاصيل الحياة اليومية التي لا يمكن الاستغناء عنها، لجأ عدد من الشبان إلى إصلاح التالف منها، في مهنة طارئة أفرزتها الحرب والأزمات التي تطارد أكثر من مليوني فلسطيني.
على مفترق السرايا وسط مدينة غزة، يحمل الشاب أحمد الكفارنة صندوقًا متنقلًا يجمع فيه أجزاء الولاعات القديمة، ويعيد استخدامها في إصلاح" القداحات" التالفة.
يقول الكفارنة -للجزيرة نت- إن عمله لم يكن معروفًا في قطاع غزة قبل الحرب، لأن الولاعة كانت سلعة زهيدة الثمن لا يتجاوز سعرها نصف شيكل (الدولار=3 شواكل)، وكان الناس يتخلصون منها بمجرد نفاد الغاز بداخلها.
وأدى منع إدخال الولاعات بالتزامن مع تزايد الحاجة إليها لإشعال الحطب والغاز والسجائر، إلى ارتفاع أسعارها بأكثر من مئة ضعف، ما دفع المواطنين إلى البحث عن بدائل بما في ذلك إصلاح الولاعات التالفة.
باتت تكلفة إصلاح الولاعة -يضيف الكفارنة- تتراوح بين 5 و10 شواكل، وهو مبلغ يراه المواطنون أقل بكثير من شراء ولاعة جديدة يتجاوز سعرها الآن 50 شيكلا وأحيانا 100 شيكل، الأمر الذي أدى إلى ازدياد الإقبال على صيانتها بصورة لافتة.
ويؤكد أن الحرب فرضت على سكان القطاع مهنًا لم يكونوا يعرفونها من قبل، نتيجة الارتفاع الهائل في أسعار السلع وشحها، موضحًا أن معظم الأسر لم تعد قادرة على تحمُّل التكاليف الباهظة بعدما فقدت جزءًا كبيرًا من أموالها وممتلكاتها خلال النزوح وفترات التجويع التي انتهجها الاحتلال.
لجأ الشاب إلى هذه مهنة إصلاح الولاعات لتأمين جزء من احتياجات أسرته اليومية في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، معربًا عن أمله في أن تتحسن أوضاع المواطنين وتنتهي المعاناة التي فرضتها الحرب، بعدما تضاعف سعرها 50 أو مائة مرة.
على مقربة من المكان الذي يعمل فيه الكفارنة، ينشغل معين أبو عودة النازح من شمال قطاع غزة إلى غرب المدينة في صيانة الولاعات، بعد انضمامه لطابور طويل من البطالة نتيجة الحرب.
يقول أبو عودة -للجزيرة نت- إن الحرب دفعته لتعلم صيانة الولاعات وإعادة استخدامها، والاستفادة من قطع الغيار الموجودة في الولاعات التالفة، كحل مؤقت فرضته الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، معربًا عن أمله في أن تنتهي أزمة القدحات بانتهاء الأزمات المتراكمة وعودة السلع إلى القطاع بصورة طبيعية.
وتحت أشعة شمس لاهبة، ينتظر محمد البراوي دوره لإصلاح ولاعته، وقد بدت علامات التذمر على وجهه وهو يقول: " قبل الحرب لم نكن نضطر إلى مثل هذه البدائل، أما اليوم فلا خيار أمامنا سوى إصلاحها، إذ لا نستطيع في كل مرة نحتاج فيها إلى ولاعة أن ندفع هذه المبالغ الخيالية مقارنة بسعرها الطبيعي سابقًا".
ولا يختلف حال ابن عمه أحمد، الذي قطع أكثر من 20 كيلومترا من دير البلح وسط القطاع إلى مدينة غزة لإصلاح ولاعته، تجنبًا لدفع ثمن ولاعة جديدة.
يقول أحمد -للجزيرة نت- إن كل أسرة في غزة تحتاج إلى ولاعة كل أسبوعين تقريبًا، لذلك أصبح شراؤها أمرًا يفوق قدرة كثير من العائلات التي باتت تلجأ لإصلاحها رغم أن تكلفة الصيانة أصبحت مرتفعة هي الأخرى.
ويتمنى أن ينظر العالم إلى معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة بعين الرحمة، مؤكدًا أن ما يعيشه السكان من ظلم ينعكس على أدق تفاصيل حياتهم اليومية.
ويقول المختص الاقتصادي محمد بربخ -للجزيرة نت- إن الاحتلال يمنع إدخال ما يقارب 75% من الأصناف التي يحتاجها قطاع غزة، ولا تسمح سوى بدخول كميات محدودة من المأكولات والمشروبات، الأمر الذي تسبب في شح كبير بالسلع وخلق أزمات متفاقمة في الأسواق.
وأوضح أن الاحتلال منع منذ بداية الحرب إدخال الولاعات بشكل كامل، رغم أنها من السلع الأساسية التي يعتمد عليها السكان في إشعال مواقد الطهي المنزلية والمطاعم والسجائر، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها بصورة غير مسبوقة.
وبحسبه، فإن كميات محدودة من الولاعات دخلت إلى القطاع بطرق غير رسمية قبل نحو عام، وهو ما أدى إلى انخفاض مؤقت في أسعارها، لكنها سرعان ما عادت إلى الارتفاع مع استمرار منع إدخالها.
وقبل الحرب -أشار المختص الاقتصادي- إلى أنه قبل الحرب كانت غزة تحتاج إلى شاحنة من الولاعات كل شهر أو شهرين، بما يعادل نحو 3 ملايين ولاعة، وهي كمية كانت تكفي لتلبية احتياجات سكان القطاع، بينما يقتصر ما يصل اليوم على أعداد محدودة يحملها العائدون إلى غزة، مؤكدًا أن هذه الكميات لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات أكثر من مليوني فلسطيني.
ورأى بربخ أن استمرار منع إدخال الولاعات يفاقم الأزمة وينعش السوق السوداء، التي تستفيد من شح المعروض وترفع الأسعار بصورة قياسية، مشددا على أن الاحتلال يوظف منع إدخال السلع، حتى البسيطة منها، كأداة للضغط على سكان قطاع غزة، بما يزيد من تعقيد ظروفهم المعيشية ويعمق الأزمة الإنسانية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك