وقعت أحدث حربين كبيرتين، حرب أوكرانيا (منذ 2/2022) وحرب إيران (3-5/ 2026)، في أعقاب سنوات شهدت ابتكارات علمية وتقنية كثيرة.
ووَصف بعضها، مثل الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، بالثوري.
وجددت هذه التطبيقات تقنيات عسكرية جوهرية تتعلق بالرصد والتصويب والاتصالات والاستخبارات والجدولة الإحصائية المقارنة.
وأدت إلى ابتكارات حربية، لعل المسيرات أبرزها، قلبت رأساً على عقب فنون الحرب وعلومها العسكرية، على ما يقرر خبراء في هذه العلوم والفنون.
ويذهب أحد هؤلاء الخبراء، الجنرال أوليفييه شميت- اللواء المتقاعد من الجيوش الفرنسية، والأستاذ المحاضر بمعهد العمليات العسكرية في أكاديمية دفاع الدنمارك، ومؤلف كتاب: الإعداد للحرب، الاستراتيجية والتجديد والقوة العسكرية في الزمن المعاصر (المطابع الجامعية الفرنسية، 2024)- يذهب إلى أن ما يميز الحربين الأخيرتين عن الحروب السابقة ليس استحداث تقنية واحدة (صدرت المحاورة مع الجنرال أوليفييه شميت في صحيفة" لوموند" الفرنسية، عدد 24/4/2026، تحت عنوان خطر نزاع أوروبا مع روسيا مرجح في الأعوام الخمسة المقبلة).
وأثر التقنية الثورية الأخيرة، أو أنظمة الذكاء الاصطناعي، يتجاوز السلاح إلى الاستراتيجيات الشاملة، وإلى معايير الحرب العملية والأخلاقية نفسها.
ويمثل الخبير والضابط العالي الرتبة على قوله بالعمليات الأولى التي افتتحت الحرب على إيران في 28 فبراير (شباط) 2026.
ففي أثناء 12 ساعة متصلة أصلى الحلف الأميركي- الإسرائيلي الخصم الإيراني 900 ضربة.
ويفترض مثل هذا القصف الكثيف، والمتصل، والمنتشر، تخطيطاً يتولاّه الذكاء الاصطناعي.
فيقوم هذا أولاً بدمج مباشر لمعطيات السواتل الواردة تباعاً، معلوماتها العسكرية الميدانية، في أثناء ورودها.
ويقوم، ثانياً، بنشر وتوجيه أسراب المسيرات المشغلة ذاتياً والرخيصة في سبيل إشباع الدفاعات الجوية الإيرانية، وفتح نوافذ قصف تستهدف المنصات الفاعلة والعقدة التي يحتمي الخصم وراءها.
والجديد غير المسبوق في هذا المركب هو فاعلية المزج بين الأجهزة ووظائفها.
فوظيفة الذكاء الاصطناعي هي التصويب الدقيق، والجمع بين معلومات المسيّرات والقصف من الفضاء.
فللمرة الأولى يُختبر، على مقاس عريض، ما يسميه الخبراء" الدقة في (معالجة) الكتل الضخمة".
وأظهرت الحرب أن خصماً متخلفاً تكنولوجياً عن خصمه القوي قد يسعه أن يكبّد الخصم القوي أكلافاً اقتصادية وسياسية كبيرة.
وهذا من نتائج" ديموقراطية التدمير" المترتبة على انتشار التكنولوجيات المزدوجة.
ففي مستطاع محاربين، من غير الدول، امتلاك قوة نيران كبيرة، واستعمال هذه الوسائل في إطار استراتيجية عسكرية مناسبة، وحصاد نتائج سياسية لا يُستهان بها.
وينبّه الجنرال شميت إلى أن الخطوة الحاسمة التي خطاها دمج الأنظمة، على رغم خطورتها وقوة أثرها، لا تؤثر في عوامل الحرب الجوهرية.
فالقدرة على استيعاب الهجمات، والتماسك بعد تلقيها، عامل قد يعطل مفعول التفوق التكنولوجي، ويحول دون إحراز النصر السياسي.
ويميز الخبير العسكري الفرنسي بين الحرب الأوكرانية والهجوم الإسرائيلي على إيران.
والدرس الذي يستخلصه من الأخير هو برهانه على نجاعة قوة الردع والفرض من مسافة بعيدة، وذلك بواسطة مزيج من ضربات دقيقة، وعمليات تخريب، وهجمات سيبرانية، وعمليات سرية، تشد الخناق، مجتمعة، على النظام الإيراني.
ويفهم الصورة العامة على النحو التالي: تولى النهج الذي يصفه قيادة التصعيد والتوجه إلى الخصم بالقول: " لا نريدكم أن تحوزوا الأسلحة الذرية، وإذا أصررتم على حيازتها فردُّنا هو تصعيد إضافي".
ويستدرك الخبير العسكري، فيكتب: وهذا التصعيد غير مرسل أو مطلق بل هو تصعيد مقيد بإنجازات الاشتباك وإخفاقاته.
وخلاصة القول في تقويم الانعطاف الذي ربما جلته، أو كشفت عنه وأبرزته أحدث حربين خاضتهما دول كبيرة، هي أن الغربيين اختبروا فيهما انعطافاً أكيداً.
فالحربان قرينتان على أن عهد العمليات الحربية التقليدية، على شاكلة الحملات والغزوات الخالية من أهداف السيطرة الجوية أو البحرية، انتهى أو طوي.
لكن أركان العمليات العسكرية (المفاجأة والمعنويات، والقيادة، والمناوشات) لا تزال على حالها ومكانتها من فنون الحرب وعلومها.
وعلى الصعيد العسكري التقني ثمة عناصر تكتيكية جديدة على قدر كبير من الأهمية.
فالنشر العام للمسيرات والذكاء الاصطناعي، في سبيل التنسيق بين عدد من الوحدات تجديد تسعى الجيوش كلها في تحصيل القدرة عليه (على النشر) وإعماله.
والتجديد الآخر هو تعميم القدرات على القصف من مسافات بعيدة من غير التخلي عن دقة الإصابة.
ولا شك في أن الأمرين الجديدين هذين يفتقدان تكتيك العمليات الميدانية.
أما قيادة العمليات، على الشاكلة التي نعرفها منذ الحرب العالمية الثانية، فلم يطرأ عليها تغيير أو تجديد يذكر.
وفي ضوء هذه الموازنة بين جديد" الحربين الأخيرتين في شرق أوروبا والشرق الأوسط (أو جنوب آسيا) وبين تقاليد عالمية رسخت منذ ثلاثة أرباع القرن المنصرمة، يستبعد الجنرال أوليفييه شميت صحة الحديث عن ثورة عسكرية".
فلكي يصدق الحديث عن" ثورة" في هذا الميدان ينبغي أن يتزامن تغيير ملموس في جملة أبعاد أو مجالات: تكنولوجيا مبتكرة تملي تغييراً في قيادة المعركة، وعقيدة تمكن من استعمال التكنولوجيا على خير وجه، وتنظيم عسكري يكيف بنيته مع التكنولوجيا المبتكرة، والفروع المترتبة على هذه كلها (التدريب، الصناعة، الثقافة الميدانية).
أي أن التحسينات الجزئية لا تصنع ثورة، وتقتضي هذه تكامل العناصر الكثيرة والمعقدة التي يحصيها الضابط الفرنسي.
وإذا كان الكلام على" ثورة" لا يخلو من المبالغة، فإهمال النظر إلى التجديد في أمور أخرى، ثانوية أو جزئية، لا يسهم في رسم صورة تحيط إحاطة وافية بعناصر عسكرية أخرى.
وبعض الأمور الثانوية أو الجزئية التي يصرف النظر عنها هي أمور غير مرئية: الذخيرة، الإسناد الخلفي والجانبي، قطع الغيار، قدرة سلاح الهندسة على الاستيلاء على أرض واستعمالها.
ويعلل الخبير إهمال هذه العوامل، على رغم مكانتها ودورها، ببريق التكنولوجيا الجديدة ولمعانها الذي يخطف الأبصار.
وجواباً عن سؤال عما إذا كانت الحربان الأخيرتان شهدتا أفول أصناف من السلاح، مثل حاملة الطائرات، يقول لواء الاحتياط وأستاذ الاستراتيجيات: إنه لا يحسب أن حاملة الطائرات سلاح مفوَّت، مضى زمنه وطوي استعماله.
فهذا السلاح، وما يرافقه من سلاح جو وكاسحات ألغام ومدمرات، تتطور تكتيكات استعماله وتكنولوجياته.
وحاملة الطائرات ليست منصة ثابتة تستهدفها الصواريخ الصينية الرخيصة والقصيرة المدى، من غير أن تحور حراكاً ومناورة.
وتفوق فائدتها الصناعية، أي حفاظها على مستوى التسلح التقني والصناعي السيادي، دورها العملاني والميداني.
وفي شأن دواعي النزاعات والحروب، والأسباب التي تفجّرها وتشعل فتيلها في زمننا، نهاية الثلث الأول من القرن الواحد والعشرين، يلاحظ الجنرال والخبير العسكري الفرنسي ديناميات تسفر الأولى عن انتقال القوة داخل النظام العالمي وانتشارها.
فعدد الدول التي تميل إلى معالجة مشكلاتها السياسية من طريق القوة المسلحة، يتعاظم يوماً بعد يوم.
ويصاحب هذه النزعة انهيار أنظمة السيطرة على التسلح، وتقوض السياسات المتعددة الأطراف.
والأمران، وغيرهما، من علائم العودة إلى صراع القوى وتنافسها.
وعلى صعيد وسائل قيادة العمليات الحربية ما دون عتبة النزاع المعلن، يُلاحظ أنها (وسائل القيادة) تتكاثر.
فهي اليوم اقتصادية، تجارية ومصرفية مالية أولاً، ولا تترفع عن اللجوء إلى عمليات التخريب والتعطيل، وإلى التضليل الإعلامي الفاعل.
وتسرّع مكامن ضعف الدول، والتغيُّر المناخي، تكاثر الوسائل والظروف المؤدية إلى استفزاز هذه الدول بعضها بعضاً.
فهل تفضي الحال إلى استحالة السلام على ذاك المثال الذي شهده العالم غداة الحرب العالمية الثانية؟ لا يجزم الجنرال بنفي أو بإيجاب.
فهو يشرط تشخيصه بصورة الاستقرار العام التي قد تعقب المرحلة الحربية الراهنة.
فالأرجح على قول الكاتب، ألاّ يشبه هذا الاستقرار، إذا قيض له الحصول، صورته السابقة، أي تلك التي سادت غداة 1945، ونجمت عن عوامل لا يتوقع أن تتكرر، مثل ثنائية القطبين، الاتحاد السوفياتي وحلف شمال الأطلسي، ودوام مرحلة ازدهار اقتصادي طوال ثلاثين عاماً" مجيدة" عوضت دماراً واسعاً تخلف عن الحرب العالمية.
وإذا بقيت" الحرب" باردة في البلدان الغربية، فهي أودت بحياة الملايين في الجنوب.
وتشهد المرحلة الراهنة، على خلاف المرحلة الطويلة التي نودعها، تكاثراً في عدد القوى النووية.
ولا ريب في أن هذا التكاثر يقتضي إدارة جديدة للعلاقات بين القوى.
ويرجح أن تؤدي المنافسة الصينية- الأميركية دوراً بنيوياً، لكنها قد لا تقوم مقام ثنائية الحرب الباردة وقطبيتها.
فتسعى بعض الدول إلى التقرب من الصين، ومن الولايات المتحدة، معاً، أو من الواحدة من غير خصومة مع الأخرى، بحسب المصلحة أو الظرف.
وعلى هذا، فالثنائية القطبية المقبلة قد تكون أقل تزمتاً من سابقتها، على مثال علاقة كندا بالصين.
ولكن هل يسع النظام الجديد بلوغ مرحلة أو حالٍ من الاستقرار، على رغم مرونته أو سيولته؟ يجيب اللواء شميت عن سؤاله: أرجح ذلك وأتمناه، وأتوقع استقراراً على غير صورة الاستقرار التي شهدتها الحرب الباردة.
يرى الخبير في العلاقات الدولية طوراً جديداً في استعادة الردع النووي دوراً راجحاً في سياسات القوى التاريخية التقليدية، وعلى الخصوص في إدارة العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، وعلاقة أوروبا وروسيا.
وفي الأثناء برزت قوى نووية جديدة في آسيا، تتقدمها الهند وباكستان والصين، ثم كوريا الشمالية.
وتوجد هذه الظاهرة دينامية جديدة، قياساً على الحرب الباردة التي كان يقتصر الردع في أثنائها على ردع قطب واحد خصماً واحداً.
أما اليوم، في آسيا مثلاً، على الدولة النووية الواحدة أن تردع في آن واحد عدداً من الدول.
وإذا مثَّلنا على الحال بالهند، يقول الجنرال شميت، فعليها أن تحتسب في استراتيجيتها ردع باكستان والصين وربما كوريا الشمالية.
ولا شك في أن إرسال رسائل تُحمل على محمل الجد إلى أكثر من محاور، وتُفهم على الوجه الصحيح، أمسى أمراً أكثر تعقيداً من ذي قبل.
وهذا تحدٍّ فعلي يستدعي التفكير من جديد في الردع النووي، في إطار كثرة الدول النووية.
وتعقيباً على وصف الكاتب المحاور صورة العلاقات الدولية في ما يسميه بعضهم" الطور النووي الثالث"، تسأل الصحيفة الجنرال الفرنسي عن رأيه في الطور المفترض هذا، وهل يوافق على القول إن مجاله أو ميدانه هو الفضاء، وإن انتقاله إلى الغلاف الجوي يضعف مفعوله ودوره؟فيجيب اللواء المدرس بأن تكاثر الدول النووية، والوسائل التي تغذي النزاعات تحت عتبة الانفجار، يعظم بطبيعة الحال خطر التصعيد وتهديده.
وسميت هذه الحال في أثناء الحرب الباردة" مفارقة الاستقرار والاختلال": إذا شهد المستوى النووي الاستراتيجي استقراراً اجتمعت الاضطرابات على المستوى الحربي التقليدي.
وعلى هذا، قد تنشأ علاقة نووية واستراتيجية مستقرة، وتصاحبها علاقة تقليدية مضطربة ومنفجرة تتولى تجسيد النزاع والخلاف.
والسمة الجديد، مرة أخرى، هي كثرة المعسكرات أو الجبهات التي يطاولها النزاع.
وتبرز الصين مسألة على حدة، كما في كل مناقشة تتطرق إلى العلاقات الدولية في حقبة ما بعد الحرب الباردة.
فما طبيعة القوات المسلحة التي لا تتستر صين شي جينبينغ على بنائها، على وجه السرعة، وتصرف عليها مخصصات ضخمة؟ هل هي جيش القرن الواحد والعشرين؟ أم إنها جيش تقليدي النمط؟ وأي حرب تعدّ لها الصين عدتها منذ اليوم؟يرى العسكري أن الصين تحدّث جهاز دفاعها وتسلحه بأسلحة وقدرات القرن الواحد والعشرين: القصف الدقيق، التجهيز الإلكتروني، الدمج بين الأسلحة، الصواريخ بعيدة المدى، الأقمار الاصطناعية.
أي أن الصينيين يهيئون أنفسهم لحرب قوية الشبه بتلك التي يعدّ لها الأميركيون العدّة، وبدايتها المتوقعة مواجهة كبيرة تعمي الخصم جراء استهداف مراكز قيادته، وأبنية سواتله التحتية، على رجاء انتزاع النصر في حرب قصيرة تقيد حركات الخصم باكراً، وتفكك مفاصله، وتحول بينه وبين القدرة على الرؤية، وتبليغ الأوامر إلى من عليهم تنفيذها.
ويقول الصينيون إنهم يحاولون، على الصعيد العسكري، " إصابة الولايات المتحدة بالصمم والعمى".
ويقول الأميركيون الشيء نفسه في صدد الصين.
وإذا نشبت الحرب فعلاً بين هاتين القوتين، فقد نشهد، بعد أسبوعين من القتال دولتين ضريرتين تتراشقان الضربات من غير أن يسعهما خوض الحرب التي حسبا الإعداد لخوضها.
وفي هذه الحال، ينتج الفارق عن سعة احتياط مخازن الذخيرة، وقدرة السكان على الصمود.
ويُدعى المنظر العسكري إلى استشراف مستقبل التسلح، في ضوء ابتكار صناعة الأسلحة، وحلول بعضها الجديد محل بعضها الآخر، السابق.
فهل يحل الليزر محل المسيرة؟ ويبتكر سلاحه أجوبة عن مفاعيل المسيرة؟ يرجح الجنرال، على قوله من غير جزم، أن تُبتكر، في غضون خمسة إلى عشرة أعوام، أسلحة تقاوم أو تتجنب مفاعيل المسيرة.
ولكن سلاح المسيرات لن يُستغنى عنه، بحسب تقديره، فدمجه الاستطلاع والقصف في جهاز واحد أنشأ شبكات فاعلة بتكلفة منخفضة، وإذا ابتكر سلاح قادر على احتواء المسيرة، والحق أن تدمير مسيرة يبقى أقل تكلفة من صنعها، وهذه ميزة اقتصادية نسبية.
ويقول الكاتب إن أجيال الأسلحة تتراكم طبقة فوق طبقة، فلا يلغي السلاح الجديد السلاح الذي سبقه إلى الاستعمال.
وفي ختام الأعوام العشرة المقبلة، يرجح الجنرال أوليفييه شميت أن تستعمل جيوش العالم في حروبها المصفحات، والمدافع، والمشاة، والمسيرات كذلك.
وقد يطرأ تغيير على طرق استعمالها، بل لا شك في هذا التغيير.
فالعمل جارٍ على جلاء الرؤيا من طريق تحسين اللواقط.
ويختم محاورته بالتنبيه على أن الحرب التي يخوضها المتحاربون هي غير الحرب التي يخطط لها المخططون.
فالأولى لا تنفك من المفاجآت التي يبيتها الخصم والميدان.
وهذا أمر لا حل له، وهو من ضرورات الحرب.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك